الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الأول في بيان الكلمات المقطوعة والموصولة والمختلف فيها بين القطع والوصل في المقدمة الجزرية

الكلمة الثانية عشرة : " بئس " مع " ما " وردت هذه الكلمة في تسعة مواضع وهي في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام وإليك تفصيلها :

القسم الأول : مختلف فيه بين القطع والوصل وهو موضع واحد في التنزيل في قوله تعالى : قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين بسورة البقرة في الموضع الثاني منها فرسم في بعض المصاحف مقطوعا وفي بعضها موصولا والمشهور الوصل وعليه العمل .

القسم الثاني : موصول باتفاق أي وصل " بئس " بـ " ما " وذلك في موضعين اثنين :

أولهما قوله تعالى : بئسما اشتروا به أنفسهم وهو الموضع الأول من سورة البقرة .

وثانيهما : قوله تعالى : بئسما خلفتموني من بعدي بسورة الأعراف .

القسم الثالث : مقطوع باتفاق -أي اتفقت المصاحف على قطع " بئس " عن " [ ص: 436 ] ما " وذلك في ستة مواضع في التنزيل وهي الباقية من هذه الكلمة .

الموضع الأول : قوله تعالى : ولبئس ما شروا به أنفسهم وهو الموضع الثالث في سورة البقرة .

الموضع الثاني : قوله تعالى : فبئس ما يشترون بسورة آل عمران .

والمواضع الأربعة الباقية كلها بسورة المائدة وهي قوله تعالى : لبئس ما كانوا يعملون لبئس ما كانوا يصنعون لبئس ما كانوا يفعلون لبئس ما قدمت لهم أنفسهم

وما ذكره صاحب " العميد " من الخلاف في " بئس ما " في قوله سبحانه : ولبئس ما شروا به أنفسهم وهو الموضع الثالث بالبقرة والراجح فيه القطع فسهو منه رحمه الله إذ أن هذا الموضع من المواضع الستة المتفق على قطعها كما تقدم فتنبه .

وأما قول ملا علي القاري عن عدد مواضع كلمة " بئس ما " المقطوعة باتفاق في كتابه " شرح المقدمة الجزرية فالمجموع سبعة لا ستة كما توهم المصري " ا هـ منه بلفظه فمما يستدرك عليه ويعد من أوهامه فإنه ذهب يعدد هذه المواضع فنسب لسورة آل عمران موضعين . وليس بها إلا موضع واحد لا ثاني له وهو قوله تعالى : فبئس ما يشترون فعاد التحقيق إلى صحة ما ذكره العلامة المصري وإلى خطأ ما ذكره الملا علي القاري لكون هذه المواضع ستة لا سبعة فتأمل منصفا .

[ ص: 437 ] رحم الله الجميع . ورحمنا معهم بمنه وكرمه آمين .

الكلمة الثالثة عشرة : " في " الجارة مع " ما " الموصولة . اختلف كتاب المصاحف في هذه الكلمة وينحصر اختلافهم هذا في أربعة أقوال وإليك بيانها :

القول الأول : وفيه ثلاثة أقسام :

القسم الأول : مقطوع باتفاق أي قطع " في " عن " ما " وذلك في موضع واحد وهو قوله تعالى : أتتركون في ما ها هنا آمنين بسورة الشعراء .

القسم الثاني : مختلف فيه بين القطع والوصل فرسم في بعض المصاحف مقطوعا وفي بعضها موصولا ، والأشهر القطع وعليه العمل وذلك في عشرة مواضع :

الأول : قوله تعالى : في ما فعلن في أنفسهن من معروف وهو الموضع الثاني بسورة البقرة .

الثاني : قوله تعالى : ليبلوكم في ما آتاكم بسورة المائدة .

الثالث : قوله سبحانه : ليبلوكم في ما آتاكم آخر سورة الأنعام .

الرابع : قوله عز شأنه : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما بسورة الأنعام أيضا .

الخامس : قوله عز من قائل : وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون بسورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

السادس : قوله تعالى : لمسكم في ما أفضتم بسورة النور .

السابع : قوله تعالى : شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه بسورة الروم .

[ ص: 438 ] الثامن والتاسع : قوله تعالى : في ما هم فيه يختلفون وقوله سبحانه : في ما كانوا فيه يختلفون الموضعان بسورة الزمر .

العاشر : قوله تعالى : على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون بسورة الواقعة.

القسم الثالث : موصول باتفاق عموم المصاحف أي وصل " في " بـ " ما " وذلك في غير موضع القطع المتفق عليه والمواضع العشرة المختلف فيها بين القطع والوصل وذلك نحو قوله تعالى : فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف الموضع الأول من سورة البقرة، وقوله تعالى : فيما طعموا بسورة المائدة، وقوله تعالى : فيما فيه يختلفون بسورة سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام وما إلى ذلك . وذكر هذا القول جل علماء التجويد وشراح المقدمة الجزرية وغيرهم .

هذا : ولم يتعرض الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية إلى الخلاف الذي في المواضع العشرة بل ذكر فيها القطع ولعله اقتصر عليه لشهرته ولكن تعرض له في النشر وشهر فيه القطع كما تعرض له غيره كما سيأتي :

القول الثاني : وهو قسمان :

القسم الأول : مختلف فيه بين القطع والوصل وذلك في المواضع الأحد عشر المتقدمة كلها أي العشر المختلف فيها والموضع المتفق على قطعه في سورة الشعراء في القول الأول .

القسم الثاني : الوصل قولا واحدا في المواضع العشرة والقطع في الحادي [ ص: 439 ] عشر وهو موضع الشعراء . ذكر هذا القول الحافظ أبو عمرو الداني في المقنع .

القول الثالث : وهو قسمان أيضا .

أولها : القطع في المواضع الأحد عشر المتقدم ذكرها .

ثانيهما : الوصل قولا واحدا في المواضع العشرة والقطع في الحادي عشر وهو موضع الشعراء كالقسم الثاني عند الداني . ذكر هذا القول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في العقيلة .

القول الرابع : وينقسم إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول : القطع قولا واحدا في المواضع الأحد عشرة المتقدمة غير مرة .

القسم الثاني : القطع في تلك المواضع على المشهور .

القسم الثالث : مختلف فيه بين القطع والوصل وذلك في تسعة مواضع من المواضع الأحد عشر باستثناء موضعي الأنبياء والشعراء ففيهما القطع وهذا ما ذهب إليه أبو داود في التنزيل، ذكر هذا القول الإمام الخراز في مورد الظمآن .

تتمة : بقي قسم ثالث لكل من القول الثاني والثالث وبقي قسم رابع للقول الرابع وهذه الأقسام الباقية كلها متفق فيها على الوصل أي وصل " في " بـ " ما " وذلك فيما سوى المواضع الأحد عشر المذكورة في كل منها وهو كالقسم الثالث من القول الأول فتنبه. ويتحصل مما ذكر في الأقوال الأربعة أن المواضع الأحد عشر كلها فيها الخلاف بين القطع والوصل حتى موضع الشعراء المتفق على قطعه في القول الأول، وهذه الأقوال كلها صحيحة فاختر لنفسك أيها القارئ ما يروق لك وبالله التوفيق .

" تذييل " : إذا دخلت " في " الجارة على " ما " الاستفهامية محذوفة الألف فلا خلاف في وصلها بها في عموم المصاحف كقوله تعالى : فيم كنتم وقوله [ ص: 440 ] سبحانه فيم أنت من ذكراها بسورة النازعات . وقد أشار الحافظ ابن الجزري إلى الكلمات الثلاث التي بعد العشر في المقدمة الجزرية بقوله :


وكل ما سألتموه واختلف ردوا كذا قل بئسما والوصل صف     خلفتموني واشتروا في ما اقطعا
أوحي أفضتم اشتهت يبلوا معا     ثاني فعلن وقعت روم كلا
تنزيل شعرا وغير ذي صلا

الكلمة الرابعة عشرة : " أين " مع " ما " وهي في القرآن الكريم ثلاثة أقسام :

القسم الأول : موصول باتفاق أي وصل النون من " أين " بالميم من " ما " في موضعين اثنين هما قوله تعالى : فأينما تولوا فثم وجه الله بسورة البقرة وقوله سبحانه : أينما يوجهه لا يأت بخير بسورة النحل .

القسم الثاني : مختلف فيه بين القطع والوصل فرسم في بعض المصاحف مقطوعا وفي بعضها موصولا وذلك في ثلاثة مواضع :

الأول : قوله تعالى : أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة بسورة النساء .

الثاني : قوله تعالى : أين ما كنتم تعبدون من دون الله بسورة الشعراء .

الثالث : قوله سبحانه : أينما ثقفوا أخذوا بسورة الأحزاب .

القسم الثالث : مقطوع باتفاق أي اتفقت المصاحف على قطع " أين " عن " ما " وذلك فيما سوى الموضعين المتفق على الوصل فيهما والمواضع الثلاثة المختلف فيها بين القطع والوصل وذلك نحو قوله تعالى : أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا بسورة البقرة ، وقوله تعالى : وهو معكم أين ما كنتم بسورة [ ص: 441 ] الحديد ، وقوله تعالى : إلا هو معهم أين ما كانوا بسورة المجادلة وما إلى ذلك .

هذا : وقد اختلف في الأشهر في المواضع الثلاثة المختلف فيها هل القطع أو الوصل؟ أقوال :

أولاها : أن القطع والوصل يستويان في موضع الشعراء والأحزاب وأن القطع هو الأشهر في موضع النساء، وهذا هو المفهوم من قول الإمام الشاطبي في العقيلة :


والخلف في سورة الأحزاب والشعرا     وفي النساء يقل الوصل معتمرا

وقد مشى على هذا القول بعض شراح المقدمة الجزرية وغيرهم .

وقد أشار الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية إلى الكلمة الرابعة عشرة بقوله :


فأينما كالنحل صل ومختلف     في الشعرا الأحزاب والنسا وصف

ا هـ

الكلمة الخامسة عشرة : " إن " مكسورة الهمزة ساكنة النون وهي الشرطية مع " لم " الجازمة وهي في كتاب الله نوعان :

الأول : موصول باتفاق - أي اتفقت المصاحف فيه على وصل " إن " بـ " لم " وتدغم النون في اللام لفظا وخطا وذلك في موضع واحد في التنزيل هو قوله تعالى : فإلم يستجيبوا لكم بسورة سيدنا هود عليه الصلاة والسلام .

الثاني : مقطوع باتفاق - أي اتفقت المصاحف فيه على قطع " إن " عن " لم " وتدغم النون في اللام لفظا لا خطا ويوقف على النون اضطرارا أو اختبارا " بالموحدة " وذلك في غير الموضع المتفق فيه على الوصل حيث ورد في التنزيل سواء كانت " إن " مقترنة بالفاء أم باللام أم بالواو أم لم تقترن .

فمثال المقترنة بالفاء نحو قوله تعالى : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا وقوله

[ ص: 442 ] سبحانه : فإن لم يكونا رجلين الموضعان بسورة البقرة، وقوله تعالى : فإن لم يستجيبوا لك بسورة القصص.

ومثال المقترنة بالواو نحو قوله تعالى : وإن لم تفعل فما بلغت رسالته وقوله تعالى : وإن لم ينتهوا عما يقولون الموضعان بسورة المائدة.

ومثال المقترنة باللام نحو قوله تعالى : لئن لم يرحمنا ربنا بسورة الأعراف، وقوله تعالى : لئن لم ينته المنافقون بسورة الأحزاب، وقوله تعالى : لئن لم ينته لنسفعا بسورة العلق.

ومثال غير المقترنة بشيء من هذه الحروف الثلاثة نحو قوله تعالى : إن لم يؤمنوا بسورة الكهف وما إلى ذلك .

وأما " إن " الشرطية مع " لا " النافية فاتفقت المصاحف على وصلها بها وإدغام النون في اللام لفظا وخطا نحو قوله تعالى : إلا تفعلوه بسورة الأنفال ، وقوله سبحانه : إلا تنفروا و إلا تنصروه الموضعان بسورة التوبة ، وقوله سبحانه : وإلا تغفر لي وترحمني بسورة سيدنا هود عليه الصلاة والسلام .

الكلمة السادسة عشرة : " أن " المصدرية مع " لن " الناصبة . وردت هذه [ ص: 443 ] الكلمة في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام :

القسم الأول : موصول باتفاق أي اتفقت المصاحف على وصف " أن " بـ " لن " وإدغام النون في اللام لفظا وخطا وذلك في موضعين اثنين في التنزيل .

أولهما : قوله تعالى : ألن نجعل لكم موعدا بسورة الكهف .

وثانيهما : قوله تعالى : ألن نجمع عظامه بسورة القيامة .

القسم الثاني : مختلف فيه بين القطع والوصل وذلك في موضع واحد في القرآن الكريم هو قوله تعالى : علم أن لن تحصوه بسورة المزمل عليه الصلاة والسلام فرسم في جل المصاحف مقطوعا وفي أقلها موصولا والقطع هو الأشهر وعليه العمل .

هذا : ولم يتعرض لهذا الموضع الحافظ ابن الجزري في المقدمة ولا في النشر ولا غيره من العلماء وتعرض له الحافظ أبو عمرو الداني في المقنع وكذلك الإمام الخراز تعرض له في مورد الظمآن نقلا عن المقنع وشهر فيه القطع وفيه يقول :


كذاك في المزمل الوصل ذكر     في مقنع عن بعضهم وما شهر

ا هـ

القسم الثالث : مقطوع باتفاق أي اتفقت المصاحف على قطع " أن " عن " لن " وإدغام النون في اللام لفظا لا خطا : والوقف على " أن " اضطرارا أو اختبارا " بالموحدة " وذلك في غير موضعي الوصل المتفق عليهما وغير المختلف فيه بين القطع والوصل . وذلك نحو قوله تعالى : أن لن نقدر عليه بسورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقوله سبحانه : أن لن تقول الإنس والجن بسورة الجن، [ ص: 444 ] وقوله تعالى : أن لن يقدر عليه أحد بسورة البلد وما إلى ذلك .

الكلمة السابعة عشرة : " كي " الناصبة مع " لا " النافية جاءت في القرآن الكريم في سبعة مواضع وتنقسم إلى قسمين :

القسم الأول : موصول باتفاق أي اتفقت المصاحف على وصل " كي " بـ " لا " وذلك في أربعة مواضع من السبعة وهي :

الأول : قوله تعالى : لكيلا تحزنوا على ما فاتكم بسورة آل عمران .

الثاني : قوله تعالى : لكيلا يعلم من بعد علم شيئا بسورة الحج .

الثالث : قوله سبحانه : لكيلا يكون عليك حرج بسورة الأحزاب وهو الموضع الثاني بها .

الرابع : قوله عز شأنه : لكيلا تأسوا على ما فاتكم بسورة الحديد .

القسم الثاني : مقطوع باتفاق - أي اتفقت المصاحف على قطع " كي " عن " لا " وذلك في ثلاثة مواضع وهي بقية السبعة المشار إليها آنفا وفيما يلي ذكرها :

الأول : قوله تعالى : لكي لا يعلم بعد علم شيئا بسورة النحل .

الثاني : قوله تعالى : لكي لا يكون على المؤمنين حرج الموضع الأول بسورة الأحزاب .

الثالث : قوله سبحانه : كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم بسورة الحشر .

[ ص: 445 ] الكلمة الثامنة عشرة : " عن " الجارة مع " من " الموصولة وهي في كتاب الله تعالى قسم واحد وقد اتفقت المصاحف فيه على قطع " عن " عن " من " وتدغم فيه النون لفظا لا خطا وذلك في موضعين اثنين في التنزيل لا ثالث لهما وهما : قوله تعالى : ويصرفه عن من يشاء بسورة النور ، وقوله تعالى : فأعرض عن من تولى عن ذكرنا بسورة النجم .

الكلمة التاسعة عشرة : " يوم " مفتوح الميم مع " هم " الضمير المنفصل المرفوع المحل وهي في القرآن الكريم قسم واحد وقد أجمعت المصاحف على القطع فيه أي قطع " يوم " عن " هم " وذلك في موضعين اثنين لا ثالث لهما في القرآن الكريم :

أولهما : قوله تعالى : يوم هم بارزون بسورة غافر .

وثانيهما : قوله سبحانه : يوم هم على النار يفتنون بسورة الذاريات .

أما إذا كان الضمير مجرور المحل فاتفقت المصاحف على وصله بـ " يوم " نحو قوله تعالى : " حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون " بسورة الزخرف والمعارج وقوله سبحانه : حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون بسورة الطور وكذلك اتفقت [ ص: 446 ] المصاحف على وصل كلمة " يومهم " مكسور الميم والهاء كقوله تعالى : فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون آخر سورة الذاريات .

الكلمة العشرون : " لام الجر مع " مجرورها " وهي في القرآن الكريم قسمان :

القسم الأول : مقطوع باتفاق المصاحف العثمانية أي قطع " اللام " عن مجرورها وذلك في أربعة مواضع وهي :

الأول : قوله تعالى : يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا بسورة النساء.

الثاني : قوله تعالى : مال هذا الكتاب بسورة الكهف.

الثالث : قوله تعالى : وقالوا مال هذا الرسول بسورة الفرقان.

الرابع : قوله تعالى : فمال الذين كفروا قبلك مهطعين بسورة المعارج. وما في هذه المواضع الأربعة استفهامية كلمة بنفسها.

القسم الثاني : موصول باتفاق المصاحف العثمانية أي وصل " لام الجر " بمجرورها وذلك في غير مواضع القطع الأربعة المتقدمة كقوله تعالى : فما لكم كيف تحكمون بسورة سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام، وقوله سبحانه : ما لكم كيف تحكمون بسورة الصافات، وقوله عز شأنه : وما لأحد عنده من نعمة تجزى بسورة الليل وما إلى ذلك .

هذا : والمفهوم من كلام المقدمة الجزرية أن الوقف في حالة الاختبار [ ص: 447 ] " بالموحدة " أو الاضطرار في مواضع القطع الأربعة يكون على اللام . فيقال " مال " والأصح كما في النشر وتقريبه وإتحاف البشر وغيرهما جواز الوقف على " ما " أيضا لأنها كلمة برأسها منفصلة لفظا وحكما .

فيتلخص من ذلك أن المواضع الأربعة المقطوعة فيها وجهان في الوقف لكل القراء وهما : الوقف على " ما " أو على " اللام " اختبارا أو اضطرارا قال العلامة الطباخ مشيرا إلى ذلك في كتابه " هبة المنان " :


وقف على ما أو على اللام لكل     في مال كالفرقان سال الكهف قل

ا هـ

الكلمة الحادية والعشرون : " لات " مع " حين " في سورة ص في قوله تعالى : ولات حين مناص وليس غيرها في القرآن الكريم . وقد اختلف في قطع التاء عن حين ووصلها بها والصحيح المشهور الذي عليه العمل قطعها وعليه فتكون " ولات " كلمة و " حين " كلمة أخرى . وعلى غير المشهور وصل التاء بحين وعليه فتكون " ولا " كلمة و " تحين " كلمة أخرى وهذا القول لا يعول عليه بدليل أن كل القراء وقفوا على " ولات " عند الضرورة سواء من وقف منهم بالتاء أم بالهاء بدلا من التاء ولم ينقل عن أحد منهم أنه وقف على " ولا " بدون التاء . وفي المسألة كلام طويل اقتصرنا منه على المعول عليه والمناسب لحال المبتدئين .

[ ص: 448 ] ومن أراد الوقوف عليه فليراجع المطولات من كتب التجويد والرسم والقراءات والله وحده هو المرشد والمعين .

الكلمة الثانية والعشرون والثالثة والعشرون : " كالوهم " و " وزنوهم " في قوله تعالى : وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون بسورة المطففين وليس غيرهما في التنزيل وقد كتبتا في جميع المصاحف العثمانية موصولتين ومعنى الوصل فيهما ترك رسم الألف الدالة على الانفصال بعد الواو في الكلمتين . وكان عدم رسم الألف بعد الواو في الكلمتين دليلا على أنهما موصولتان بما بعدهما . وعليه : فلا يجوز الوقف على كلمة " كالوهم " أو " وزنوهم " دون " هم " معهما وإنما يكون الوقف على كلمة " كالوهم " بأسرها وكذلك كلمة " وزنوهم " فتأمل .

قال ملا علي القاري في شرح المقدمة الجزرية قال ابن الأنباري قال أبو عمرو وعاصم وعلي يعني الكسائي والأعمش أي من الأربعة عشر : " كالوهم " حرف واحد أي حكما والأصل كالوا لهم فحذفت اللام على حد كلتك طعاما فحذفت اللام وأوقع الفعل على هم فصارا حرفا واحدا لأن الضمير المتصل مع ناصبه كلمة واحدة ا هـ منه بلفظه .

أما كلمة " غضبوا هم " في قوله تعالى : وإذا ما غضبوا هم يغفرون بسورة الشورى فمخالفة لكلمتي " كالوهم " و " وزنوهم " لأن " غضبوا " كلمة بنفسها و " هم " ضمير فصل مرفوع على الابتداء كلمة أخرى والخبر جملة " يغفرون " . ولذلك أثبتوا الألف بعد الواو في كلمة " غضبوا " وعليه فيجوز الوقف ضرورة أو اختبارا " بالموحدة " على كلمة " غضبوا " ولا يصح الابتداء بقوله تعالى : هم يغفرون لما فيه من الفصل بين الشرط والجواب بل يتعين الابتداء بالشرط وهم " وإذا " ليكون هو جوابه معا خلافا لملا علي القاري فإنه أجاز الوقف على " [ ص: 449 ] غضبوا " والابتداء بقوله : " هم " وليس بشيء لما تقدم فتنبه .

الكلمة الرابعة والعشرون : " ال " التي للتعريف المعروفة في هذا الفن " بلام أل " نحو " الأرض ، الليل " في قوله تعالى : وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم بسورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقوله تعالى : وجعلنا الليل لباسا بسورة النبأ وسواء كانت شمسية أم قمرية اتفقت جميع المصاحف على وصلها بما بعدها قراءة ورسما ولا يجوز الوقف على " أل " والابتداء بـ " الأرض " أو بـ " الليل " بل الوقف على كلمة " الأرض " بأكملها والابتداء منها وكذلك كلمة " الليل " ونحوهما في التنزيل وهو كثير فتأمل .

الكلمة الخامسة والعشرون : " ها " التي للتنبيه من كلمتي " هؤلاء ، وها أنتم " خاصة في قوله : " ها أنتم هؤلاء " في كل من سورة آل عمران والنساء والقتال . وقد تنفرد كلمة " هؤلاء " وحدها وهي كثيرة في التنزيل كقوله تعالى : كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك بسورة الإسراء وما إلى ذلك فقد اتفقت المصاحف على وصل " ها " التنبيه بما بعدها قراءة ورسما ولا يجوز الوقف على " ها " والابتداء بـ " أنتم " أو بـ " هؤلاء " بل الوقف على كلمة " هؤلاء " بأسرها ومثلها " ها أنتم " والابتداء منهما كذلك .

الكلمة السادسة والعشرون : " يا " التي للنداء نحو قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم وقوله سبحانه : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وقوله عز شأنه : يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا [ ص: 450 ] ، وقوله عز من قائل : وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وقوله تعالى : يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين وما إلى ذلك فقد أجمعت المصاحف العثمانية على وصل " يا " التي للنداء بما بعدها رسما وقراءة . ولا يجوز الوقف على " يا " والابتداء بـ " أيها " أو " بمريم " أو " بأرض " أو " بسماء " بل الوقف على كلمة " يا أيها " بأسرها والابتداء منها كذلك ومثلها " يا مريم " و " يا أرض " " ويا سماء " إلى آخر ما هناك .

وقد أشار الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية إلى الكلمات من الخامسة عشرة إلى نهاية السادسة والعشرين بقوله :


وصل فإلم هود ألن نجعلا     نجمع كيلا تحزنوا تأسوا على
حج عليك حرج وقطعهم     عن من يشاء من تولى يوم هم
ومال هذا والذين وهؤلا     تحين في الإمام صل ووهلا
كالوهم أو وزنوهم صل     كذا من آل ويا وها لا تفصل

وبهذا ينقضي كلامنا عن الكلمات المقطوعة والموصولة اتفاقا واختلافا الوارد ذكرها في المقدمة الجزرية للحافظ ابن الجزري . وقد ذكرنا معها استطرادا بعض كلمات لم ترد في المقدمة هذه لاقتضاء المقام ذكرها هنا . ونشرع الآن بمشيئة الله تعالى في بيان الكلمات التي يجب على قارئ القرآن معرفتها والإلمام بالأحكام المتعلقة بها في كتابتها مقطوعة أو موصولة مما لم يرد له ذكر في المقدمة الجزرية في فصل عقدناه خاصا لهذا الغرض فنقول وبالله التوفيق ومنه نستمد العون والقول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث