الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[ إطلاق لفظ الحسن قبل شيوخ الترمذي :]

20 - قوله: (ع): وقد وجد التعبير بالحسن في كلام شيوخ الطبقة التي قبل الترمذي كالشافعي .

أقول: قد وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم من الشافعي .

قال إبراهيم النخعي : كانوا إذا اجتمعوا كره الرجل أن يخرج حسان حديثه.

وقيل لشعبة : كيف تركت أحاديث العرزمي وهي حسان؟

قال: من حسنها فررت.

ووجد: "هذا من أحسن الأحاديث إسنادا" في كلام علي بن المديني وأبي زرعة الرازي وأبي حاتم ويعقوب بن شيبة وجماعة.

لكن منهم من يريد بإطلاق ذلك المعنى الاصطلاحي.

ومنهم من لا يريده. فأما ما وجد في ذلك في عبارة الشافعي ومن قبله بل وفي عبارة أحمد بن حنبل فلم يتبين لي منهم إرادة المعنى الاصطلاحي، بل ظاهر عبارتهم خلاف ذلك.

[ ص: 425 ] فإن حكم الشافعي على حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - في استقبال بيت المقدس حال قضاء الحاجة بكونه حسنا خلاف الاصطلاح، بل هو صحيح متفق على صحته. وكذا قال الشافعي - رضي الله تعالى عنه - في حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - في السهو.

وأما أحمد : فإنه سئل فيما حكاه الخلال عن أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر فقال: أصح ما فيها حديث أم حبيبة - رضي الله تعالى عنها.

قال: وسئل عن حديث بسرة - رضي الله عنها فقال: صحيح.

قال الخلال : حدثنا أحمد بن أصرم أنه سأل أحمد عن حديث أم حبيبة - رضي الله عنها - في مس الذكر فقال: هو حديث حسن.

[ ص: 426 ] فظاهر هذا أنه لم يقصد المعنى الاصطلاحي؛ لأن الحسن لا يكون أصح من الصحيح .

وأما أبو حاتم ، فذكر ابنه في كتاب الجرح والتعديل في باب من اسمه عمرو من حرف العين: عمرو بن محمد - روى عن سعيد بن جبير وأبي زرعة بن عمرو بن جرير - روى عنه إبراهيم بن طهمان سألت أبي عنه فقال: هو مجهول، والحديث الذي رواه عن سعيد بن جبير حسن.

قلت: وكلام أبي حاتم هذا محتمل، فإنه يطلق المجهول على ما هو أعم من المستور وغيره ، فيحتمل أن يكون حكم على الحديث بالحسن لأنه روي من وجه آخر ، فيوافق كلام الترمذي ، ويحتمل أن يكون حكم بالحسن وأراد المعنى اللغوي [أي:] أن متنه حسن - والله أعلم - .

وأما علي بن المديني فقد أكثر من وصف الأحاديث بالصحة والحسن في مسنده وفي علله، فظاهر عبارته قصد المعنى الاصطلاحي، وكأنه الإمام السابق لهذا الاصطلاح، وعنه أخذ البخاري ويعقوب بن شيبة وغير واحد.

وعن البخاري أخذ الترمذي .

فمن ذلك: ما ذكر الترمذي في العلل الكبير أنه سأل البخاري عن [ ص: 427 ] أحاديث التوقيت في المسح على الخفين، فقال: حديث صفوان بن عسال صحيح، وحديث أبي بكرة - رضي الله عنه - حسن وحديث صفوان الذي أشار إليه موجود في شرائط الصحة.

وحديث أبي بكرة الذي أشار إليه - رواه ابن ماجه من رواية المهاجر أبي مخلد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه - رضي الله عنه - به، والمهاجر قال وهيب : إنه كان غير حافظ.

[ ص: 428 ] وقال ابن معين : صالح. وقال الساجي : صدوق.

وقال أبو حاتم : لين الحديث يكتب حديثه.

فهذا على شرط الحسن لذاته. كما تقرر.

وإن كان ابن حبان أخرجه في صحيحه، فذاك جري على قاعدته في عدم التفرقة بين الصحيح والحسن، فلا يعترض به. وذكر الترمذي - أيضا - في الجامع أنه سأله عن حديث شريك بن عبد الله النخعي ، عن أبي إسحاق ، عن عطاء بن أبي رباح عن رافع بن خديج - رضي الله عنه - قال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [ ص: 429 ]

من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته .

وهو من أفراد شريك عن أبي إسحاق ، قال البخاري : هو حديث حسن، انتهى.

وتفرد شريك بمثل هذا الأصل عن أبي إسحاق (مع كثرة الرواة) عن أبي إسحاق مما يوجب التوقف عن الاحتجاج به، لكنه اعتضد بما رواه الترمذي - أيضا - من طريق عقبة بن الأصم ، عن عطاء بن رافع - رضي الله عنه - فوصفه بالحسن لهذا. وهذا على شرط القسم الثاني فبان أن استمداد الترمذي لذلك إنما هو من البخاري ولكن الترمذي أكثر منه وأشاد بذكره وأظهر الاصطلاح فيه فصار أشهر به من غيره - والله أعلم - .

التالي السابق


الخدمات العلمية