الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              2474 271 \ 2365 -وفي رواية لأبي داود: قال: فبينما هو معتكف إذ كبر [ ص: 190 ] الناس، فقال ما هذا يا عبد الله قال سبي هوازن أعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال وتلك الجارية فأرسلها معهم

                                                              فيه عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي المكي، وهو ضعيف. وقال ابن عدي ". ولا أعلم ذكر في هذا الإسناد ذكر الصوم مع الاعتكاف، إلا من رواية عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار.

                                                              وقال الدارقطني: تفرد به ابن بديل عن عمرو، وهو ضعيف الحديث. وقال أيضا: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر؛ لأن الثقات من أصحاب عمرو لم يذكروه -يعني الصوم- منهم ابن جريج، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وغيرهم، وابن بديل ضعيف الحديث، تم كلامه. وقد أخرجاه في "الصحيحين"، وليس فيه ذكر الصوم.

                                                              التالي السابق




                                                              قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى الدارقطني هذا الحديث في "سننه"عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بعد إسلامه، فقال: "أوف بنذرك ". قال: هذا إسناد حسن، تفرد بهذا اللفظ سعيد بن بشير [ ص: 191 ]

                                                              وروى الدارقطني أيضا عن عائشة ترفعه: " لا اعتكاف إلا بصيام ". قال: تفرد به سويد بن عبد العزيز، عن سفيان بن حسين، عن الزهري عن عروة عنها.

                                                              واختلف أهل العلم في اشتراط الصوم في الاعتكاف، فأوجبه أكثر أهل العلم، منهم عائشة أم المؤمنين، وابن عباس، وابن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه، [ ص: 192 ] وذهب الشافعي وأحمد في الرواية المشهورة عنه أن الصوم فيه مستحب غير واجب.

                                                              قال ابن المنذر: وهو مروي عن علي وابن مسعود.

                                                              واحتج هؤلاء بما في الصحيحين عن عمر: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك "، قالوا: والليل ليس بمحل للصيام، وقد جوز الاعتكاف فيه.

                                                              واحتجوا أيضا بما رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي سهيل عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه "، وقال: صحيح الإسناد.

                                                              واحتجوا أيضا بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه، وإنه أمر بخباء فضرب، أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمرت [ ص: 193 ] زينب بخبائها فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخبائه فضرب، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر نظر فإذا الأخبية، فقال: آلبر تردن ؟ فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في العشر الأول من شوال "، ويوم العيد داخل في جملة العشر، وليس محلا للصوم.

                                                              واحتجوا أيضا بأن الاعتكاف عبادة مستقلة بنفسها، فلم يكن الصوم شرطا فيها كسائر العبادات، من الحج والصلاة والجهاد والرباط، وبأنه لزوم مكان معين لطاعة الله تعالى، فلم يكن الصوم شرطا فيه، كالرباط، وبأنه قربة بنفسه، فلا يشترط فيه الصوم، كالحج.

                                                              قال الموجبون: الكلام معكم في مقامين: أحدهما: ذكر ضعف أدلتكم، والثاني: ذكر الأدلة على اشتراط الصوم.

                                                              فأما المقام الأول، فنقول: لا دلالة في شيء مما ذكرتم، أما حديث ابن عمر عن أبيه فقد اتفق على صحته، لكن اختلف في لفظه كثيرا، فرواه مسدد وزهير ويعقوب الدورقي عن يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فقالوا: " ليلة "، وكذلك رواه ابن المبارك وسليمان بن [ ص: 194 ] بلال عن عبيد الله، وهكذا رواه إسحاق بن راهويه عن حفص بن غياث عن عبيد الله

                                                              ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن حفص بن غياث فأبهم النذر، فقال: " إني نذرت أن أعتكف عند المسجد الحرام ؟ فقال: أوف بنذرك "، وكذلك رواه أبو أسامة عن عبيد الله مبهما،

                                                              ورواه شعبة عن عبيد الله بن عمر فقال: " إني نذرت أن أعتكف يوما "

                                                              وكذلك اختلف فيه على أيوب السختياني، فرواه حماد بن زيد عنه عن نافع قال: " ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة، فقال: لم يعتمر منها، وكان على عمر نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية، فسأل رسول الله [ ص: 195 ] صلى الله عليه وسلم ؟ فأمره أن يفي به، فدخل المسجد تلك الليلة، فلما أصبح إذا السبي يسعون، يقولون: أعتقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " متفق عليه،

                                                              وكذلك رواه ابن عيينة عن أيوب، وخالفهما معمر وجرير، فقالا: " يوما "، وكلاهما في الصحيحين بهذين اللفظين.

                                                              قال النفاة: يجوز أن يكون عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اعتكاف ليلة وحدها، فأمره به، وسأله مرة أخرى عن اعتكاف يوم، فأمره به.

                                                              قال الموجبون: هذا مما لا يشك عالم في بطلانه، فإن القصة واحدة، وعمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح سؤالا واحدا،

                                                              وهذه الطريقة يسلكها كثير ممن لا تحقيق عنده، وهي احتمال التكرار في كل حديث اختلفت ألفاظه بحسب اختلافها، وهو مما يقطع ببطلانه في أكثر المواضع، كالقطع ببطلان التعدد في اشتراء البعير من جابر مرارا في أسفار، [ ص: 196 ] والقطع ببطلان التعدد في إنكاح الواهبة نفسها، بلفظ الإنكاح مرة، والتزويج مرة، والإملاك مرة، والقطع ببطلان الإسراء مرارا، كل مرة تفرض عليه خمسون صلاة، ثم يرجع إلى موسى فيرده إلى ربه، حتى تصير خمسا، فيقول تعالى: " لا يبدل القول لدي، هي خمس، وهي خمسون في الأجر "، ثم يفرضها في الإسراء الثاني خمسين، فهذا مما يجزم ببطلانه، ونظائره كثيرة، كقول بعضهم في حديث عمران بن حصين: " كان الله ولا شيء قبله "، و" كان ولا شيء غيره "، و" كان ولا شيء معه " -: إنه [ ص: 197 ] يجوز أن تكون وقائع متعددة، وهذا القائل لو تأمل سياق الحديث لاستحيا من هذا القول، فإن سياقه: " أنه أناخ راحلته بباب المسجد، ثم تفلتت فذهب يطلبها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، فقال بعد ذلك: وايم الله وددت لو أني قعدت وتركتها " فيا سبحان الله ! ! أفي كل مرة من المرار يتفق له هذا ؟ ! وبالجملة، فهذه طريقة من لا تحقيق له.

                                                              وإذا كان عمر إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، فإن كان يوما فلا دلالة فيه، وإن كان ليلة، فالليالي قد تطلق ويراد بها الأيام، استعمالا فاشيا في اللغة لا ينكر، كيف وقد روى سعيد بن بشير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: " أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: أوف بنذرك

                                                              وسعيد بن بشير - هذا - وإن كان قد ضعفه ابن المديني ويحيى بن معين والنسائي، فقد قال فيه شعبة: كان صدوق اللسان، وقال سفيان بن عيينة: كان حافظا، وقال دحيم: هو ثقة، وقال: كان مشيختنا يوثقونه.

                                                              وقال البخاري: يتكلمون في حفظه، وهو يحتمل، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي ينكر على من أدخله في كتاب الضعفاء، وقال: محله الصدق، وقال ابن عدي: الغالب على حديثه الاستقامة.

                                                              وقد روى عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن [ ص: 198 ] عمر هذا الحديث ; وفيه: " فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتكف ويصوم "، ولكن تفرد به ابن بديل، وضعفه الدارقطني،

                                                              وقال ابن عدي: له أحاديث مما ينكر عليه الزيادة في متنه أو إسناده، وقال أبو بكر النيسابوري: هذا حديث منكر؛ لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه، منهم: ابن جريج وابن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة، وابن بديل ضعيف الحديث،

                                                              فهذا مما لا حاجة بنا إلى الاستدلال به.

                                                              وحديث سعيد بن بشير أجود منه.

                                                              وأما حديث ابن عباس الذي رواه الحاكم، فله علتان:

                                                              إحداهما: أنه من رواية عبد الله بن محمد الرملي، وليس بالحافظ حتى يقبل منه تفرده، بمثل هذا.

                                                              العلة الثانية: أن الحميدي وعمرو بن زرارة روياه عن الدراوردي عن أبي سهيل عن طاوس عن ابن عباس موقوفا عليه، وهذا هو الصواب، [ ص: 199 ] وهو الثابت عن ابن عباس.

                                                              وأما حديث عائشة وقصة اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم العشر الأول من شوال، فهذا قد اختلف فيه لفظ الصحيح.

                                                              وفيه ثلاثة ألفاظ:

                                                              أحدها: " عشرا من شوال "

                                                              والثاني: " في العشر الأول من شوال "

                                                              والثالث: " العشر الأول "،

                                                              ولا ريب أن هذا ليس بصريح في اعتكاف يوم العيد، ولو كان الثابت قوله " العشر الأول من شوال "؛ لأنه يصح أن يقال: اعتكف العشر الأول، وإن كان قد أخل بيوم منه، كما يقال: قام ليالي العشر الأخير، وإن كان قد أخل بالقيام في جزء من الليل.

                                                              ويقال: قام ليلة القدر، وإن أخل بقيامه في بعضها.

                                                              وأما الأقيسة التي ذكرتموها، فمعارضة بأمثالها، أو بما هو من جنسها فلا حاجة إلى التطويل بذكرها.

                                                              وأما المقام الثاني: وهو الاستدلال على اشتراط الصوم فأمور:

                                                              أحدها: أنه لم تعرف مشروعية الاعتكاف إلا بصوم، ولم يثبت عن النبي [ ص: 200 ] صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من أصحابه، أنهم اعتكفوا بغير صوم، ولو كان هذا معروفا عندهم لكانت شهرته تغني عن تكلفكم الاستدلال باعتكافه العشر الأول من شوال.

                                                              الثاني: حديث عائشة الذي ذكره أبو داود في الباب، وقولها: " السنة - كذا وكذا - ولا اعتكاف إلا بصوم ".

                                                              قال النفاة: الجواب عن هذا من وجوه: أحدها:

                                                              أن رواية عبد الرحمن بن إسحاق، قال فيه أبو حاتم: لا يحتج به، وقال البخاري: ليس ممن يعتمد على حفظه، وقال الدارقطني: يرمى بالقدر.

                                                              الثاني: أن هذا الكلام من قول الزهري، لا من قول عائشة، كما ذكره أبو داود وغيره، قال الليث عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده فالسنة في المعتكف أن لا يخرج إلا للحاجة التي لا بد منها، ولا يعود مريضا، ولا يمس امرأته، ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، والسنة فيمن اعتكف أن يصوم، قال الدارقطني: قوله: " والسنة في المعتكف" - إلى آخره، ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من قول الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم.

                                                              [ ص: 201 ] الثالث: أن غايته الدلالة على استحباب الصوم في الاعتكاف، فإن قوله " السنة " إنما يفيد الاستحباب.

                                                              وقوله " لا اعتكاف إلا بصوم " نفي للكمال.

                                                              قال الموجبون: الجواب عما ذكرتم:

                                                              أما تضعيف عبد الرحمن بن إسحاق.

                                                              فقد روى له مسلم في صحيحه، ووثقه يحيى بن معين وغيره.

                                                              وأما قولكم: إنه من قول الزهري، ومن أدرجه فقد وهم، فجوابه من وجهين:

                                                              أحدهما: أنا لو تركنا وهذا لكان ما ذكرتم فادحا، ولكن قد روى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن عائشة قالت: " من اعتكف فعليه الصوم " فهذا يقوي حديث الزهري.

                                                              الثاني: أنه ولو ثبت أنه من كلام الزهري فهو يدل على أن السنة المعروفة التي استمر عليها العمل أنه لا اعتكاف إلا بصوم، فهل عارض هذه السنة سنة غيرها، حتى تقابل به ؟

                                                              وأما قولكم: إن هذا إنما يدل على الاستحباب، فليس المراد بالسنة هاهنا مجرد الاستحباب، وإنما المراد طريقة الاعتكاف، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المستمرة فيه.

                                                              وقوله " ولا اعتكاف إلا بصوم " يبين ذلك.

                                                              وقولكم: إنه لنفي الكمال صحيح، ولكن لنفي كمال الواجب، أو المستحب ؟ الأول: مسلم، والثاني. ممنوع. والحمل عليه بعيد جدا، إذ لا [ ص: 202 ] يصلح النفي المطلق عند نفي بعض المستحبات، وإلا صح النفي عن كل عبادة ترك بعض مستحباتها، ولا يصح ذلك لغة ولا عرفا ولا شرعا، ولا يعهد في الشريعة نفي لعبادة إلا لترك واجب فيها،

                                                              [ ص: 203 ]



                                                              الخدمات العلمية