الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
القسم الثالث : الذي يقارن حال العقد بأن يبتدئ الصلاة على قصد الرياء ، فإن استمر عليه حتى سلم فلا خلاف في أنه يقضي ولا يعتد بصلاته وإن ، ندم عليه في أثناء ذلك ، واستغفر ، ورجع قبل التمام ، ففيما يلزمه ثلاثة أوجه .

قالت فرقة : لم تنعقد صلاته مع قصد الرياء ، فليستأنف .

وقالت فرقة تلزمه إعادة الأفعال ، كالركوع والسجود ، وتفسد أفعاله دون تحريمة الصلاة ؛ لأن التحريم عقد ، والرياء خاطر في قلبه لا يخرج التحريم عن كونه عقدا .

وقالت فرقة لا يلزمه إعادة شيء ، بل يستغفر الله بقلبه ، ويتم العبادة على الإخلاص ، والنظر إلى خاتمة العبادة كما لو ابتدأ بالإخلاص وختم بالرياء ، لكان يفسد عمله .

وشبهوا ذلك بثوب أبيض لطخ بنجاسة عارضة ، فإذا أزيل العارض عاد إلى الأصل ، فقالوا : إن الصلاة والركوع والسجود لا تكون إلا لله ولو سجد لغير الله لكان كافرا ولكن ، اقترن به عارض الرياء ، ثم زال بالندم والتوبة وصار إلى حالة لا يبالي بحمد الناس وذمهم فتصح صلاته .

ومذهب الفريقين الآخرين خارج عن قياس الفقه جدا ، خصوصا من قال : يلزمه إعادة الركوع والسجود دون الافتتاح ؛ لأن الركوع والسجود إن لم يصح صارت أفعالا زائدة في الصلاة فتفسد ، الصلاة .

وكذلك قول من يقول : لو ختم بالإخلاص صح ؛ نظرا إلى الآخر ، فهو أيضا ضعيف ؛ لأن الرياء يقدح في النية ، وأولى الأوقات بمراعاة أحكام النية حال الافتتاح ، فالذي يستقيم على قياس الفقه هو أن يقال : إن كان باعثه مجرد الرياء في ابتداء العقد دون طلب الثواب وامتثال الأمر لم ينعقد افتتاحه ، ولم يصح ما بعده وذلك فيمن إذا خلا بنفسه لم يصل ، ولما رأى الناس تحرم بالصلاة ، وكان بحيث لو كان ثوبه نجسا أيضا كان يصلي لأجل الناس ، فهذه صلاة لا نية فيها ؛ إذ النية عبارة عن إجابة باعث الدين ، وههنا لا باعث ولا إجابة .

فأما إذا كان بحيث لولا الناس أيضا لكان يصلي إلا أنه ظهر له الرغبة في المحمدة أيضا فاجتمع الباعثان فهذا إما أن يكون في صدقة وقراءة ، وما ليس فيه تحليل وتحريم أو ، في عقد صلاة وحج ، فإن كان في صدقة فقد عصى بإجابة باعث الرياء ، وأطاع بإجابة باعث الثواب فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فله ثواب بقدر قصده الصحيح ، وعقاب بقدر قصده الفاسد ، ولا يحبط أحدهما الآخر .

وإن . كان في صلاة تقبل الفساد بتطرق خلل إلى النية فلا يخلو إما أن تكون فرضا أو نفلا ، فإن كانت نفلا فحكمها أيضا حكم الصدقة ، فقد عصى من وجه وأطاع من وجه إذا اجتمع في قلبه الباعثان ، ولا يمكن أن يقال : صلاته فاسدة ، والاقتداء به باطل ، حتى إن من صلى التراويح وتبين من قرائن حاله أن قصده الرياء بإظهار حسن القراءة ، ولولا اجتماع الناس خلفه وخلا في بيت وحده لما صلى ، لا يصح الاقتداء به ، فإن المصير إلى هذا بعيد جدا ، بل يظن بالمسلم أنه يقصد الثواب أيضا بتطوعه فتصح ، باعتبار ذلك القصد صلاته ، ويصح الاقتداء به ، وإن اقترن به قصد آخر وهو به عاص فأما إذا كان في فرض واجتمع ، الباعثان ، وكان كل واحد لا يستقل وإنما يحصل الانبعاث بمجموعهما ، فهذا لا يسقط الواجب عنه ؛ لأن الإيجاب لم ينتهض باعثا في حقه بمجرده واستقلاله ، وإن كان كل باعث مستقلا حتى لو لم يكن باعث الرياء لأدى الفرائض ، ولو لم يكن باعث الفرض لأنشأ صلاة تطوعا لأجل الرياء ، فهذا محل النظر ، وهو محتمل جدا ، فيحتمل أن يقال : إن الواجب صلاة خالصة لوجه الله ، ولم يؤد الواجب الخالص ، ويحتمل أن يقال : الواجب امتثال الأمر بباعث مستقل بنفسه ، وقد وجد ، فاقتران غيره به لا يمنع سقوط الفرض عنه ، كما لو صلى في دار مغصوبة فإنه وإن كان عاصيا بإيقاع الصلاة في الدار المغصوبة فإنه مطيع بأصل الصلاة ومسقط للفرض ، عن نفسه ، وتعارض الاحتمال في تعارض البواعث في أصل الصلاة . أما إذا كان الرياء في المبادرة مثلا دون أصل الصلاة مثل من بادر إلى الصلاة في أول الوقت لحضور جماعة ولو خلا لأخر إلى وسط الوقت ، ولولا الفرض لكان لا يبتدئ صلاة لأجل الرياء ، فهذا مما يقطع بصحة صلاته ، وسقوط الفرض به ؛ لأن باعث أصل الصلاة من حيث إنها صلاة لم يعارضه غيره ، بل من حيث تعيين الوقت ، فهذا أبعد من القدح في النية . هذا في رياء يكون باعثا على العمل ، وحاملا عليه وأما ، مجرد السرور باطلاع الناس عليه إذا لم يبلغ أثره إلى حيث يؤثر في العمل فبعيد أن يفسد الصلاة .

فهذا ما نراه لائقا بقانون الفقه والمسألة غامضة من حيث إن الفقهاء لم يتعرضوا لها في فن الفقه والذين خاضوا فيها وتصرفوا لم يلاحظوا قوانين الفقه ، ومقتضى فتاوى الفقهاء في صحة الصلاة وفسادها ، بل حملهم الحرص على تصفية القلوب وطلب الإخلاص على إفساد العبادات بأدنى الخواطر وما ذكرناه هو الأقصد فيما نراه ، والعلم عند الله عز وجل فيه وهو عالم الغيب والشهادة وهو الرحمن الرحيم .

التالي السابق


(القسم الثالث: الذي يقارن حال العقد بأن يبتدئ الصلاة على قصد الرياء، فإن استمر عليه حتى يسلم فلا خلاف في أنه يعصي) الله -عز وجل- (ولا يعتد بصلاته، فإن ندم عليه في أثناء ذلك، واستغفر، ورجع قبل التمام، ففيما يلزمه ثلاثة أوجه، قالت فرقة: لم تنعقد صلاته مع قصده الرياء، فليستأنف) صلاته (وقالت فرقة) أخرى: (يلزمه [ ص: 288 ] إعادة الأفعال، كالركوع والسجود، وتفسد أفعاله) كلها (دون تحريمة الصلاة؛ لأن تحريمه عقد، والرياء خاطر في قلبه لا يخرج التحريم عن كونه عقدا، وقالت فرقة) أخرى: (لا يلزمه إعادة شيء، بل يستغفر الله تعالى بقلبه، ويتم العبادة على الإخلاص، والنظر إلى خاتمة العبادة) فإن صلحت صلح أولها (كما لو بدأها بالإخلاص وختمها بالرياء، لكان يفسد عمله، وشبهوا ذلك بثوب أبيض لطخ بنجاسة عارضة، فإذا أزيل العارض عاد) الثوب (إلى الأصل، فقالوا: إن الصلاة والركوع لا تكون إلا لله) عز وجل (ولو سجد لغير الله) تعالى (لكان كافرا، لكن قد اقترن به عارض الرياء، ثم زال بالندم والتوبة) والاستغفار (وصار إلى حالة لا يبالي بحمد الناس وذمهم فتصح صلاته) فهذا اختلاف القول في المسألة .

(ومذهب الفريقين الأخيرين خارج عن قياس الفقه جدا، خصوصا من قال: يلزمه إعادة الركوع والسجود دون الافتتاح؛ لأن الركوع والسجود إن لم يصح صارت أفعالا زائدة في الصلاة، فتبطل الصلاة .

وكذلك قول من يقول: لو ختم بالإخلاص صح؛ نظرا إلى الآخر، فهو أيضا ضعيف؛ لأن الرياء يقدح في النية، وأولى الأوقات بمراعاة أحكام النية حالة الافتتاح، فالذي يستقيم على قياس) قانون (الفقه هو أن يقال: إن كان باعثه مجرد الرياء في ابتداء العقد دون طلب الثواب وامتثال الأمر لم ينعقد افتتاحه، ولم يصح ما بعده) لاتصاله بما قبله، فيسري وصف عدم الانعقاد (وذلك فيمن إذا خلا بنفسه لم يصل، ولما رأى الناس تحرم بالصلاة، وكان بحيث لو كان) على غير وضوء أو كان (ثوبه نجسا أيضا كان يصلي لأجل الناس، فهذه صلاة لا نية فيها؛ إذ النية عبارة عن إجابة باعث الدين، وههنا لا باعث ولا إجابة) فقد بطلت صلاته .

(فأما إذا كان بحيث لولا الناس أيضا لكان يصلي إلا أنه ظهرت له الرغبة في المحمدة أيضا فاجتمع) فيه (الباعثان) باعث الثواب وباعث المحمدة (فهذا إما أن يكون في صدقة أو قراءة، وما ليس منه تحليل وتحريم، وما ليس في عقد صلاة وحج، فإن كان في صدقة فقد عصى بإجابة باعث الرياء، وأطاع بإجابة باعث الثواب) قال الله تعالى: ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فله) بمقتضى هذه الآية (ثواب بقدر قصده الصحيح، وعقاب بقدر عقده الفاسد، ولا يحبط أحدهما الآخر .

فإن كان في صلاة تقبل الفساد بتطرق خلل إلى النية فلا يخلو إما أن تكون) تلك الصلاة (نفلا أو فرضا، فإن كان نفلا فحكمه أيضا حكم الصدقة، فقد عصى من وجه وأطاع من وجه إذا اجتمع في قلبه الباعثان، ولا يمكن أن يقال: صلاته فاسدة، والاقتداء به باطل، حتى إن من يصلي التراويح وتبين من قرائن حاله أن قصده الرياء بإظهار حسن القراءة، ولولا اجتماع الناس خلفه وخلا) بنفسه (في البيت وحده لما صلى، لا يصح الاقتداء به، فإن المصير إلى هذا بعيد جدا، بل يظن بالمسلم أنه يقصد الثواب أيضا بتطوعه، فيصح باعتبار ذلك القصد صلاته، ويصح الاقتداء به، وإن اقترن به قصد آخر) يخالفه (وهو به عاص) هذا حكم صلاة التطوع .

(فأما إذا كان في فرض، فاجتمع الباعثان، وكان كل [ ص: 289 ] واحد لا يستقل) بنفسه إذا انفرد (وإنما يحصل الانبعاث بمجموعهما، فهذا لا يسقط الواجب عنه؛ لأن الإيجاب لم ينهض باعثا في حقه بمجرده واستقلاله، وإن كان كل باعثا مستقلا) بانفراده (حتى لو لم يكن باعث الرياء لأدى الفرض، ولو لم يكن باعث الفرض لأنشأ صلاة تطوع) وفي نسخة: صلاة تطوعا (لأجل الرياء، فهذا محل النظر، وهو محتمل جدا، فيحتمل أن يقال: إن الواجب) على العبد (صلاة خالصة) عن شوب الرياء (لوجه الله تعالى، ولم يؤد الواجب الخالص، ويحتمل أن يقال: إن الواجب امتثال الأمر بباعث مستقل بنفسه، وقد وجد، فاقتران غيره به لا يمنع من سقوط الفرض عنه، كما لو صلى في دار مغصوبة) على أهلها ظلما (فإنه وإن كان عاصيا) من وجه وهو (بإيقاع الصلاة في الدار المغصوبة فإنه مطيع) من وجه وهو (بأصل الصلاة، وسقط الفرض عن نفسه، وتعارض الاحتمال في تعارض البواعث في أصل الصلاة .

أما إذا كان الرياء في المبادرة مثلا دون أصل الصلاة) وذلك (مثل من بادر بالصلاة في أول الوقت لحضور جماعة ولو خلا) بنفسه (لأخر إلى وسط الوقت، ولولا الفرض لكان لا يبتدئ صلاة لأجل الرياء، فهذا مما يقطع على صحة صلاته، وسقوط الفرض به؛ لأن باعث أصل الصلاة من حيث إنها صلاة لم يعارضه غيره، بل من حيث تغيير الوقت، فهذا أبعد عن القدح في النية .

هذا) الذي ذكرنا (في رياء يكون باعثا على العمل، وحاملا عليه، فأما مجرد السرور باطلاع الناس إذا لم يبلغ أثره إلى حيث يؤثر في العمل) تأثيرا بينا (فبعيد أن يفسد الصلاة، فهذا ما نراه لائقا بقانون الفقه) العملي .

(والمسألة) من أصلها (غامضة) خفية المدرك (من حيث إن الفقهاء لم يتعرضوا لها في فن الفقه) غير نتف إشارات تكلموا عليها في مبحث النية (والذين خاضوا فيها وتصرفوا) مثل الحارث المحاسبي وصاحب القوت وغيرهما (لم يلاحظوا قوانين الفقه، ومقتضى فتاوى الفقهاء في صحة الصلاة وفسادها، بل حملهم الحرص على تصفية القلوب) من الشوائب (وطلب الإخلاص على إفساد العبادات بأدنى الخواطر) الطارئة (وما ذكرناه) من التفصيل (هو الأقصد) أي: الأعدل (فيما نراه، والعلم عند الله تعالى فيه) والله الموفق .




الخدمات العلمية