الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين القرآن والحديث القدسي

الفرق بين القرآن والحديث القدسي :

هناك عدة فروق بين القرآن الكريم والحديث القدسي أهمها :

1- أن القرآن الكريم كلام الله أوحى به إلى رسول الله بلفظه ، وتحدى به العرب ، فعجزوا عن أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور مثله ، أو بسورة من مثله ، ولا يزال التحدي به قائما ، فهو معجزة خالدة إلى يوم الدين .

والحديث القدسي لم يقع به التحدي والإعجاز .

2- والقرآن الكريم لا ينسب إلا إلى الله تعالى ، فيقال : قال الله تعالى .

والحديث القدسي -كما سبق- قد يروى مضافا إلى الله وتكون النسبة إليه حينئذ نسبة إنشاء فيقال : قال الله تعالى ، أو : يقول الله تعالى ، وقد يروى مضافا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتكون النسبة حينئذ نسبة إخبار لأنه عليه [ ص: 21 ] الصلاة والسلام هو المخبر به عن الله ، فيقال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه عز وجل .

3- والقرآن الكريم جميعه منقول بالتواتر ، فهو قطعي الثبوت ، والأحاديث القدسية أكثرها أخبار آحاد ، فهي ظنية الثبوت . وقد يكون الحديث القدسي صحيحا ، وقد يكون حسنا ، وقد يكون ضعيفا .

4- والقرآن الكريم من عند الله لفظا ومعنى ، فهو وحي باللفظ والمعنى .

والحديث القدسي معناه من عند الله ، ولفظه من عند الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الصحيح فهو وحي بالمعنى دون اللفظ ، ولذا تجوز روايته بالمعنى عند جمهور المحدثين .

5- والقرآن الكريم متعبد بتلاوته ، فهو الذي تتعين القراءة به في الصلاة : فاقرءوا ما تيسر من القرآن ، وقراءته عبادة يثيب الله عليها بما جاء في الحديث : " من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول " الم " حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف “ .

والحديث القدسي لا يجزئ في الصلاة ، ويثيب الله على قراءته ثوابا عاما ، فلا يصدق فيه الثواب الذي ورد ذكره في الحديث على قراءة القرآن ، بكل حرف عشر حسنات .

الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي

الحديث النبوي قسمان :

" قسم توقيفي " وهو الذي تلقى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مضمونه من الوحي فبينه للناس بكلامه ، وهذا القسم وإن كان مضمونه منسوبا إلى الله فإنه -من حيث هو كلام- حري بأن ينسب إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأن الكلام إنما ينسب إلى قائله وإن كان ما فيه من المعنى قد تلقاه عن غيره .

[ ص: 22 ] و " قسم توفيقي " وهو الذي استنبطه الرسول -صلى الله عليه وسلم- من فهمه للقرآن ، لأنه مبين له ، أو استنبطه بالتأمل والاجتهاد . وهذا القسم الاستنباطي الاجتهادي يقره الوحي إذا كان صوابا ، وإذا وقع فيه خطأ جزئي نزل الوحي بما فيه الصواب ، وليس هذا القسم كلام الله قطعا .

ويتبين من ذلك : أن الأحاديث النبوية بقسميها : التوقيفي ، والتوفيقي الاجتهادي الذي أقره الوحي ، يمكن أن يقال فيها إن مردها جميعا بجملتها إلى الوحي ، وهذا معنى قوله تعالى في رسولنا صلى الله عليه وسلم : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . .

والحديث القدسي معناه من عند الله عز وجل ، يلقى إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بكيفية من كيفيات الوحي -لا على التعيين- أما ألفاظه فمن عند الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الراجح ونسبته إلى الله تعالى نسبة لمضمونه لا نسبة لألفاظه ، ولو كان لفظه من عند الله لما كان هناك فرق بينه وبين القرآن ، ولوقع التحدي بأسلوبه والتعبد بتلاوته .

ويرد على هذا شبهتان!

الشبهة الأولى : أن الحديث النبوي وحي بالمعنى كذلك ، واللفظ من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلماذا لا نسميه قدسيا أيضا ؟

والجواب : أننا نقطع في الحديث القدسي بنزول معناه من عند الله لورود النص الشرعي على نسبته إلى الله بقوله صلى الله عليه وسلم : " قال الله تعالى ، أو يقول الله تعالى " ولذا سميناه قدسيا ، بخلاف الأحاديث النبوية فإنها لم يرد فيها مثل هذا النص ، ويجوز في كل واحد منها أن يكون مضمونه معلما بالوحي " أي توقيفيا " وأن يكون مستنبطا بالاجتهاد " أي توفيقيا " ولذا سمينا الكل نبويا وقوفا بالتسمية عند الحد المقطوع به ، ولو كان لدينا ما يميز الوحي التوقيفي لسميناه قدسيا كذلك .

[ ص: 23 ] الشبهة الثانية : أنه إذا كان لفظ الحديث القدسي من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فما وجه نسبته إلى الله بقوله صلى الله عليه وسلم : " قال الله تعالى ، أو يقول الله تعالى " .

والجواب : أن هذا سائغ في العربية ، حيث ينسب الكلام باعتبار مضمونه لا باعتبار ألفاظه ، فأنت تقول حينما تنثر بيتا من الشعر : يقول الشاعر كذا ، وحينما تحكي ما سمعته من شخص : يقول فلان كذا ، وقد حكى القرآن الكريم عن موسى وفرعون وغيرهما مضمون كلامهم بألفاظ غير ألفاظهم ، وأسلوب غير أسلوبهم ، ونسب ذلك إليهم : وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين .

"

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث