الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        القسم الثاني : الطريق الذي لا ينفذ ، كالسكة المسدودة الأسفل ، والكلام فيها في ثلاثة أمور :

                                                                                                                                                                        الأول : إشراع الجناح ، فلا يجوز لغير أهل السكة بلا خلاف ، ولا لهم [ ص: 207 ] على الأصح الذي قاله الأكثرون إلا برضاهم ، سواء تضرروا ، أم لا . والثاني وهو قول الشيخ أبي حامد ومن تابعه : يجوز إذا لم يضر الباقين ، فإن أضر ورضي أهل السكة جاز . ولو صالحوه على شيء ، لم يصح بلا خلاف ؛ لأن الهواء تابع ، فلا يفرد بالمال صلحا ، كما لا يفرد به بيعا . وهكذا الحكم في صلح صاحب الدار عن الجناح المشرع إليها ، ونعني بأهل السكة كل من له باب نافذ إليها دون من يلاصق جدار دار السكة من غير نفوذ باب . ثم هل الاشتراك في جميعها لجميعهم ، أم شركة كل واحد تختص بما بين رأس السكة وباب داره ؟ وجهان . أصحهما : الاختصاص ؛ لأن ذلك هو محل تردده ، وما عداه ، فهو فيه كغير أهل السكة . وتظهر فائدة الخلاف على قول الأكثرين في منع إشراع الجناح إلا برضاهم . فإن شركنا الكل في الكل ، جاز لكل واحد من أهل السكة المنع . وإن خصصنا ، فإنما يجوز المنع لمن موضع الجناح بين بابه ورأس الدرب . وتظهر فائدته على قول الشيخ أبي حامد ، في أن مستحق المنع إذا أضر الجناح : من هو ؟ لكنهم لم يذكروه . قول الرافعي : لم يذكروه ، من أعجب العجب ، فقد ذكره صاحب " التهذيب " ، مع أن معظم نقل الرافعي منه ومن النهاية . - والله أعلم - .

                                                                                                                                                                        ولو اجتمع المستحقون فسدوا رأس السكة ، لم يمنعوا منه ، كذا قاله الجمهور . وقال أبو الحسن العبادي : يحتمل أن يمنعوا ؛ لأن أهل الشارع يفزعون إليه إذا عرضت زحمة . ولو امتنع بعضهم ، لم يكن للباقين السد قطعا . ولو سدوا باتفاقهم ، لم يستقل بعضهم بالفتح . ولو اتفقوا على قسمة صحن السكة بينهم ، جاز . ولو أراد أهل رأس السكة قسمة رأسها بينهم ، منعوا لحق من يليهم . ولو أراد الأسفل قسمته فوجهان ، بناء على الاشتراك فيه ، ثم ما ذكرناه من سد الباب وقسمة الصحن ، مفروض فيما لو لم يكن في السكة مسجد . فإن كان فيها مسجد عتيق ، أو جديد ، [ ص: 208 ] منعوا من السد والقسمة ؛ لأن المسلمين كلهم يستحقون الاستطراق إليه ، ذكره ابن كج . وعلى قياسه ، لا يجوز الإشراع عند الإضرار وإن رضي أهل السكة ، لحق سائر المسلمين .

                                                                                                                                                                        الأمر الثاني : فتح الباب ، فليس لمن لا باب له في السكة إحداث باب إلا برضى أهلها كلهم . فلو قال : أفتح إليها بابا للاستضاءة دون الاستطراق ، أو أفتحه وأسمره ، فوجهان . أصحهما : عند أبي القاسم الكرخي : يمنع .

                                                                                                                                                                        قلت : قل من بين الأصح من هذين الوجهين ، ولهذا ، اقتصر الرافعي على نسبة التصحيح إلى الكرخي . وممن صححه صاحب " البيان " والرافعي في " المحرر " وخالفهم الجرجاني ، والشاشي ، فصححا المنع ، وهو أفقه . - والله أعلم - .

                                                                                                                                                                        ولو كان له باب في السكة ، وأراد أن يفتح غيره ، فإن كان ما يفتحه أبعد من رأس السكة ، فلمن الباب المفتوح بين داره ورأس السكة منعه ، وفيمن داره بين الباب ورأس السكة وجهان ، بناء على كيفية الشركة كما سبق في الجناح . وإن كان ما يفتحه أقرب إلى رأس السكة ، فإن سد الأول جاز ، وإلا فكما إذا كان أبعد ؛ لأن الباب الثاني إذا انضم إلى الأول أورث زيادة زحمة الناس ووقوف الدواب ، فيتضررون به . وحكى في النهاية طريقة جازمة ، بأن لا منع لمن يقع المفتوح بين داره ورأس السكة ؛ لأن الفاتح لا يمر عليهم . وهذا ينبغي أن يطرد فيما إذا كان المفتوح أبعد من رأس السكة .

                                                                                                                                                                        قلت : جزم صاحب " الشامل " بأنه إذا فتح بابا آخر أقرب إلى رأس السكة ، ولم يسد الأول جاز ، ولا منع لأحد . وهذا وإن كان ظاهرا ، فما نقله الإمام أقوى . ولم يذكر الرافعي - فيما إذا كان المفتوح أبعد - حكم من بابه مقابل المفتوح ، [ ص: 209 ] لا فوقه ولا تحته . وقد ذكر الإمام ، أنه كمن هو أقرب إلى رأس السكة ، ففيه الوجهان . - والله أعلم - .

                                                                                                                                                                        وتحويل الميزاب من موضع إلى موضع ، كفتح باب وسد باب .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لو كان له داران ، ينفذ باب إحداهما إلى الشارع ، والأخرى إلى سكة منسدة ، فأراد فتح باب من إحداهما إلى الأخرى ، لم يكن لأهل السكة منعه على الأصح . ولو كان باب كل واحدة في سكة غير نافذة ، ففتح من إحداها إلى الأخرى ، ففي ثبوت المنع لأهل السكتين ، الوجهان ، قاله الإمام . وموضع الوجهين ، ما إذا سد باب إحداهما ، وفتح الباب لغرض الاستطراق . أما إذا قصد اتساع ملكه ونحوه ، فلا منع قطعا .

                                                                                                                                                                        قلت : هذه العبارة فاسدة ، فإنها توهم اختصاص الخلاف ، بما إذا سد باب إحداهما ، وذلك خطأ ، بل الصواب ، جريان الوجهين إذا بقي البابان نافذين ، وكل الأصحاب مصرحون به . قال أصحابنا : ولو أراد رفع الحائط بينهما وجعلهما دارا واحدة ، ويترك بابيهما على حالهما ، جاز قطعا . وممن نقل اتفاق الأصحاب على هذا ، القاضي أبو الطيب في تعليقه . فالصواب أن يقال : موضع الوجهين ، إذا لم يقصد اتساع ملكه . وأما قوله : كذا نقله الإمام ، فإن الوجهين مشهوران جدا . وقوله الأصح : الجواز ، تابع فيه صاحب " التهذيب " ، وخالفه أصحابنا العراقيون ، فنقلوا عن الجمهور ، المنع . بل نقل القاضي أبو الطيب اتفاق الأصحاب على المنع . قال : وعندي أنه يجوز . - والله أعلم - .

                                                                                                                                                                        [ ص: 210 ] فرع

                                                                                                                                                                        حيث منعنا فتح الباب إلى السكة المنسدة ، فصالحه أهل السكة بمال جاز ، بخلاف الجناح ؛ لأنه هناك بذل مال في مقابلة الهواء . قال في " التتمة " : ثم إن قدروا مدة ، فهو إجارة . وإن أطلقوا ، أو شرطوا التأبيد ، فهو بيع جزء شائع من السكة ، وتنزيل له منزلة أحدهم . كما لو صالح رجلا على مال ليجري في أرضه نهرا ، كان ذلك تمليكا للنهر . ولو صالحه بمال على فتح باب من داره إلى داره ، صح ، ويكون كالصلح عن إجراء الماء على سطحه ، ولا يملك شيئا من الدار والسطح ؛ لأن السكة لا تراد إلا للاستطراق ، فإثبات الاستطراق فيها يكون نقلا للملك .

                                                                                                                                                                        وأما الدار والسطح ، فلا يقصد بهما الاستطراق وإجراء الماء .

                                                                                                                                                                        قلت : قال أصحابنا : لو كانت داره في آخر السكة المنسدة ، فأراد نقل بابها إلى الوسط ، ويجعل ما بين الباب وأسفل السكة دهليزا ، فإن شركنا الجميع في جميع السكة ، كان للباقين منعه ، وإلا فلا - والله أعلم - .

                                                                                                                                                                        الأمر الثالث : فتح المنافذ والكوات للاستضاءة ، ولا منع منه بحال ، لمصادفته الملك ، بل له إزالة رفع الجدار ، وجعل شباك مكانه .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال الإمام : لو فتح من لا باب له في السكة المنسدة بابا برضى أهلها ، كان لأهلها الرجوع متى شاءوا ، ولا يلزمهم بالرجوع شيء ، بخلاف ما لو أعار الأرض للبناء والغراس ثم رجع ، فإنه لا يقلعه مجانا . وهذا لم أره لغيره . والقياس : أن لا فرق .

                                                                                                                                                                        [ ص: 211 ] فرع

                                                                                                                                                                        قال الروياني : إذا كان بين داريه طريق نافذ ، فحفر تحته سردابا من إحداهما إلى الأخرى ، وأحكمه بالأزج لم يمنع . قال : وبمثلها أجاب الأصحاب فيما إذا لم يكن نافذا ؛ لأن لكل أحد دخول هذا الزقاق ، كاستطراق الدرب النافذ . قال : وغلط من قال بخلافه ، وهذا اختيار منه لكونها في معنى الشارع ، والظاهر خلافه . واعتذر الإمام عن جواز دخولها بأنه من قبيل الإباحة المستفادة من قرائن الأحوال .

                                                                                                                                                                        قلت : هذا الذي ذكره الروياني - فيما كان الطريق نافذا - صحيح . وكذا صرح به القاضي أبو الطيب وغيره .

                                                                                                                                                                        وأما تجويزه ذلك - فيما إذا لم يكن الطريق نافذا - ونقله ذلك عن الأصحاب ، فضعيف ، ولا يوجد ذلك في كتب معظم الأصحاب ، ولعله وجده في كتاب أو كتابين ، فإني رأيت له مثل هذا كثيرا . وكيف كان ، فهذا الحكم ضعيف ، فإن الأصحاب مصرحون بأن الطريق في السكة المسدودة ملك لأصحاب السكة ، وأنهم لو أرادوا سدها وجعلها مساكن ، جاز ، ونقل الإمام اتفاق الأصحاب على هذا . وإذا ثبت أنها ملكهم ، فالقرار تابع للأرض كما يتبعها الهواء ، فكما لا يجوز إخراج الجناح فوق أرضهم بغير رضاهم ، كذا السرداب تحتها . - والله أعلم - .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية