الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الإقرار

جزء التالي صفحة
السابق

قوله ( فأما الصبي والمجنون : فلا يصح إقرارهما ، إلا أن يكون الصبي مأذونا له في البيع والشراء . فيصح إقراره في قدر ما أذن له ، دون ما زاد ) وهذا المذهب مطلقا . نص عليه . وعليه جماهير الأصحاب . وقطع به أكثرهم . وقدمه في الفروع ، وغيره . [ ص: 129 ] وهو مقيد بما إذا قلنا بصحة تصرفه بإذن وليه . على ما مر في " كتاب البيع " . وقال أبو بكر ، وابن أبي موسى : لا يصح إقرار المأذون له إلا في الشيء اليسير . وأطلق في الروضة : صحة إقرار مميز . وقال ابن عقيل : في إقراره روايتان . أصحهما : يصح . نص عليه إذا أقر في قدر إذنه . وحمل القاضي إطلاق ما نقله الأثرم أنه لا يصح حتى يبلغ على غير المأذون . قال الأزجي : هو حمل بلا دليل . ولا يمتنع أن يكون في المسألة روايتان : الصحة ، وعدمها . وذكر الأدمي البغدادي : أن السفيه والمميز : إن أقرا بحد ، أو قود ، أو نسب ، أو طلاق : لزم . وإن أقرا بمال : أخذ بعد الحجر . قال في الفروع : كذا قال . وإنما ذلك في السفيه . وهو كما قال . قال في القواعد الأصولية : هو غلط . وتقدم بعض ذلك في كلام المصنف ، في آخر " باب الحجر " . فائدة

لو قال بعد بلوغه : لم أكن حال إقراري ، أو بيعي ، أو شرائي ، ونحوه بالغا . فقال في المغني ، والشرح : لو أقر مراهق مأذون له ، ثم اختلف هو والمقر له في بلوغه : فالقول قوله ، إلا أن تقوم بينة ببلوغه . ولا يحلف إلا أن يختلفا بعد ثبوت بلوغه . فعليه اليمين : أنه حين أقر لم يكن بالغا . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله ويتوجه وجوب اليمين عليه . [ ص: 130 ] قال في الكافي : فإن قال " أقررت قبل البلوغ " فالقول قوله مع يمينه ، إذا كان اختلافهما بعد بلوغه . قال في الرعاية : فإن بلغ ، وقال " أقررت وأنا غير مميز " صدق إن حلف . وقيل : لا . فجزم المصنف في كتابيه : بأن القول قول الصبي في عدم البلوغ . وقدمه في الرعايتين ، والحاوي الصغير . والصواب : أنه لا يقبل قوله . وتقدم نظير ذلك في الخيار ، عند قوله " وإن اختلفا في أجل أو شرط فالقول قول من ينفيه " . وقدم في الفروع هناك : أنه لا يقبل قوله في دعوى ذلك . والله أعلم . وأطلق الخلاف هناك . وتقدم نظير ذلك : في الضمان أيضا إذا ادعى : أنه ضمن قبل بلوغه . قال ابن رجب في قواعده : لو ادعى البالغ : أنه كان صبيا حين البيع ، أو غير مأذون له أو غير ذلك ، وأنكر المشتري : فالقول قول المشتري على المذهب . ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله في صورة دعوى الصغير ، في رواية ابن منصور . لأن الظاهر وقوع العقود على وجه الصحة دون الفساد . وإن كان الأصل عدم البلوغ والإذن . قال : وذكر الأصحاب وجها آخر في دعوى الصغير : أنه يقبل . لأنه لم يثبت تكليفه . والأصل عدمه . بخلاف دعوى عدم الإذن من المكلف . فإن المكلف لا يتعاطى في الظاهر إلا الصحيح . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : وهكذا يجيء في الإقرار وسائر التصرفات إذا اختلفا : هل وقعت قبل البلوغ ، أو بعده ؟ . وقد سئل عمن أسلم أبوه ، فادعى : أنه بالغ ؟ فأفتى بعضهم بأن القول قوله . [ ص: 131 ] وأفتى الشيخ تقي الدين رحمه الله : بأنه إذا كان لم يقر بالبلوغ إلى حين الإسلام ، فقد حكم بإسلامه قبل الإقرار بالبلوغ . بمنزلة ما إذا ادعت انقضاء العدة بعد أن ارتجعها . قال : وهذا يجيء في كل من أقر بالبلوغ بعد حق ثبت في حق الصبي ، مثل الإسلام ، وثبوت أحكام الذمة تبعا لأبيه ، أو لو ادعى البلوغ بعد تصرف الولي وكان رشيدا ، أو بعد تزويج ولي أبعد منه . انتهى .

وقال في الفروع : وإن قال " لم أكن بالغا " فوجهان . وإن أقر وشك في بلوغه ، فأنكره : صدق بلا يمين . قاله في المغني ، ونهاية الأزجي ، والمحرر . لحكمنا بعدمه بيمينه . ولو ادعاه بالسن قبل ببينة . وقال في الترغيب : يصدق صبي ادعى البلوغ بلا يمين . ولو قال " أنا صبي " لم يحلف وينتظر بلوغه . وقال في الرعاية : من أنكره ، ولو كان أقر . أو ادعاه وأمكنا : حلف إذا بلغ . وقال في عيون المسائل : يصدق في سن يبلغ في مثله ، وهو تسع سنين . ويلزمه بهذا البلوغ ما أقر به . قال : وعلى قياسه الجارية . وإن ادعى : أنه أنبت بعلاج ودواء لا بالبلوغ : لم يقبل . ذكره المصنف في فتاويه . انتهى ما نقله في الفروع . وقال في الرعاية : ويصح إقرار المميز بأنه قد بلغ بعد تسع سنين ، ومثله يبلغ لذلك . وقيل : بل بعد عشر . وقيل : بل بعد ثنتي عشرة سنة . [ ص: 132 ] وقيل : بل بالاحتلام فقط . وقال في التلخيص : وإن ادعى أنه بلغ بالاحتلام في وقت إمكانه : صدق . ذكره القاضي . إذ لا يعلم إلا من جهته . وإن ادعاه بالسن : لم يقبل إلا ببينة . وقال الناظم : يقبل إقراره أنه بلغ إذا أمكن . وقال في المستوعب : فإن أقر ببلوغه ، وهو ممن يبلغ مثله كابن تسع سنين فصاعدا صح إقراره وحكمنا ببلوغه . ذكره القاضي ، واقتصر عليه . قلت : الصواب قبول قوله في الاحتلام إذا أمكن . والصحيح : أن أقل إمكانه عشر سنين على ما تقدم فيما يلحق من النسب وعدم قبول قوله في السن إلا ببينة . وأما بنبات الشعر : فبشاهد .

فائدة

لو ادعى أنه كان مجنونا : لم يقبل إلا ببينة . على الصحيح من المذهب . وذكر الأزجي : يقبل أيضا إن عهد منه جنون في بعض أوقاته وإلا فلا . قال في الفروع : ويتوجه قبوله ممن غلب عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث