الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم

جزء التالي صفحة
السابق

( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) قيل : هذا تفصيل بعد إجمال . وقيل : استئناف تشريع بين فيه فساد تحريم لحوم السوائب ، والوصائل ، والبحائر ، والحوام ، وأنها حلال لهم . وبهيمة الأنعام من باب إضافة الشيء إلى جنسه فهو بمعنى من ، لأن البهيمة أعم ، فأضيفت إلى أخص . فبهيمة الأنعام هي كلها قاله : قتادة ، والضحاك ، والسدي ، والربيع ، والحسن . وهي الثمانية الأزواج التي ذكرها الله تعالى . وقال ابن قتيبة : هي الإبل ، والبقر ، والغنم ، والوحوش كلها . وقال قوم منهم الضحاك والفراء : بهيمة الأنعام وحشيها كالظباء ، وبقر الوحش وحمره . وكأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس الأنعام البهائم ، والأضرار وعدم الأنياب ، فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه ، وتقدم الكلام في مدلول لفظ الأنعام . وقال ابن عمر وابن عباس : بهيمة الأنعام هي الأجنة التي تخرج عند ذبح أمهاتها فتؤكل دون ذكاة ، وهذا فيه بعد . وقيل : بهيمة الأنعام هي التي ترعى من ذوات الأربع ، وكان المفترس من الحيوان كالأسد وكل ذي ناب قد خرج عن حد الإبهام فصار له نظر ما .

( إلا ما يتلى عليكم ) هذا استثناء من بهيمة الأنعام ; والمعنى : إلا ما يتلى عليكم تحريمه من نحو قوله : ( حرمت عليكم الميتة ) . وقال القرطبي : ومعنى [ ص: 413 ] يتلى عليكم يقرأ في القرآن والسنة ، ومنه ( كل ذي ناب من السباع حرام ) . وقال أبو عبد الله الرازي : ظاهر هذا الاستثناء مجمل ، واستثناء الكلام المجمل من الكلام المفصل يجعل ما بقي بعد الاستثناء مجملا ، إلا أن المفسرين أجمعوا على أن المراد من هذا الاستثناء هو المذكور بعد هذه الآية وهو قوله : ( حرمت عليكم ) إلى قوله : ( وما ذبح على النصب ) ووجه هذا أن قوله : أحلت لكم بهيمة الأنعام ، يقتضي إحلالها لهم على جميع الوجوه . فبين تعالى أنها إن كانت ميتة أو مذبوحة على غير اسم الله ، أو منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة ، أو افترسها السبع فهي محرمة . انتهى كلامه . وموضع ( ما ) نصب على الاستثناء ، ويجوز الرفع على الصفة لـ ( بهيمة ) . قال ابن عطية : وأجاز بعض الكوفيين أن يكون في موضع رفع على البدل ، وعلى أن تكون " إلا " عاطفة ، وذلك لا يجوز عند البصريين إلا من نكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس نحو قولك : جاء الرجل إلا زيد ، كأنك قلت : غير زيد . انتهى . وهذا الذي حكاه عن بعض الكوفيين من أنه في موضع رفع على البدل لا يصح البتة ، لأن الذي قبله موجب . فكما لا يجوز : قام القوم إلا زيد ، على البدل ، كذلك لا يجوز البدل في : إلا ما يتلى عليكم . وأما كون ( إلا ) عاطفة فهو شيء ذهب إليه بعض الكوفيين كما ذكر ابن عطية . وقوله : وذلك لا يجوز عند البصريين ، ظاهره الإشارة إلى وجهي الرفع ، البدل والعطف . وقوله : إلا من نكرة ، هذا استثناء مبهم لا يدرى من أي شيء هو . وكلا وجهي الرفع لا يصلح أن يكون استثناء منه ، لأن البدل من الموجب لا يجيزه أحد علمناه لا بصري ولا كوفي . وأما العطف فلا يجيزه بصري البتة ، وإنما الذي يجيزه البصريون أن يكون نعتا لما قبله في مثل هذا التركيب . وشرط فيه بعضهم ما ذكر من أنه يكون من المنعوت نكرة ، أو ما قاربها من أسماء الأجناس ، فلعل ابن عطية اختلط عليه البدل والنعت ولم يفرق بينهما في الحكم . ولو فرضنا تبعية ما بعد ( إلا ) لما قبلها في الإعراب على طريقة البدل حتى يسوغ ذلك ، لم يشترط تنكير ما قبل ( إلا ) ولا كونه مقاربا للنكرة من أسماء الأجناس ، لأن البدل والمبدل منه يجوز اختلافهما بالتنكير والتعريف .

( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) قرأ الجمهور ( غير ) بالنصب ، واتفق جمهور من وقفنا على كلامه من [ ص: 414 ] المعربين والمفسرين على أنه منصوب على الحال . ونقل بعضهم الإجماع على ذلك ، واختلفوا في صاحب الحال . فقال الأخفش : هو ضمير الفاعل في أوفوا . وقال الجمهور والزمخشري وابن عطية وغيرهما : هو الضمير المجرور في أحل لكم . وقال بعضهم : هو الفاعل المحذوف من أحل القائم مقامه المفعول به ، وهو الله تعالى . وقال بعضهم : هو ضمير المجرور في ( عليكم ) . ونقل القرطبي عن البصريين أن قوله : إلا ما يتلى عليكم ، هو استثناء من بهيمة الأنعام . وأن قوله : غير محلي الصيد ، استثناء آخر منه . فالاستثناءان [ ص: 415 ] معناهما من بهيمة الأنعام ، وفي المستثنى منه ، والتقدير : إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون ، بخلاف قوله : ( إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) على ما يأتي بيانه وهو قول مستثنى مما يليه من الاستثناء . قال : ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام ، لأنه مستثنى من المحظور إذا كان إلا ما يتلى عليكم مستثنى من الإباحة ، وهذا وجه ساقط ، فإذا معناه : أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد . انتهى . وقال ابن عطية : وقد خلط الناس في هذا الموضع في نصب ( غير ) ، وقدروا [ ص: 416 ] تقديمات وتأخيرات ، وذلك كله غير مرضي ، لأن الكلام على اطراده متمكن ، استثناء بعد استثناء . انتهى كلامه . وهو أيضا ممن خلط على ما سنوضحه .

فأما قول الأخفش : ففيه الفصل بين ذي الحال والحال بجملة اعتراضية ، بل هي منشئة أحكاما ، وذلك لا يجوز . وفيه تقييد الإيفاء بالعقود بانتفاء إحلال الموفين الصيد وهم حرم ، وهم مأمورون بإيفاء العقود بغير قيد ، ويصير التقدير : أوفوا بالعقود في حال انتفاء كونكم محلين الصيد وأنتم حرم ، وهم قد أحلت لهم بهيمة الأنعام أنفسها . وإن أريد به الظباء وبقر الوحش وحمره فيكون المعنى : وأحل لكم هذه في حال انتفاء كونكم محلين الصيد وأنتم حرم ، وهذا تركيب قلق معقد ، ينزه القرآن أن يأتي فيه مثل هذا . ولو أريد بالآية هذا المعنى لجاء على أفصح تركيب وأحسنه . وأما قول من جعله حالا من الفاعل ، وقدره : وأحل الله لكم بهيمة الأنعام غير محل لكم الصيد وأنتم حرم ، قال كما تقول : أحللت لك كذا غير مبيحه لك يوم الجمعة ، فهو فاسد . لأنهم نصوا على أن الفاعل المحذوف في مثل هذا التركيب يصير نسيا منسيا ، ولا يجوز وقوع الحال منه . لو قلت : أنزل المطر للناس مجيبا لدعائهم ، إذ الأصل أنزل الله المطر مجيبا لدعائهم لم يجز ، وخصوصا على مذهب الكوفيين ومن وافقهم من البصريين ، لأن صيغة الفعل المبني للمفعول صيغة وضعت أصلا كما وضعت صيغته مبنيا للفاعل ، وليست مغيرة من صيغة بنيت للفاعل ، ولأنه يتقيد إحلاله تعالى بهيمة الأنعام إذا أريد بها ثمانية الأزواج بحال انتفاء إحلاله الصيد وهم حرم ، وهو تعالى قد أحلها في هذه الحال وفي غيرها .

وأما ما نقله القرطبي عن البصريين ، فإن كان النقل صحيحا فهو يتخرج على ما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، فنقول : إنما عرض الإشكال في الآية من جعلهم غير محلي الصيد حالا من المأمورين بإيفاء العقود ، أو من المحلل لهم ، أو من المحلل وهو الله تعالى ، أو من المتلو عليهم . وغرهم في ذلك كونه كتب محلي بالياء ، وقدروه هم أنه اسم فاعل من أحل ، وأنه مضاف إلى الصيد ، إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول ، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة . وأصله : غير محلين الصيد وأنتم حرم ، إلا في قول من جعله حالا من الفاعل المحذوف ، فلا يقدر فيه حذف النون ، بل حذف التنوين . وإنما يزول الإشكال ويتضح المعنى بأن يكون قوله : محلي الصيد ، من باب قولهم : حسان النساء ; والمعنى : النساء الحسان ، وكذلك هذا أصله غير الصيد المحل . والمحل صفة للصيد لا للناس ، ولا للفاعل المحذوف . ووصف الصيد بأنه محل على وجهين : أحدهما : أن يكون معناه دخل في الحل ، كما تقول : أحل الرجل ; أي : دخل في الحل ، وأحرم دخل في الحرم . والوجه الثاني : أن يكون معناه صار ذا حل ; أي : حلالا بتحليل الله . وذلك أن الصيد على قسمين : حلال ، وحرام . ولا يختص الصيد في لغة العرب بالحلال . ألا ترى إلى قول بعضهم : إنه ليصيد الأرانب حتى الثعالب [ ص: 417 ] لكنه يختص به شرعا ; وقد تجوزت العرب فأطلقت الصيد على ما لا يوصف بحل ولا حرمة ; نحو قوله :


ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ما كذب الليث عن أقرانه صدقا



وقال آخر :


وقد ذهبت سلمى بعقلك كله     فهل غير صيد أحرزته حبائله



وقال آخر :


ومي تصيد قلوب الرجال     وأفلت منها ابن عمر وحجر



ومجيء أفعل على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب . فمن مجيء أفعل لبلوغ المكان ودخوله قولهم : أحرم الرجل ، وأعرق ، وأشأم ، وأيمن ، وأتهم ، وأنجد إذا بلغ هذه المواضع وحل بها . ومن مجيء أفعل بمعنى صار ذا كذا قولهم : أعشبت الأرض ، وأبقلت ، وأغد البعير ، وألبنت الشاة ، وغيرها ، وأجرت الكلبة ، وأصرم النخل ، وأتلت الناقة ، وأحصد الزرع ، وأجرب الرجل ، وأنجبت المرأة . وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه محلا باعتبار أحد الوجهين المذكورين من كونه بلغ الحل ، أو صار ذا حل ، اتضح كونه استثناء من استثناء ، إذ لا يمكن ذلك لتناقص الحكم . لأن المستثنى من المحلل محرم ، والمستثنى من المحرم محلل . بل إن كان المعنى بقوله : بهيمة الأنعام ، الأنعام أنفسها ، فيكون استثناء منقطعا . وإن كان المراد الظباء وبقر الوحش وحمره ونحوها ، فيكون استثناء متصلا على أحد تفسيري المحل ، استثنى الصيد الذي بلغ الحل في حل كونهم محرمين ; ( فإن قلت ) : ما فائدة الاستثناء بقيد بلوغ الحل والصيد الذي في الحرم لا يحل أيضا ( قلت ) : الصيد الذي في الحرم لا يحل للمحرم ولا لغير المحرم ، وإنما يحل لغير المحرم الصيد الذي في الحل ، فنبه بأنه إذا كان الصيد الذي في الحل يحرم على المحرم ، وإن كان حلالا لغيره ، فأحرى أن يحرم عليه الصيد الذي هو بالحرم . وعلى هذا التفسير يكون قوله : إلا ما يتلى عليكم ، إن كان المراد به ما جاء بعده من قوله : حرمت عليكم الميتة . . . . . الآية ، استثناء منقطعا ، إذ لا يختص الميتة ، وما ذكر معها بالظباء وحمر الوحش وبقره ونحوها ، فيصير ، لكن ما يتلى عليكم ; أي : تحريمه فهو محرم . وإن كان المراد ببهيمة الأنعام الأنعام والوحوش ، فيكون الاستثناءان راجعين إلى المجموع على التفصيل ، فيرجع إلا ما يتلى عليكم إلى ثمانية الأزواج ، ويرجع غير محلي الصيد إلى الوحوش ، إذ لا يمكن أن يكون الثاني استثناء من الاستثناء الأول . وإذا لم يمكن ذلك ، وأمكن رجوعه إلى الأول بوجه ما جاز . وقد نص النحويون على أنه إذا لم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض ، كانت كلها مستثنيات من الاسم الأول ، نحو قولك : قام القوم إلا زيدا ، إلا عمرا ، إلا بكرا ; ( فإن قلت ) : ما ذكرته من هذا التخريج الغريب وهو أن يكون المحل من صفة الصيد ، لا من صفة الناس ، ولا من صفة الفاعل المحذوف ، [ ص: 418 ] يعكر عليه كونه كتب في رقم المصحف بالياء ، فدل ذلك على أنه من صفات الناس ، إذ لو كان من صفة الصيد لم يكتب بالياء ، وبكون الفراء وأصحابه وقفوا عليه بالياء يأبى ذلك . ( قلت ) : لا يعكر على هذا التخريج لأنهم كتبوا كثيرا رسم المصحف على ما يخالف النطق ، نحو : بأييد بياءين بعد الألف ، وكتبهم أولئك بواو بعد الألف ، وبنقصهم منه ألفا . وكتابتهم الصلحت ونحوه بإسقاط الألفين ، وهذا كثير في الرسم . وأما وقفهم عليه بالياء فلا يجوز ، لأنه لا يوقف على المضاف دون المضاف إليه ، وإنما قصدوا بذلك الاختبار ، أو ينقطع النفس ، فوقفوا على الرسم كما وقفوا على ( سندع الزبانية ) من غير واو إتباعا للرسم . على أنه يمكن توجيه كتابته بالياء ، والوقف عليه بياء بأنه جاء على لغة الأزد ، إذ يقفون على بزيد بزيدي بإبدال التنوين ياء ، فكتب محلي بالياء على الوقف على هذه اللغة ، وهذا توجيه شذوذ رسمي ، ورسم المصحف مما لا يقاس عليه .

وقرأ ابن أبي عبلة : ( غير ) بالرفع ، وأحسن ما يخرج عليه أن يكون صفة لقوله : بهيمة الأنعام ، ولا يلزم من الوصف بـ ( غير ) أن يكون ما بعدها مماثلا للموصوف في الجنسية ، ولا يضر الفصل بين النعت والمنعوت بالاستثناء ، وخرج أيضا على الصفة للضمير في يتلى . قال ابن عطية : لأن غير محلي الصيد هو في المعنى بمنزلة : غير مستحل إذا كان صيدا . انتهى . ولا يحتاج إلى هذا التكلف على تخريجنا محلي الصيد وأنتم حرم جملة حالية . وحرم جمع حرام . ويقال : أحرم الرجل إذا دخل في الإحرام بحج أو بعمرة ، أو بهما ، فهو محرم وحرام ، وأحرم الرجل : دخل في الحرم . وقال الشاعر :


فقلت لها فيئي إليك فإنني     حرام وإني بعد ذاك لبيب



أي : ملب . ويحتمل الوجهين قوله : وأنتم حرم ، إذ الصيد يحرم على من كان في الحرم ، وعلى من كان أحرم بالحج والعمرة ، وهو قول الفقهاء . وقال الزمخشري : وأنتم حرم ، حال عن محل الصيد كأنه قيل : أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون ؛ لئلا يتحرج عليكم . انتهى . وقد بينا فساد هذا القول ، بأن الأنعام مباحة مطلقا لا بالتقييد بهذه الحال .

( إن الله يحكم ما يريد ) قال ابن عباس : يحل ويحرم . وقيل : يحكم فيما خلق بما يريد على الإطلاق ، وهذه الجملة جاءت مقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب من الأمر بإيفاء العقود وتحليل بهيمة الأنعام ، والاستثناء منها ما يتلى تحريمه مطلقا في الحل والحرم إلا في اضطرار ، واستثناء الصيد في حالة الإحرام ، وتضمن ذلك حله لغير المحرم ، فهذه خمسة أحكام ختمها بقوله : إن الله يحكم ما يريد . فموجب الحكم والتكليف هو إرادته لا اعتراض عليه ، ولا معقب لحكمه ، لا ما يقوله المعتزلة من مراعاة المصالح . ولذلك قال الزمخشري : إن الله يحكم ما يريد من الأحكام ، ويعلم أنه حكمة ومصلحة . وقال ابن عطية : وقد نبه على ما تضمنته هذه الآية من الأحكام ما نصه : هذه الآية مما يلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصر بالكلام ، ولمن عنده أدنى بصيرة . ثم ذكر ابن عطية الحكاية التي قدمناها [ ص: 419 ] عن الكندي وأصحابه ، وفي مثل هذا أقول من قصيدة مدحت بها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، معارضا لقصيدة كعب منه في وصف كتاب الله تعالى :


جار على منهج الأعراب أعجزهم     باق مدى الدهر لا يأتيه تبديل
بلاغة عندها كع البليغ فلم     ينبس وفي هديه طاحت أضاليل



( ياأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) خرج سريح أحد بني ضبيعة إلى مكة حاجا وساق الهدي . وفي رواية ومعه تجارة ، وكان قبل قد قدم المدينة وتكلم مع الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، وتروى في إسلامه ، وقال الرسول ، عليه السلام ، : " لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر " فمر بسرح بالمدينة فاستاقه ، فلما قدم مكة عام الحديبية أراد أهل السرح أن يغيروا عليه ، واستأذنوا الرسول ، فنزلت . وقال السدي : اسمه الحطيم بن هند البلدي أحد بني ضبيعة ، وأراد الرسول أن يبعث إليه ناسا من أصحابه فنزلت . وقال ابن زيد : نزلت بمكة عام الفتح وحج المشركون واعتمروا فقال المسلمون : يا رسول الله إن هؤلاء مشركون فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم ، فنزل القرآن . ( ولا آمين البيت الحرام ) .

والشعائر جمع شعيرة أو شعارة ; أي : قد أشعر الله أنها حده وطاعته ، فهي بمعنى معالم الله ، وتقدم تفسيرها في ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) . قال الحسن : دين الله كله ، يعني شرائعه التي حدها لعباده ، فهو عام في جميع تكاليفه تعالى . وقال ابن عباس : ما حرم عليكم في حال الإحرام . وقال أيضا هو ومجاهد : مناسك الحج . وقال زيد بن أسلم : شعائر الحج ، وهي ست : الصفا والمروة ، والبدن ، والجمار ، والمشعر الحرام ، وعرفة ، والركن . وقال أيضا : المحرمات خمس : الكعبة الحرام ، والبلد الحرام ، والشهر الحرام ، والمسجد الحرام ، حتى يحل . وقال ابن الكلبي : كان عامة العرب لا يعدون الصفا والمروة من الشعائر ، وكانت قريش لا تقف بعرفات ، فنهوا عن ذلك . وقيل : الأعلام المنصوبة المتفرقة بين الحل والحرم نهوا أن يتجاوزوها إلى مكة بغير إحرام . وقال أبو عبيدة : هي الهدايا تطعن في سنامها وتقلد . قال : ويدل عليه ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ) وضعف قوله بأنه قد عطف عليه والهدي والقلائد . وقيل : هي ما حرم الله مطلقا ، سواء كان في الإحرام أو غيره . وقال الزمخشري : هي ما أشعر ; أي : جعل إشعارا وعلما للنسك من مواقف الحج ومرامي الجمار والطواف والأفعال التي هي علامات الحاج ، يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر . انتهى .

( ولا الشهر الحرام ) الظاهر أنه مفرد معهود . فقال الزمخشري : هو شهر الحج . وقال عكرمة وقتادة : هو ذو القعدة من حيث كان أول الأشهر الحرم . وقال الطبري وغيره : رجب ويضاف إلى مضر لأنها كانت تحرم فيه القتال وتعظمه ، وتزيل فيه السلاح والأسنة من الرماح . وكانت العرب مجمعة على تعظيم ذي القعدة وذي الحجة ، ومختلفة في رجب ، فشدد تعالى أمره . فهذا وجه التخصيص بذكره . وقيل : الشهر مفرد محلى بأل الجنسية ، فالمراد به عموم الأشهر الحرم وهي : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب ; والمعنى : لا تحلوا بقتال ولا غارة ولا نهب . قال مقاتل وكان جنادة بن عوف يقوم في سوق عكاظ كل يوم فيقول : ألا إني قد حللت كذا وحرمت كذا .

( ولا الهدي ) قال ابن عطية : لا خلاف أن الهدي ما هدي من النعم إلى بيت الله ، وقصد به القربة ، فأمر تعالى أن لا يستحل ، ولا يغار عليه . انتهى . والخلاف عن المفسرين فيه موجود . قيل : هو اسم لما يهدى إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة أو صدقة ، وغيرها من الذبائح والصدقات . وقيل : هو ما قصد به وجه الله ، ومنه في الحديث : " ثم كالمهدي دجاجة ، ثم كالمهدي بيضة " فسمى هذه هديا . وقيل : الشعائر البدن من الأنعام ، والهدي البقر والغنم والثياب وكل ما أهدي ; [ ص: 420 ] وقيل : الشعائر ما كان مشعرا بإسالة الدم من سنامه أو بغيره من العلائم ، والهدي ما لم يشعر اكتفي فيه بالتقليد . وقال من فسر الشعائر بالمناسك : ذكر الهدي تنبيها على تفصيلها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث