الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( و ) يأخذ ( بمثل الخمر وقيمة الخنزير إن كان ) البائع والمشتري و ( الشفيع ذميا ) لا بد أن يكون البائع أيضا ذميا ، وإلا يفسد البيع فلا تثبت الشفعة ابن كمال معزيا للمبسوط ( و ) يأخذ ( بقيمتها ) لما مر ( لو ) كان الشفيع ( مسلما ) لمنعه عن تملكها وتمليكها ، ثم قيمة الخنزير هنا قائمة مقام الدار لا مقام الخنزير ولذا لا يحرم تملكها بخلاف المرور على العاشر . ( وطريق معرفة قيمة الخمر والخنزير بالرجوع إلى ذمي أسلم أو فاسق تاب ) ولو اختلفا فيه فالقول للمشتري عناية ( و ) يأخذ الشفيع ( بالثمن وقيمة البناء والغرس ) مستحقي القلع كما مر في الغصب . قلت : وأما لو دهنها بألوان كثيرة أو طلاها بجص كثير خير الشفيع بين تركها أو أخذها وإعطاء ما زاد الصبغ فيها لتعذر نقضه ولا قيمة لنقضه ، بخلاف البناء حاوي الزاهدي [ ص: 233 ] وسيجيء . ( لو بنى المشتري أو غرس أو كلف ) الشفيع ( المشتري قلعهما ) إلا إذا كان في القلع نقصان الأرض فإن الشفيع له أن يأخذها مع قيمة البناء والغرس مقلوعة غير ثابتة قهستاني ، وعن الثاني إن شاء أخذ بالثمن وقيمة البناء والغرس أو ترك ، وبه قال الشافعي ومالك . قلنا : بنى فيما لغيره فيه حق أقوى ولذا تقدم عليه فينقضه ( كما ينقض ) الشفيع ( جميع تصرفاته ) أي المشتري ( حتى الوقف والمسجد والمقبرة ) والهبة زيلعي وزاهدي .

وأما الزرع فلا يقلع استحسانا لأن له نهاية معلومة ويبقى بالأجر ( ورجع الشفيع بالثمن فقط ، إن ) أخذ بالشفعة ثم ( بنى أو غرس ثم استحقت ) ولا يرجع بقيمة البناء والغرس على أحد لأنه ليس بمغرور ، بخلاف المشتري ( و ) يأخذ ( بكل الثمن إن خربت أو جف الشجر ) بلا فعل أحد والأصل أن الثمن يقابل الأصل لا الوصف ( و ) هذا إذا ( لم يبق شيء من نقض أو خشب ) فلو بقي وأخذه المشتري لانفصاله من الأرض حيث لم يكن تبعا للأرض تسقط حصته من الثمن ، فيقسم الثمن على قيمة الدار يوم العقد وعلى قيمة النقض يوم الأخذ زيلعي . قلت : فلو لم يأخذه المشتري كأن هلك بعد انفصاله لم يسقط شيء من الثمن لعدم حبسه إذ هو من التوابع [ ص: 234 ] والتوابع لا يقابلها شيء من الثمن وبالأخذ بالشفعة تحولت الصفقة إلى الشفيع ، فقد هلك ما دخل تبعا قبل القبض ولا يسقط بمثله شيء من الثمن قاله شيخنا ( بخلاف ما إذا تلف بعض الأرض ) بغرق حيث يسقط من الثمن بحصته لأن الفائت بعض الأصل زيلعي ( و ) يأخذ ( بحصة العرصة ) من الثمن ( إن نقض المشتري البناء ) لأنه قصد الإتلاف . وفي الأول الآفة سماوية ، ويقسم الثمن على قيمة الأرض والبناء يوم العقد ، بخلاف انهدامه كما مر لتقومه بالجنس ( ونقض الأجنبي كنقضه ) أي المشتري ( والنقض ) بالكسر المنقوض ( له ) أي للمشتري وليس للشفيع أخذه لزوال التبعية بانفصاله ( و ) يأخذ ( بثمرها ) استحسانا لاتصاله .

التالي السابق


( قوله بمثل الخمر وقيمة الخنزير ) فلو بيعت بميتة فلا شفعة إلا إن كانوا يتمولونها أتقاني ( قوله والشفيع ذميا ) ومثله المستأمن لا المرتد قتل أو مات أو لحق خلافا لهما ، ولا تثبت لورثته أما لو شرى فقتل لم تبطل شفعة الشفيع لتعلقها بالخروج عن الملك ، ولو شرى مسلم في دار الحرب دارا شفيعها مسلم لا شفعة له وإن أسلم أهلها ، لأن أحكامنا لا تجري فيها أتقاني ( قوله لا بد أن يكون إلخ ) بيان لفائدة زيادة البائع والمشتري

( قوله لما مر ) أي في كتاب الغصب حيث قال : إن الخمر في حقنا قيمي حكما ، أو في قوله آنفا ولو حكما كالخمر في حق المسلم بناء على ما قدمنا من أن حقه أن يذكره بعد قوله وفي القيمي ( قوله لو كان الشفيع مسلما ) فلو مسلما وكافرا فالنصف لمسلم بنصف قيمة الخمر وللكافر بمثل نصفه أتقاني . وفيه أسلم قبل الأخذ لم تبطل وصار كالمسلم الأصلي ، وإن أسلم أحد المتبايعين والخمر غير مقبوضة انتقض البيع قبضت الدار أو لا ولم تبطل الشفعة لأن انفساخ البيع لا يبطلها ( قوله ثم قيمة الخنزير إلخ ) جواب سؤال مقدر وهو أنه مر في باب العاشر أنه يعشر الخمر : أي يأخذ من قيمته لا الخنزير لأنه قيمي ، وقيمة القيمي كعينه ، وتقرير الجواب ظاهر ، وقدم الشارح جوابا غيره في باب العاشر عن سعدي ، وهو أنه لو لم يأخذ الشفيع بقيمة الخنزير يبطل حقه أصلا فيتضرر ومواضع الضرورة مستثناة ( قوله بخلاف المرور على العاشر ) فإنه يعشر الخمر لا الخنزير فافهم فغيره سبق قلم ( قوله بالرجوع ) الباء للتصوير ( قوله إلى ذمي أسلم إلخ ) وفي البحر من باب العاشر عن الكافي : يعرف بالرجوع إلى أهل الذمة ( قوله ولو اختلفا فيه ) أي اختلف الشفيع والمشتري فيما ذكر من القيمة ط ( قوله فالقول للمشتري ) قال في العناية : كما لو اختلفا في مقدار الثمن ( قوله كما مر في الغصب ) من أن قيمتهما مستحقي القلع أقل من قيمتهما مقلوعين بقدر أجرة القلع ط ( قوله قلت وأما لو دهنها إلخ ) بيان للفرق بين البناء والدهن ، وكان ينبغي تأخيره عن قوله أو كلف المشتري قلعهما ، فإن المخالفة بينهما من هذه الجهة تأمل ( قوله أو طلاها بجص كثير ) ليس من عبارة الزاهدي بل ذكره الرملي بعدها بقوله أقول وعلى هذا لو طلاها إلخ

( قوله لتعذر نقضه ) علة لمحذوف تقديره : ولا يكلف المشتري النقض لتعذر نقضه أي على وجه [ ص: 233 ] يكون له قيمة ( قوله وسيجيء ) أي ما ذكره بقوله وأما لو دهنها آخر كتاب الشفعة في الفروع ( قوله أو كلف ) عطف على يأخذ ( قوله إلا إذا كان إلى قوله وعن الثاني ) موجود في بعض النسخ . قال ط : هو استثناء من محذوف تقديره ولا يجبر المشتري على البيع ا هـ . قلت : يؤيده قول الأتقاني ويأمره القاضي بالقلع إلا إذا كان إلخ ( قوله أن يأخذها ) أي الأرض جبرا على المشتري ( قوله مع قيمة البناء والغرس ) الأوضح قول النهاية مع البناء والأغراس بقيمتها ( قوله مقلوعة ) أي مستحقة القلع ، ويدل عليه قوله غير ثابتة ط ( قوله وعن الثاني إلخ ) أي في مسألة المتن ، فلا يكلف المشتري القلع لأنه ليس بمعتد في البناء والغرس لثبوت ملكه فيه بالشراء فلا يعامل بأحكام العدوان الذي هو القلع ط ( قوله وقيمة البناء والغرس ) أي قائمين على الأرض غير مقلوعين نهاية عن شرح الطحاوي ( قوله ولذا ) أي لكون حق الغير وهو الشفيع أقوى ( قوله ويبقى بالأجر ) أي رعاية لجانب المشتري والشفيع كما أوضحه الزيلعي . هذا وعبارة الأتقاني عن شرح الطحاوي لا يجبر المشتري على قلعه بالإجماع ، بل ينظر إلى وقت الإدراك ثم يقضي للشفيع ا هـ ومقتضاه عدم الأجر إذ لم تخرج الأرض عن ملك المشتري لعدم القضاء تأمل .

وقال السائحاني : الذي في المقدسي ثم الأرض تترك بغير أجر ، وعن أبي يوسف بأجر ا هـ . قلت : ومثله في التتارخانية ( قوله ولا يرجع بقيمة البناء والغرس ) يعني بنقصان قيمتهما ، وعن أبي يوسف أنه يرجع ( قوله على أحد ) أي سواء تسلمها من البائع أو من المشتري ط ( قوله لأنه ليس بمغرور ) لأنه أخذها بالشفعة جبرا كما مر ( قوله بخلاف المشتري ) إذا استحق ما اشتراه بعد البناء لأن البائع غره بالعقد فيرجع عليه بما خسر ( قوله ويأخذ بكل الثمن إلخ ) أي إذا اشترى رجل دارا فخربت أو بستانا فجف الشجر فللشفيع الأخذ بكل الثمن لأنهما تابعان للأرض منح ( قوله بلا فعل أحد ) يأتي محترزه متنا ( قوله لا الوصف ) أي ما لم يقصد إتلاف فيقابل بحصته من الثمن كما يأتي رحمتي ، والأولى أن يقول لا التبع لأن البناء والشجر ليسا وصفا للدار والبستان نعم الجفاف وصف . قال في التبيين : لأنهما تابعان للأرض حتى يدخلان في البيع من غير ذكر فلا يقابلهما شيء من الثمن ولهذا يبيعهما مرابحة في هذه الصورة من غير بيان ا هـ ط ( قوله من نقض أو خشب ) لف ونشر مرتب ط ( قوله حيث لم يكن تبعا للأرض ) علة لقوله تسقط حصته من الثمن ط فهو عين مال قائم بقي محتبسا عند المشتري زيلعي [ ص: 234 ] قوله فقد هلك ما دخل تبعا ) أي لما كان من التوابع وتحولت الصفقة إلى الشفيع فقد هلك التبع بعد دخول الأصل في ملك الشفيع قبل القبض فافهم .

فإن قلت : تقدم عن الزيلعي أن الأخذ بالشفعة شراء من المشتري إن كان الأخذ بعد القبض وإلا فمن البائع لتحول الصفقة إليه ، ومقتضاه عدم السقوط فيما أخذه المشتري أيضا لأنه قبل شراء الشفيع وقبضه فلم يدخل تبعا . قلت : ( تقدم أيضا أن الشفعة تملك البقعة بما قام على المشتري ) ، فلو لم تسقط حصته من الثمن لم يكن كذلك تأمل ، وكذا يقال فيما يأتي ( قوله لأن الفائت بعض الأصل ) في بعض النسخ لأن الغائب والكل صحيح ، لأن المراد بالفائت الهالك ، وبالغائب : أي في الماء الهالك أيضا ، ولكن الأول الذي في الزيلعي . ثم هذا بيان وجه المخالفة بينه وبين المسألة السابقة ( قوله إن نقض المشتري البناء ) فلو لم ينقضه ولكن باعه من غيره بلا أرض فللشفيع نقض البيع ، وكذا النبات والنخل طوري عن التتارخانية ( قوله لأنه قصد الإتلاف ) أي والتبع إذا صار مقصودا به يسقط ما يقابله من الثمن ط ( قوله ويقسم الثمن إلخ ) فتقوم الأرض وعليها البناء وتقوم بغيره ، فبقدر التفاوت يسقط من الثمن ط . قلت : فلو اختلفا في قيمة البناء فالقول للمشتري والبينة للشفيع عنده ، وعندهما للمشتري أيضا ولو في قيمة الأرض يوم وقع الشراء نظرا إلى قيمته اليوم ، لأن الظاهر أنه كان كذلك ، فمن شهد له كان القول له أتقاني ( قوله بخلاف انهدامه إلخ ) أي بخلاف ما إذا انهدم بنفسه وأخذ النقض حيث يعتبر قيمته يوم الأخذ كما مر لأنه صار مانعا بحبسه فيقوم عليه بالحبس في يومه تأمل وافهم ( قوله والنقض بالكسر ) قال المكي : قلت وقد حصل في نقض البناء وهو منقوض لغتان ضم النون وكسرها فالأزهري وصاحب المحكم اقتصر على الضم ، والجوهري وابن فارس على الكسر وهو القياس كالذبح والرعي والنكث بمعنى المذبوح والمرعى والمنكوث ط

( قوله بثمرها ) الباء بمعنى مع ط ( قوله لاتصاله ) هذا وجه الاستحسان ، وفي القياس لا يكون له أخذ الثمرة لعدم التبعية كالمتاع الموضوع فيها منح . وبيان وجه الاستحسان أنه باعتبار الاتصال صار تبعا للعقار كالبناء في الدار هداية




الخدمات العلمية