الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          صفحة جزء
          الفصل السادس عشر : في كلام الشجرة ، وشهادتها له بالنبوة ، وإجابتها دعوته

          [ قال حدثنا أحمد بن محمد بن غلبون الشيخ الصالح فيما أجاز فيه عن أبي عمرو الطلمنكي ، عن أبي بكر بن المهندس ، عن أبي القاسم البغوي ، حدثنا أحمد بن عمران الأخنسي ، حدثنا أبو حيان التيمي ، وكان صدوقا عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفره ، فدنا منه أعرابي ، فقال : يا أعرابي ، أين تريد ؟ قال : إلى أهلي . قال : هل لك إلى خير ؟ قال : وما هو ؟ قال : تشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ، ورسوله قال : من يشهد لك على ما تقول ؟ قال : هذه الشجرة السمرة ، وهي بشاطئ الوادي ، فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا أنه كما قال ثم رجعت إلى مكانها وعن بريدة : سأل أعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم - آية ، فقال له : قل لتلك الشجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوك .

          قال : فمالت الشجرة عن يمينها ، وشمالها ، وبين يديها ، وخلفها ، فتقطعت عروقها ، ثم جاءت تخد الأرض تجر عروقها مغبرة حتى ، وقفت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : السلام عليك يا رسول الله .

          قال الأعرابي : مرها فلترجع إلى منبتها ، فرجعت ، فدلت عروقها فاستوت .

          فقال الأعرابي : ائذن لي أسجد لك .

          قال : لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها . قال : فأذن لي أن أقبل يديك ، ورجليك ، فأذن له
          .

          وفي الصحيح في حديث جابر بن عبد الله الطويل : ذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 304 ] يقضي حاجته ، فلم ير شيئا يستتر به ، فإذا بشجرتين في شاطئ الوادي ، فانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى إحداهما ، فأخذ بغصن من أغصانها ، فقال : انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده .

          وذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك ، حتى إذا كان بالمنصف بينهما قال : التئما علي بإذن الله فالتأمتا .

          وفي رواية أخرى : فقال : يا جابر ، قل لهذه الشجرة : يقول لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما ففعلت ، فرجعت حتى لحقت بصاحبتها فجلس خلفهما ، فخرجت أحضر ، وجلست أحدث نفسي ، فالتفت فإذا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبلا ، والشجرتان قد افترقتا ، فقامت كل واحدة منهما على ساق ، فوقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقفة ، فقال برأسه هكذا يمينا ، وشمالا .

          وروى أسامة بن زيد نحوه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض مغازيه : هل تعني مكانا لحاجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقلت : إن الوادي ما فيه موضع بالناس . فقال : هل ترى من نخل أو حجارة ؟ قلت : أرى نخلات متقاربات . قال : انطلق ، وقل لهن : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمركن أن تأتين لمخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقل للحجارة مثل ذلك .

          فقلت ذلك لهن ، فوالذي بعثه بالحق ، لقد رأيت النخلات يتقاربن حتى اجتمعن ، والحجارة يتعاقدن حتى صرن ركاما خلفهن .

          فلما قضى حاجته قال لي : قل لهن يفترقن ، فوالذي نفسي بيده لرأيتهن ، والحجارة يفترقن حتى عدن إلى مواضعهن
          .

          وقال يعلى بن سبابة : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسير . . . وذكر نحوا من هذين الحديثين ، وذكر : فأمر ، وديتين فانضمتا . وفي رواية : أشاءتين .

          وعن غيلان بن سلمة الثقفي مثله : في شجرتين .

          وعن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله في غزاة حنين .

          وعن يعلى بن مرة ، وهو ابن سبابة أيضا ، وذكر أشياء رآها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر أن طلحة أو سمرة جاءت فأطافت به ، ثم رجعت إلى منبتها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنها استأذنت أن تسلم علي .

          وفي حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - : آذنت النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجن ليلة استمعوا له شجرة .

          وعن مجاهد ، عن ابن مسعود في [ ص: 305 ] هذا الحديث : أن الجن قالوا : من يشهد لك ؟ قال : هذه الشجرة . - تعالي - يا شجرة ، فجاءت تجر عروقها لها قعاقع . .

          وذكر مثل الحديث الأول أو نحوه .

          قال القاضي أبو الفضل : فهذا ابن عمر ، وبريدة ، وجابر ، وابن مسعود ، ويعلى بن مرة ، وأسامة بن زيد ، وأنس بن مالك ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وغيرهم ، قد اتفقوا على هذه القصة نفسها أو معناها .

          وقد رواها عنهم من التابعين أضعافهم ، فصارت في انتشارها من القوة حيث هي .

          وذكر ابن فورك أنه - صلى الله عليه وسلم - سار في غزوة الطائف ليلا وهو وسن ، فاعترضته سدرة ، فانفرجت له نصفين حتى جاز بينهما ، وبقيت على ساقين إلى وقتنا هذا وهي هناك معروفة معظمة .

          ومن ذلك حديث أنس - رضي الله عنه - أن جبريل - عليه السلام - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ورآه حزينا : أتحب أن أريك آية ؟ قال : نعم ، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شجرة من وراء الوادي ، فقال : ادع تلك الشجرة ، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه .

          قال : مرها فلترجع ، فعادت إلى مكانها .


          وعن علي نحو هذا ، ولم يذكر فيها جبريل ، قال : اللهم أرني آية لا أبالي من كذبني بعدها فدعا شجرة . . . وذكر مثله .

          وحزنه - صلى الله عليه وسلم - لتكذيب قومه ، وطلبه الآية لهم لا له .

          وذكر ابن إسحاق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرى ركانة مثل هذه الآية في شجرة دعاها فأتت حتى ، وقفت بين يديه ، ثم قال : ارجعي ، فرجعت .

          وعن الحسن أنه - صلى الله عليه وسلم - شكا إلى ربه من قومه ، وأنهم يخوفونه ، وسأله آية يعلم بها ألا مخافة عليه ، فأوحى إليه ائت وادي كذا فيه شجرة ، فادع غصنا منها يأتك . ففعل ، فجاء يخط الأرض خطا حتى انتصب بين يديه ، فحبسه ما شاء الله ، ثم قال له : ارجع كما جئت فرجع ، فقال : يا رب ، علمت أن لا مخافة علي .

          ونحو منه عن عمر ، وقال فيه : أرني آية لا أبالي من كذبني بعدها . . . وذكر نحوه .

          وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لأعرابي : أرأيت إن دعوت هذا العذق من [ ص: 306 ] هذه النخلة أتشهد أني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم ، فدعاه فجعل ينقر حتى أتاه . فقال : ارجع فعاد إلى مكانه

          وخرجه الترمذي ، وقال : هذا حديث صحيح .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية