الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في بيان أحكام الغصب

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 144 ] فإن أفات المقصود : كقطع ذنب دابة ذي هيئة ، أو أذنها . أو طيلسانه ، [ ص: 145 ] أو لبن شاة هو المقصود ، وقلع عيني عبد أو يديه فله أخذه ونقصه ، أو قيمته ، [ ص: 146 ] وإن لم يفته فنقصه : كلبن بقرة ، ويد عبد أو عينه ، وعتق عليه ، إن قوم ، ولا منع لصاحبه في الفاحش على الأرجح ، [ ص: 147 ] ورفا الثوب مطلقا ، وفي أجرة الطبيب : قولان

التالي السابق


( فإن أفات ) المتعدي بتعديه النفع ( المقصود ) مما تعدى هو عليه ( كقطع ) ذنب ( دابة ذي هيئة ) أي عظمة وعلو منزلة كقاض وإمام ( أو ) قطع ( أذنها ) على الرواية المشهورة عن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه ورواية ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ وصوبها اللخمي ( أو طيلسانه ) أي ذي الهيئة بفتح الطاء المهملة واللام وسكون التحتية أي ما يجعله على رأسه في الشتاء لدفع البرد وقلنسوته لأنه [ ص: 145 ] إتلاف للمنفعة المقصودة منهما ، إذ بعد ما ذكر لا ينتفع بهما ذو الهيئة ، والدابة تشمل البغلة والفرس والحمار الفاره ، ونسخة الأقفهسي والبساطي بغلة بدل دابة .

( و ) قطع ( لبن ) نحو ( شاة هو المقصود ) من اقتنائها ، وكذا تقليله عند مطرف وابن الماجشون وأصبغ ، ومفهوم هو المقصود منها أنه إذا لم يكن هو المقصود منها فإتلافه يوجب أرشه فقط ( و ) ك ( قلع عيني ) مثنى عين حذفت نونه لإضافته ل ( عبد أو ) قطع ( يديه ) وجواب فإن أفات المقصود ( فله ) أي مالك المتعدى عليه ( أخذه ) أي المتعدى عليه ( و ) أخذ أرش ( نقصه و ) له تركه للمتعدي وأخذ ( قيمته ) منه يوم تعديه .

" ق " اللخمي على أربعة أوجه يسير لم يبطل الغرض المقصود منه ، ويسير أبطل ذلك منه ، وكثير لم يبطل الغرض منه ، وكثير أبطل ذلك منه ، فاليسير الذي يبطل الغرض المقصود منه فيه خلاف . ابن القصار يضمن جميعه ، فإن قطع ذنب دابة القاضي أو أذنها ضمنها وكذا مركوب كل من يعلم أن مثله لا يركب مثل ذلك فذلك سواء ، وسواء كانت الدابة حمارا أو بغلا أو غيرهما ، ولا فرق بين المركوب والملبوس كقلنسوة القاضي وطيلسانه وعمامته ، وكذا من يعلم أنه لا يلبس مثل ذلك المجني عليه ولا يستعمله فيما قصد إليه ، فهذه الرواية المشهورة عن مالك رضي الله تعالى عنه .

ابن يونس عن الأخوين لو تعدى على شاة بأمر قل لبنها به ، فإن كان عظم ما تراد له اللبن ضمن قيمتها إن شاء ربها ، وإن لم تكن غزيرة اللبن فإنما يضمن ما نقصها . وأما الناقة والبقرة فإنما فيهما ما نقصهما ، وإن كانتا غزيرتي اللبن لأن فيهما منافع غيره باقية .

وفي المدونة من فقأ عيني عبد رجل أو قطع يديه جميعا فقد أبطله ، ويضمن الجارح قيمته ويعتق عليه ، وإن لم يبطله ، مثل أن يفقأ له عينا واحدة أو جدع أنفه وشبهه فعليه ما نقصه ولا يعتق عليه . ابن رشد إن قطع الواحدة من صانع ضمن قيمته اتفاقا . [ ص: 146 ] وإن لم يفته ) بضم فكسر أي المتعدي الغرض المقصود من المتعدى عليه ( ف ) أرش ( نقصه ) أي المتعدى عليه يستحقه مالكه من المتعدي ، ومثل لغير المفيت بقوله ( كلبن بقرة ) أو ناقة ولو مقصودا منهما لأن فيهما منافع غيره . وقال ابن الماجشون لبن البقرة المقصود كلبن الشاة ( و ) قطع ( يد عبد و ) قلع ( عينه ) أي العبد لا يفيت الغرض المقصود منه لبقاء منافعه بما بقي من يديه وعينيه ، ظاهره ولو صانعا ، وهو مذهب ابن القاسم . وطريق ابن رشد من سماع أصبغ أنه إن قطع يد الصانع أو قلع عينه يضمن قيمته اتفاقا .

( و ) إن تعدى على رقيق غيره بقطع أو فقء ، ( عتق ) بفتحات لرقيق ( عليه ) أي المتعدي ( إن قوم ) بضم فكسر مثقلا الرقيق ( عليه ) أي المتعدي بأن اختار سيده تغريمه قيمته ، ومفهوم إن قوم عليه أنه إن اختار سيده أخذه وأرش نقصه فلا يعتق ، وهو كذلك ، وهذا في غير مفيت الغرض المقصود . وأشار إلى المفيت بقوله ( ولا منع لصاحبه ) أي الرقيق المتعدى عليه بقطع أو فقء من التقويم والعتق على المتعدي ( في ) التعدي ( الفاحش ) المفوت الغرض المقصود كقطع يديه أو قلع عينيه ( على الأرجح ) عند ابن يونس من الخلاف .

" ق " ابن يونس عن بعض الفقهاء معنى قول ابن القاسم أن الجاني على العبد جناية مفسدة يغرم قيمته ويعتق عليه ، إنما هذا إذا طلب سيده . وأما إن أبى فله أخذ العبد وما نقصه وليس العتق بأمر وجب للعبد لا بد منه . ابن يونس هذا خلاف ظاهر قول ابن القاسم وأشهب والصواب من هذا ، والذي اختاره أنه إذا أفسده هكذا أن يغرم الجاني قيمته ويعتق عليه ما أحب سيده أو كره ، لأن قيمته عوضه فهو مضاد في ترك قيمته صحيحا وأخذ ما لا ينتفع به وإحرام العبد العتق وإن لم يفسده ، مثل أن يقفأ عينه الواحدة أو يقطع يده الواحدة لم يذهب بها أكثر منافعه فيخير سيده بين أخذه وما نقصه ، [ ص: 147 ] لأنه ينتفع به أو يغرم الجاني قيمته ويعتق عليه أدبا له لتعديه وظلمه ، كما قال الإمام مالك وأشهب " رضي الله عنه " .

وأما إن كانت الجناية يسيرة مثل أن يجدع أذنه أو يقطع أصبعه ولم يفسده ذلك فليس عليه إلا ما نقصه طفي فاختلاف ابن يونس وبعض القرويين إنما هو في معنى قول ابن القاسم فيها ومن تعدى على عبد رجل ففقأ عينه أو قطع له جارحة أو جارحتين فما كان من ذلك فسادا فاحشا حتى لم يبق فيه كبير منفعة فإنه يضمن قيمته ويعتق عليه . ا هـ . فالمناسب لاصطلاح المصنف التأويلان ، لكن لما لم يقتصر ابن يونس على ذلك وجعل المراتب ثلاثا مفسدا فاحشا ، وكثيرا غير مفسد ، ويسيرا أراد المصنف الإشارة إلى اختياره ، ولذا قيد بالفاحش إشارة إلى أن غيره له المنع فيه والله أعلم .

( ورفا ) بالفاء أي أصلح المتعدي ( الثوب ) الذي خرقه بتعديه عليه وشعب القصعة التي شقها رفوا ( مطلقا ) عن التقييد باليسارة أو الكثرة ويغرم أرش نقصه بعد رفوه في اليسير اتفاقا ، وفي الكثير على ظاهر كلام المتقدمين . وقال ابن يونس لا يلزمه رفوه لأنه قد يكون ضعف قيمته كله والمتعدي لا يلزمه إلا قيمته ( وفي ) لزوم ( أجرة الطبيب ) الذي يداوي المتعدى عليه بقطع أو فقء المتعدي تنزيلا للتطبيب منزلة الرفو واستحسنه اللخمي وعدم لزومها لأن الرفو محقق نفعه بخلاف التطبيب . ابن عبد السلام هذا ظاهر المذهب وصححه في الشامل وشهره بعضهم ( قولان ) لم يطلع المصنف على أرجحية أحدهما .

" ق " فيها لابن القاسم من تعدى على صحفة أو عصا لرجل فكسرها أو خرق ثوبه ، فإن أفسد ذلك فسادا كثيرا خير ربه في أخذ قيمته جميعه أو أخذه بعينه وأخذ ما نقص من المتعدي ، وإن كان الفساد يسيرا فلا خيار له ، وإنما له ما نقصه بعد رفو الثوب . ابن يونس بعض أصحابنا إذا أفسد الثوب فسادا كثيرا واختار ربه أخذه وما نقصه فإنما يعني أن يرفى ويخاط وتشعب القصعة ونحو ذلك كما قال في الفساد اليسير أنه يأخذ الثوب وما نقصه [ ص: 148 ] بعد رفوه لا فرق بين اليسير والكثير ، بخلاف الجناية على الحيوان فليس على الجاني أن يغرم إلا ما نقص بعد أن يداوي الدابة .

والفرق بينهما أن ما ينفق على المداواة غير معلوم ، ولا يعلم هل ترجع إلى ما كانت عليه أم لا ، والرفو والخياطة معلوم ما ينفق عليهما ويرجعان إلى ما كانا . ابن يونس هذا الذي ذكر في الفساد الكثير في الثوب أنه يأخذه وما نقصه بعد الرفو خلاف ظاهر قولهم ، ووجه فساده أنه يغرم في رفو الثوب أكثر من قيمته صحيحا ، وذلك لا يلزمه والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث