الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5487 ص: ففي هذه الآثار عن رسول الله -عليه السلام- إباحة بيع الشعير بالحنطة مثلين بمثل، فقد ثبت القول بذلك من طريق الآثار، ثم التمسنا حكم ذلك من طريق النظر لنعلم كيف هو؟ فرأينا أصحاب رسول الله -عليه السلام- اختلفوا في كفارة اليمين من الحنطة، كيف هو؟ فقال بعضهم: هي نصف صاع لكل مسكين، وقال بعضهم: هي مد لكل مسكين، فكان الذين جعلوها من الحنطة نصف صاع يجعلونها في الشعير صاعا، وكان الذين جعلوها من الحنطة مدا يجعلونها من الشعير مدين، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده عنهم في غير هذا الموضع.

                                                فثبت بذلك أنهما نوعان مختلفان؛ لأنهما لو كانا من نوع واحد إذن لأجزى من أحدهما ما يجزي عن الآخر.

                                                فإن قال قائل: إنه إنما زيد في الشعير على ما جعل في ذلك من الحنطة لغلو الحنطة واتضاع الشعير.

                                                فالجواب له في ذلك: أنا رأينا ما يعطى من جيد الحنطة ومن رديئها في كفارة الأيمان سواء، وكذلك الشعير، ألا ترى أن من وجبت عليه كفارة يمين فأعطى كل مسكين نصف مد يساوي نصف صاع، أن ذلك لا يجزئه من نصف صاع ولا من مد، فلما كان ما ذكرنا كذلك وكان الشعير يؤدى في كفارات الأيمان مثلي ما يؤدى من الحنطة؛ ثبت أنه نوع خلاف الحنطة، فثبت بذلك أنه لا بأس ببيعه بالحنطة مثلين بمثل وأكثر من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد -رحمهم الله-.

                                                [ ص: 353 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 353 ] ش: أراد بهذه الآثار حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- وإنما جمعه باعتبار كونه مخرجا من وجوه كثيرة وطرق متعددة، فكان كل طريق منها أثرا مستقلا بذاته فجمعه على آثار.

                                                قوله: "ثم التمسنا حكم ذلك" أي فطلبنا حكم بيع الحنطة بالشعير متفاضلا من طريق النظر والقياس.

                                                قوله: "فقال بعضهم هي نصف صاع" أي فقال بعض الصحابة -رضي الله عنهم-: كفارة اليمين نصف صاع من الحنطة، وأراد بهؤلاء البعض: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعائشة أم المؤمنين -رضي الله عنهم-، فإنه صح عنهم في كفارة اليمين لكل مسكين نصف صاع من الحنطة أو صاع من تمر أو شعير، وهو قول إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وقتادة، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه.

                                                قوله: "وقال بعضهم: هي مد" أي وقال بعض الصحابة: كفارة اليمين، مد وهو رطل وثلث بالعراقي عند الشافعي وأهل الحجاز، ورطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق، وأراد بهؤلاء البعض: عبد الله بن عباس وابن عمر أيضا وزيد بن ثابت أيضا فإن الرواية عن ابن عمر وزيد مختلفة.

                                                وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح، وإليه ذهب مالك والشافعي، وسيجيء في بابه زيادة البيان إن شاء الله تعالى.

                                                قوله: "وقد ذكرنا ذلك" أي المذكور من أقوال الصحابة -رضي الله عنهم- ذكره في كتاب الأيمان على ما يجيء إن شاء الله تعالى، وقد وضع كتاب الأيمان والنذور في بعض نسخ الطحاوي عقيب كتاب الحج.

                                                فقوله هذا بالإخبار عن الماضي يدل على أن ترتيبه الكتاب كان كذا، والله أعلم.

                                                قوله: "فإن قال قائل" سؤال يرد على ما تقدم من قوله: "فكان الذين جعلوها من الحنطة ... " إلى آخره، وتقريره أن يقال: إن تلك الزيادة في الموضعين لأجل [ ص: 354 ] غلو الحنطة ورخص الشعير، وهو معنى قوله: واتضاع الشعير، فلا يدل ذلك على أنهما نوعان مختلفان.

                                                قوله: "فلما كان ما ذكرنا كذلك" أشار به إلى ما بينه من وجه النظر والقياس.

                                                قوله: "وكان الشعير يؤدى منه" عطف عليه، وقوله: "ثبت أنه نوع خلاف الحنطة" جواب لما وضحه القياس المذكور، أي ثبت أن الشعير نوع بذاته خلاف الحنطة.

                                                قوله: "وهذا قول أبي حنيفة" أشار به إلى ما بينه من وجه النظر، أن الشعير خلاف الحنطة، وأنه نوع بذاته، وأنه لا بأس ببيعه بالحنطة مثلين بمثل أو أكثر، والله أعلم.

                                                ***




                                                الخدمات العلمية