الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      مسألة أما إذا تكرر لفظ الأمر نحو صل ثلاثا صل ثلاثا ، فإن قلنا : في الأمر الواحد يقتضي التكرار ، فهاهنا هو تأكيد قطعا ، وإن قلنا : إن مطلقه للمرة الواحدة ففي تكرره وجهان : حكاهما الشيخ أبو إسحاق وسليم الرازي . أحدهما : أنه تأكيد له فلا يقتضي من المرة الواحدة .

                                                      قال الأستاذ أبو منصور : هو قول أصحابنا ، ونسبه ابن فورك والشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ للصيرفي ، وقد رأيت التصريح به في كتابه المسمى بالدلائل والأعلام " ، فقال : متى خوطبنا بإيجاب شيء وكرر لم يتكرر الفعل لتكرر الأمر كقوله تعالى { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } في مواضع كثيرة ، والدليل عليه : حديث الأقرع بن حابس [ ص: 322 ] في الحج ، وقوله : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } الآية ، لما أمر بغسل الأعضاء عند القيام إلى الصلاة وأنه يغسل كل الأعضاء للجنابة لم يجب أن يغسل الأعضاء مرتين من أجل الحدث أو الجنابة ، لأنه أمر من قام إلى الصلاة أن يدخل فيها بالصلاة التي وضعها ، ولم يجعل الله تعالى الوضوء من الحدث لنفسه ; لأن الحدث إنما هو علم لنقض الطهارة لا لإيجابها ، ولو كان كذلك لكان إذا أحدث وجب أن يتطهر لا للصلاة ، فعلم بذلك أن الطهارة للصلاة بهذه الأوصاف ، ولو كان من أجل الحدث للزم تكرار الغسل كما يلزم من أمر إن فعل شيئا من أجل شيء ، وفعل مثله من أجل غيره كأمرنا بالفدية إذا حلق ، وإذا لبس نعليه وبه جزم أبو الخطاب الحنبلي في تمهيده " . والثاني : أنه استئناف فيقتضي الأمر بتكرير الفعل ، ونسبه ابن الصباغ لأكثر أصحابنا ، وصححه الشيخ أبو إسحاق له وإلكيا الهراسي ، وقال ابن برهان : إنه قول الجمهور ، وحكاه الهندي عن الأكثرين ، ونسبه صاحب الواضح " المعتزلي لعبد الجبار ، ونسبه الأستاذ أبو منصور لأهل الرأي ، وقطع بالأول .

                                                      وقال الباجي : هو قول جماعة من شيوخنا ، وهو ظاهر مذهب مالك ، وإليه ذهب عامة أصحاب الشافعي ، ونقل وجها ثالثا ، وهو أنه لا يحمل على التأكيد والتكرار إلا بدليل ، ونسبه لابن فورك ، ورأيت في كتابه أنه الصحيح [ ص: 323 ] وهذا قول الوقف الذي حكاه ابن القشيري وغيره عن الواقفية أنه متردد بين التأكيد وغيره فيتوقف على القرينة . قال وكلام القاضي متردد فتارة يميل إلى الوقف ، وهو الصحيح وتارة يقول : يقتضي إنشاء لا متجددا . انتهى .

                                                      وممن حكى الوقف عنه أبو الحسين البصري . قال الشيخ أبو إسحاق ويمكن تخريج هذين الوجهين في هذه المسألة من قول الشافعي في الفروع فيما إذا قال : أنت طالق أنت طالق ، ولم يكن له في الثانية نية هل يقتضي التأكيد أو الاستئناف ؟ قولان . ولمحل الخلاف شروط : أحدها : أن لا يكون هناك ما يمنع التكرار ، فإن كان ، فهو للتأكيد قطعا ، كالأمر بالقتل والعتق إذا تكررا في شخص واحد ، فإنه لا يمكنه قتله وعتقه مرتين . ذكره ابن القشيري والقاضي عبد الوهاب في الملخص " . الثاني : أن يرد التكرار قبل الامتثال فإن ورد بعده حمل الثاني على الاستئناف قاله ابن القشيري والباجي وغيرهما

                                                      الثالث : أن يتحد مدلول اللفظين ، نحو صل ركعتين صل ركعتين فإن اختلفا اقتضى التكرار قطعا . قاله الباجي وصاحب الواضح " ، نحو اضرب زيدا أعطه درهما ، اضرب زيدا اضرب عمرا ، صل ركعتين ، صم يوما ، ولا فرق في هذا القسم بين أن يقرن بحرف العطف أو لا ، ولا بين التعريف والتنكير كما ذكره إلكيا الهراسي وغيره . قال نعم إن دل الدليل على أن الثاني ذكر تأكيدا أو أفرد عما عداه تفخيما فالحكم للدليل ، نحو عطف جبريل وميكائيل على الملائكة .

                                                      وقال صاحب الكبريت الأحمر " : إن ورد الأمر الأول بالنكرة والثاني [ ص: 324 ] بالمعرفة فإنه ينصرف الثاني إلى ما انصرف إليه الأول سواء بالعطف وغيره ، وكذلك إذا وردا بالمعرفة ; لأن الألف واللام متى ظفرا بمعهود فإنهما ينصرفان إليه إلا لمانع ، ولهذا حمل ابن عباس العسر الثاني على الأول في قوله تعالى : { فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } حتى قال : " لن يغلب عسر يسرين " . الرابع : أن لا يعطف أحدهما على الآخر ، فإن عطف فلا خلاف في حمل الثاني على الاستئناف ; لأن الشيء لا يعطف على نفسه . قاله الباجي وصاحب الواضح " ، وبه جزم ابن الصباغ في العدة " ، ولكنه خص ذلك بما إذا لم يكن فيه لام التعريف ، فإن كانت مثل صل ركعتين ، وصل ركعتين قال : فاختلفوا فيه ، فقيل : يحمل على الاستئناف ، وقيل بالوقف ; لأن العطف يقتضي المغايرة ، والألف واللام تقتضي الاتحاد . وقال القاضي عبد الوهاب في الملخص " : إذا أمر بفعل ، ثم عطف عليه بآخر فللمسألة أحوال : أحدها : أن يكون الثاني خلاف الأول ، نحو { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } فهما متغايران .

                                                      الثاني : أن يكون ضده فكذلك بالاتفاق كقوله : لا تمس زيدا بسوء ، ولا تضربه ثم تقول : اضربه ، وشرطه أن يتعدد الوقت ، فلو اتحد لم يجز ، وإن ورد حمل على التخيير .

                                                      الثالث : أن يكون الأمر الثاني مثل موجب الأول فهذا وضع الخلاف ، فذهب القاضي وغيره إلى أن الثاني غير الأول ما لم يمنع مانع ، وهذا الذي يجيء على قول أصحابنا . وذهب آخرون إلى أن الثاني هو الأول ، ولا بد أيضا في هذا من اشتراط كون الفعل مما يصح تكراره . قال : فإن كان الأمر الأول متناولا لجميع [ ص: 325 ] الجنس والمعطوف متناولا لبعضه ، فقيل بالتغاير ، كقوله تعالى : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } فقيل : إن هذا يوجب أن تكون الوسطى غير الصلوات المذكورة قبلها ; لأن العطف للتغاير ، والصحيح : أن ذلك محمول على ما سبق إلى الوهم عند سماعه ، وهو التفخيم والتعظيم . وأما عكسه ، وهو كون الثاني أعم من الأول ، كقوله : اقتل أهل الأديان ، واقتل جميع المشركين ، فاختلف فيه هنا ، والصحيح : أنه لا يدل على المغايرة ، وأن المراد بذلك التفخيم والبداءة بما هو الأهم قال وهذا كله إذا لم تقم دلالة على أن المراد به غير التأكيد ، فإن قامت دلالة على غير ذلك صرنا إليه . انتهى . الشرط الخامس : أن يكون الأمر في وقتين ، كذا صور به سليم مسألة الخلاف . وقضيته : أنه إذا كرره في وقت واحد يحمل على التأكيد قطعا ، لكن صرح ابن القشيري في كتابه أنه لا فرق بين أن يتخلله زمان أم لا ، ثم قال : وقال القاضي : إن فرض الكلام في الأمر والنهي الصادر من الخلق ، فلا يبعد التفصيل بين ما يريد من الأوامر على التوالي أو مع التخلل بزمان ، فإن تخلل حمل على التجدد ، ويمكن حمله على التأكيد ، فأما ما في أوامر الله تعالى فلا فرق ، ولذلك جاز التخصيص . قال ابن القشيري : وهذا الذي قاله القاضي محل نظر ، فإن ما اتصل بنا من كلام الله - تعالى - عباراته دالة عليه ، فأي فرق ؟ ولو صح هذا لصح تأخير الاستثناء على المستثنى منه . السادس : أن تتكرر صيغة الأمر ، فإن تكرر المأمور به دون صيغته ، نحو صل ركعتين ركعتين فلم يصرح بها الأصوليون ، ويخرج من كلام الفقهاء منها خلاف . والصحيح لا فرق فإنهم اختلفوا في قوله : أنت طالق طالق ، هل [ ص: 326 ] هو بمثابة أنت طالق أنت طالق ، أو تقع طلقة قطعا ؟ فيه وجهان أصحهما : الأول .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية