الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      [ ص: 290 ] قصة بناء المسجد

                                                                                      قال أبو التياح ، عن أنس : فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملأ بني النجار فجاؤوا ، فقال : يا بني النجار ، ثامنوني بحائطكم هذا . قالوا : لا والله ، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله . فكان فيه ما أقول لكم : كان فيه قبور المشركين ، وكان فيه خرب ونخل . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ، وبالخرب فسويت ، وبالنخل فقطع . فصفوا النخل قبلة ، وجعلوا عضادتيه حجارة ، وجعلوا ينقلون الصخر ، وهم يرتجزون ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم ، ويقولون :


                                                                                      اللهم لا خير إلا خير الآخره فانصر الأنصار والمهاجره

                                                                                      متفق عليه . وفي رواية : فاغفر للأنصار .

                                                                                      وقال موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، في قصة بناء المسجد : فطفق هو وأصحابه ينقلون اللبن ، ويقول . وهو ينقل اللبن معهم :


                                                                                      هذا الحمال ، لا حمال خيبر     هذا أبر - ربنا - وأطهر

                                                                                      ويقول :


                                                                                      اللهم لا خير إلا خير الآخره     فارحم الأنصار والمهاجره

                                                                                      قال ابن شهاب : فتمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعر رجل من المسلمين لم يسم في الحديث . ولم يبلغني في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر غير هذه الأبيات .

                                                                                      [ ص: 291 ] ذكره البخاري في صحيحه .

                                                                                      وقال صالح بن كيسان : حدثنا نافع أن عبد الله أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن ، وسقفه الجريد ، وعمده خشب النخل . فلم يزد فيه أبو بكر شيئا . وزاد فيه عمر ، وبناه على بنيانه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد ، وأعاد عمده خشبا . وغيره عثمان ، فزاد فيه زيادة كبيرة ، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة ، وجعل عمده من حجارة منقوشة ، وسقفه بالساج . أخرجه البخاري .

                                                                                      وقال حماد بن سلمة ، عن أبي سنان ، عن يعلى بن شداد ، عن عبادة ، أن الأنصار جمعوا مالا ، فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ابن بهذا المسجد وزينه ، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد ؟ فقال : ما بي رغبة عن أخي موسى ، عريش كعريش موسى .

                                                                                      وروي عن الحسن البصري في قوله : " كعريش موسى " ، قال : إذا رفع يده بلغ العريش ، يعني السقف .

                                                                                      وقال عبد الله بن بدر ، عن قيس بن طلق بن علي ، عن أبيه قال : بنيت مع النبي صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة ، فكان يقول : " قربوا اليمامي من الطين ، فإنه من أحسنكم به بناء .

                                                                                      وقال أبو سعيد الخدري : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا . أخرجه مسلم بأطول منه .

                                                                                      [ ص: 292 ] وقال صلى الله عليه وسلم : " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة " . صحيح .

                                                                                      وقال أبو سعيد : كنا نحمل لبنة لبنة ، وعمار يحمل لبنتين لبنتين ، يعني في بناء المسجد ، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل ينفض عنه التراب ويقول : " ويح عمار ، تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " أخرجه البخاري دون قوله : " تقتله الفئة الباغية " ، وهي زيادة ثابتة الإسناد .

                                                                                      ونافق طائفة من الأوس والخزرج ، فأظهروا الإسلام مداراة لقومهم . فممن ذكر منهم : من أهل قباء : الحارث بن سويد بن الصامت ، وكان أخوه خلاد رجلا صالحا ، وأخوه الجلاس ، دون خلاد في الصلاح .

                                                                                      ومن المنافقين : نبتل بن الحارث ، وبجاد بن عثمان ، وأبو حبيبة بن الأزعر أحد من بنى مسجد الضرار ، وجارية بن عامر ، وابناه : زيد ومجمع وقيل : لم يصح عن مجمع النفاق ، وإنما ذكر فيهم لأن قومه جعلوه إمام مسجد الضرار وعباد بن حنيف ، وأخواه سهل وعثمان من فضلاء الصحابة .

                                                                                      [ ص: 293 ] ومنهم : بشر ، ورافع ، ابنا زيد ، ومربع ، وأوس ، ابنا قيظي . وحاطب بن أمية ، ورافع بن وديعة ، وزيد بن عمرو ، وعمرو بن قيس ، ثلاثتهم من بني النجار ، والجد بن قيس الخزرجي ، من بني جشم ، وعبد الله بن أبي بن سلول ، من بني عوف بن الخزرج ، وكان رئيس القوم .

                                                                                      وممن أظهر الإيمان من اليهود ونافق بعد : سعد بن حنيف ، وزيد بن اللصيت ، ورافع بن حرملة ، ورفاعة بن زيد بن التابوت ، وكنانة بن صوريا .

                                                                                      ومات فيها : البراء بن معرور السلمي أحد نقباء العقبة رضي الله عنه ، وهو أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ، وكان كبير الشأن .

                                                                                      وتلاحق المهاجرون الذين تأخروا بمكة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يبق إلا محبوس أو مفتون ، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها ، إلا أوس الله ، وهم حي من الأوس ، فإنهم أقاموا على شركهم .

                                                                                      ومات فيها : الوليد بن المغيرة المخزومي والد خالد ، والعاص بن وائل السهمي والد عمرو بمكة على الكفر .

                                                                                      وكذلك : أبو أحيحة سعيد بن العاص الأموي توفي بماله بالطائف .

                                                                                      وفيها : أري الأذان عبد الله بن زيد ، وعمر بن الخطاب ، فشرع الأذان على ما رأيا .

                                                                                      وفي شهر رمضان عقد النبي صلى الله عليه وسلم لواء لحمزة بن عبد المطلب يعترض عيرا لقريش . وهو أول لواء عقد في الإسلام .

                                                                                      وفيها : بعث النبي صلى الله عليه وسلم حارثة وأبا رافع إلى مكة لينقلا بناته وسودة أم المؤمنين .

                                                                                      وفي ذي القعدة عقد لواء لسعد بن أبي وقاص ، ليغير على حي من [ ص: 294 ] بني كنانة أو بني جهينة . ذكره الواقدي .

                                                                                      وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ، عن عروة قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، فكان أول راية عقدها راية عبيدة بن الحارث .

                                                                                      وفيها : آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، على المواساة والحق .

                                                                                      وقد روى أبو داود الطيالسي ، عن سليمان بن معاذ ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، وورث بعضهم من بعض ، حتى نزلت : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ( 75 ) ) [ الأنفال ] .

                                                                                      والسبب في قلة من توفي في هذا العام ، وما بعده من السنين ، أن المسلمين كانوا قليلين بالنسبة إلى من بعدهم ، فإن الإسلام لم يكن إلا ببعض الحجاز ، أو من هاجر إلى الحبشة . وفي خلافة عمر رضي الله عنه بل وقبلها انتشر الإسلام في الأقاليم ، فبهذا يظهر لك سبب قلة من توفي في صدر الإسلام ، وسبب كثرة من توفي في زمان التابعين فمن بعدهم .

                                                                                      وكان في هذا القرب أبو قيس بن الأسلت بن جشم بن وائل الأوسي الشاعر ، وكان يعدل بقيس بن الخطيم في الشجاعة والشعر ، وكان يحض الأوس على الإسلام ، وكان قبل الهجرة يتأله ويدعي الحنيفية ، ويحض قريشا على الإسلام ، فقال قصيدته المشهورة التي أولها :


                                                                                      أيا راكبا إما عرضت فبلغن     مغلغلة عني لؤي بن غالب
                                                                                      [ ص: 295 ] أقيموا لنا دينا حنيفا ، فأنتمو     لنا قادة ، قد يقتدى بالذوائب



                                                                                      روى الواقدي عن رجاله قالوا : خرج ابن الأسلت إلى الشام ، فتعرض آل جفنة فوصلوه ، وسأل الرهبان فدعوه إلى دينهم فلم يرده ، فقال له راهب : أنت تريد دين الحنيفية ، وهذا وراءك من حيث خرجت . ثم إنه قدم مكة معتمرا ، فلقي زيد بن عمرو بن نفيل ، فقص عليه أمره ، فكان أبو قيس بعد يقول : ليس أحد على دين إبراهيم إلا أنا وزيد . فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقد أسلمت الخزرج والأوس ، إلا ما كان من أوس الله فإنها وقفت مع ابن الأسلت ، وكان فارسها وخطيبها ، وشهد يوم بعاث ، فقيل له : يا أبا قيس ، هذا صاحبك الذي كنت تصف . قال : رجل قد بعث بالحق . ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعرض عليه شرائع الإسلام ، فقال : ما أحسن هذا وأجمله ، أنظر في أمري . وكاد أن يسلم ، فلقيه عبد الله بن أبي ، فأخبره بشأنه فقال : كرهت والله حرب الخزرج . فغضب وقال : والله لا أسلم سنة . فمات قبل السنة .

                                                                                      فروى الواقدي عن ابن حبيبة ، عن داود بن الحصين ، عن أشياخه أنهم كانوا يقولون : لقد سمع يوحد عند الموت ، والله أعلم .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية