الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
واختلف في المسح على العمامة ، فقال أصحابنا ومالك والحسن بن صالح والشافعي : ( لا يجوز المسح على العمامة ولا على الخمار ) . وقال الثوري والأوزاعي : ( يمسح على العمامة ) . والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى : وامسحوا برءوسكم وحقيقته تقتضي إمساسه الماء ومباشرته ، وماسح العمامة غير ماسح برأسه فلا تجزيه صلاته إذا صلى به . وأيضا فإن الآثار متواترة في مسح الرأس ، فلو كان المسح على العمامة جائزا لورد النقل به متواترا في وزن وروده في المسح على الخفين ؛ فلما لم يثبت عنه مسح العمامة من جهة التواتر لم يجز المسح عليها من وجهين :

أحدهما : أن الآية تقتضي مسح الرأس ، فغير جائز العدول عنه إلا بخبر يوجب العلم . والثاني : عموم الحاجة إليه ، فلا يقبل في مثله إلا المتواتر من الأخبار . وأيضا حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة وقال : هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به ومعلوم أنه مسح برأسه لأن مسح العمامة لا يسمى وضوءا ، ثم نفى جواز الصلاة إلا به . وحديث عائشة الذي قدمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ومسح برأسه ثم قال : هذا الوضوء الذي افترض الله علينا فأخبر أن مسح الرأس بالماء هو المفروض علينا فلا تجزي الصلاة إلا به . وإن احتجوا بما روى بلال والمغيرة بن شعبة : أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والعمامة وما روى راشد بن سعد عن ثوبان قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد ، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين . قيل لهم : هذه أخبار مضطربة الأسانيد وفيها رجال مجهولون ، ولو استقامت أسانيدها لما جاز الاعتراض بمثلها على الآية ؛ وقد بينا في حديث المغيرة بن شعبة أنه مسح على ناصيته وعمامته ، وفي بعضها : على جانب عمامته ، وفي بعضها : وضع يده على عمامته ؛ فأخبر أنه فعل المفروض في مسح الناصية ومسح على العمامة وذلك جائز عندنا ويحتمل ما رواه بلال ما بين في حديث المغيرة . وأما حديث ثوبان فمحمول على معنى حديث المغيرة أيضا بأن مسحوا على بعض الرأس وعلى العمامة . والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية