الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم

قوله تعالى : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم أي قد شرع لكم تحليلها وهو حل ما عقدته الأيمان بالكفارة ، فالتحلة مصدر حلل كتكرمة من كرم ، وليس مصدرا مقيسا ، والمقيس التحليل والتكريم لأن قياس فعل الصحيح العين غير المهموز هو التفعيل ، وأصله تحللة فأدغم ، وهو من الحل ضد العقد فكأنه باليمين على الشيء لالتزامه عقد عليه وبالكفارة يحل ذلك ، ويحل أيضا بتصديق اليمين كما في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : «لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم » يعني وإن منكم إلا واردها [مريم : 71] إلخ ، وتحليله بأقل ما يقع عليه الاسم كمن حلف أن ينزل يكفي فيه إلمام خفيف ، فالكلام كناية عن التقليل أي قدر الاجتياز اليسير ، وكذا يحل بالاستثناء أي بقول الحالف : إن شاء الله تعالى بشرطه المعروف في الفقه .

ويفهم من كلام الكشاف أن التحليل يكون بمعنى الاستثناء ومعناه كما في الكشف تعقيب اليمين عند الإطلاق بالاستثناء حتى لا تنعقد ، ومنه حلا أبيت اللعن ، وعلى القول بأنه كان منه عليه الصلاة والسلام يمين كما جاء في بعض الروايات وهو ظاهر الآية اختلف هل أعطى صلى الله تعالى عليه وسلم الكفارة أم لا ؟ فعن الحسن أنه عليه الصلاة والسلام لم يعط لأنه كان مغفورا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين ، وفيه أن غفران الذنب لا يصلح دليلا لأن ترتب الأحكام الدنيوية على فعله عليه الصلاة والسلام ليس من المؤاخذة على الذنب كيف وغير مسلم أنه ذنب ، وعن مقاتل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية ، وقد نقل مالك في المدونة عن زيد بن أسلم أنه عليه الصلاة والسلام أعطى الكفارة في تحريمه أم ولده حيث حلف أن لا يقربها ، ومثله عن الشعبي ، واختلف العلماء في حكم قول الرجل لزوجته : أنت علي حرام أو الحلال علي حرام ولم يستثن زوجته فقيل : قال جماعة منهم مسروق وربيعة وأبو سلمة والشعبي وأصبغ : هو كتحريم الماء والطعام لا يلزمه شيء ، وقال أبو بكر وعمر وزيد وابن مسعود وابن عباس وعائشة وابن المسيب وعطاء وطاوس وسليمان بن يسار وابن جبير وقتادة والحسن والأوزاعي وأبو ثور وجماعة : هو يمين يكفرها ، وابن عباس أيضا في رواية ، والشافعي في قول في أحد قوليه : فيه تكفير يمين وليس بيمين ، وأبو حنيفة يرى تحريم الحلال يمينا في كل شيء ، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه فإذا حرم طعاما فقد حلف على عدم أكله أو أمة فعلى وطئها أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم [ ص: 149 ]

تكن له نية فإن نوى الظهار فظهار وإن نوى الطلاق فطلاق بائن ، وكذلك إن نوى اثنتين وإن نوى ثلاثا فكما نوى ، وإن قال : نويت الكذب دين بينه وبين الله تعالى ، ولكن لا يدين في قضاء الحاكم بإبطال الإيلاء لأن اللفظ إنشاء في العرف ، وقال جماعة : إن لم يرد شيئا فهو يمين ، وفي التحرير قال أبو حنيفة وأصحابه : إن نوى الطلاق فواحدة بائنة أو اثنتين فواحدة أو ثلاثا فثلاث . أو لم ينو شيئا فمول . أو الظهار فظهار ، وقال ابن القاسم : لا تنفعه نية الظهار ويكون طلاقا ، وقال يحيى بن عمر : يكون كذلك فإن ارتجعها فلا يجوز له وطؤها حتى يكفر كفارة الظهار ، ويقع ما أراد من إعداده فإن نوى واحدة فرجعية وهو قول للشافعي ، وقال الأوزاعي وسفيان وأبو ثور : أي شيء نوى به من الطلاق وقع وإن لم ينو شيئا فقال سفيان : لا شيء عليه ، وقال الأوزاعي وأبو ثور : تقع واحدة ، وقال ابن جبير : عليه عتق رقبة وإن لم يكن ظهارا ، وقال أبو قلابة وعثمان وأحمد وإسحاق : التحريم ظهار ففيه كفارته ، وعن الشافعي إن نوى أنها محرمة كظهر أمه فظهار ، أو تحريم عينها بغير طلاق ، أو لم ينو فكفارة يمين ، وقال مالك : يقع ثلاث في المدخول بها وما أراد من واحدة أو ثنتين . أو ثلاث في غير المدخول بها ، وقال ابن أبي ليلى وعبد الملك بن الماجشون : تقع ثلاث في الوجهين ، وروى ابن خويزمنداد عن مالك ، وقاله زيد وحماد بن أبي سليمان : تقع واحدة بائنة فيهما ، وقال الزهري وعبد العزيز بن الماجشون : واحدة رجعية ، وقال أبو مصعب ومحمد بن عبد الحكم : يقع في التي لم يدخل بها واحدة وفي المدخول بها ثلاث ، وفي الكشاف لا يراه الشافعي يمينا ولكن سببا في الكفارة في النساء وحدهن ، وأما الطلاق فرجعي عنده ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه ثلاث ، وعن زيد واحدة بائنة ، وعن عثمان ظهار ، وأخرج البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي عن ابن عباس أنه قال : من حرم امرأته فليس بشيء .

وقرأ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [الأحزاب : 21] وللنسائي أنه أتاه رجل فقال : جعلت امرأتي علي حراما قال : كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا هذه الآية يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك عليك أغلظ الكفارة عتق رقبة إلى غير ذلك من الأقوال ، وهي في هذه المسألة كثيرة جدا ، وفي نقل الأقوال عن أصحابها اختلاف كثير أيضا ، واحتج بما في هذه الآية من فرض تحليلها بالكفارة إن لم يستثن من رأى التحريم مطلقا ، أو تحريم المرأة يمينا لأنه لو لم يكن يمينا لم يوجب الله تعالى فيه كفارة اليمين هنا .

وأجيب بأنه لا يلزم من وجوب الكفارة كونه يمينا لجواز اشتراك الأمرين المتغايرين في حكم واحد فيجوز أن تثبت الكفارة فيه لمعنى آخر ، ولو سلم أن هذه الكفارة لا تكون إلا مع اليمين فيجوز أن يكون صلى الله تعالى عليه وسلم أقسم مع التحريم فقال في مارية : «والله لا أطؤها » أو في العسل «والله لا أشربه » وقد رواه بعضهم فالكفارة لذلك اليمين لا للتحريم وحده ، والله تعالى أعلم .

والله مولاكم سيدكم ومتولي أموركم وهو العليم فيعلم ما يصلحكم فيشرعه سبحانه لكم الحكيم المتقن أفعاله وأحكامه فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا حسبما تقتضيه الحكمة

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث