الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا "

للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم

قوله للفقراء قيل : هو بدل من لذي القربى وما عطف عليه ، ولا يصح أن يكون بدلا من الرسول وما بعده لئلا يستلزم وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر ، وقيل : التقدير كيلا يكون دولة ولكن يكون للفقراء ، وقيل : التقدير : اعجبوا للفقراء ، وقيل : التقدير : والله شديد العقاب للفقراء : أي شديد العقاب للكفار بسبب الفقراء ، وقيل : هو عطف على ما مضى بتقدير الواو كما تقول المال لزيد لعمرو لبكر ، والمراد بـ " المهاجرين " الذين هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة في الدين ونصرة له .

قال قتادة : هؤلاء المهاجرون هم الذين تركوا الديار والأموال والأهلين ، ومعنى أخرجوا من ديارهم أن كفار مكة أخرجوهم منها واضطروهم إلى الخروج ، وكانوا مائة رجل يبتغون فضلا من الله ورضوانا أي يطلبون منه أن يتفضل عليهم بالرزق في الدنيا ، وبالرضوان في الآخرة وينصرون الله ورسوله بالجهاد للكفار ، وهذه الجملة معطوفة على يبتغون ، ومحل الجملتين النصب على الحال ، الأولى مقارنة ، والثانية مقدرة : أي ناوين لذلك ، ويجوز أن تكون حالا مقارنة لأن خروجهم على تلك الصفة نصرة لله ورسوله ، والإشارة بقوله : أولئك إليهم من حيث اتصافهم بتلك الصفات ، وهو مبتدأ وخبره [ ص: 1476 ] هم الصادقون أي الكاملون في الصدق الراسخون فيه .

ثم لما فرغ من مدح المهاجرين مدح الأنصار فقال : والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ، المراد بالدار المدينة ، وهي دار الهجرة ، ومعنى تبوئهم الدار والإيمان أنهم اتخذوها مباءة : أي تمكنوا منها تمكنا شديدا ، والتبوء في الأصل إنما يكون للمكان ، ولكنه جعل الإيمان مثله لتمكنهم فيه تنزيلا للحال منزلة المحل ، وقيل : إن الإيمان منصوب بفعل غير الفعل المذكور ، والتقدير : واعتقدوا الإيمان أو وأخلصوا الإيمان ، كذا قال أبو علي الفارسي .

ويجوز أن يكون على حذف مضاف : أي تبوءوا الدار وموضع الإيمان ، ويجوز أن يكون تبوءوا مضمنا لمعنى لزموا ، والتقدير : لزموا الدار والإيمان ، ومعنى من قبلهم : من قبل هجرة المهاجرين فلا بد من تقدير مضاف ؛ لأن الأنصار إنما آمنوا بعد إيمان المهاجرين ، والموصول مبتدأ وخبره يحبون من هاجر إليهم وذلك لأنهم أحسنوا إلى المهاجرين وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم ولا يجدون في صدورهم حاجة أي لا يجد الأنصار في صدورهم حسدا وغيظا وحزازة مما أوتوا أي مما أوتي المهاجرون دونهم من الفيء ، بل طابت أنفسهم بذلك .

وفي الكلام مضاف محذوف : أي لا يجدون في صدورهم مس حاجة أو أثر حاجة ، وكل ما يجده الإنسان في صدره مما يحتاج إليه فهو حاجة .

وكان المهاجرون في دور الأنصار ، فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين من إنزالهم إياهم في منازلهم ، وإشراكهم في أموالهم ، ثم قال : إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي من بني النضير بينكم وبين المهاجرين ، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم والمشاركة لكم في أموالكم ، وإن أحببتم أعطيتهم ذلك وخرجوا من دياركم ، فرضوا بقسمة ذلك في المهاجرين وطابت أنفسهم ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة الإيثار تقديم الغير على النفس في حظوظ الدنيا رغبة في حظوظ الآخرة ، يقال : آثرته بكذا أي خصصته به ، والمعنى : ويقدمون المهاجرين على أنفسهم في حظوظ الدنيا ولو كان بهم خصاصة أي حاجة وفقر ، والخصاصة مأخوذة من خصاص البيت ، وهي الفرج التي تكون فيه ، وجملة " لو كان بهم خصاصة " في محل نصب على الحال ، وقيل : إن الخصاصة مأخوذة من الاختصاص ، وهو الانفراد بالأمر ، فالخصاصة الانفراد بالحاجة ، ومنه قول الشاعر :


إن الربيع إذا يكون خصاصة عاش السقيم به وأثرى المقتر

ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون قرأ الجمهور يوق بسكون الواو وتخفيف القاف من الوقاية .

وقرأ ابن أبي عبلة ، وأبو حيوة بفتح الواو وتشديد القاف .

وقرأ الجمهور شح نفسه بضم الشين .

وقرأ ابن عمر ، وابن أبي عبلة بكسرها .

والشح : البخل مع حرص ، كذا في الصحاح ، وقيل : الشح أشد من البخل .

قال مقاتل : شح نفسه حرص نفسه .

قال سعيد بن جبير : شح النفس هو أخذ الحرام ومنع الزكاة .

قال ابن زيد : من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه ولم يمنع شيئا أمره الله بأدائه فقد وقي شح نفسه .

قال طاوس : البخل أن يبخل الإنسان بما في يده ، والشح أن يشح بما في أيدي الناس ، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحلال والحرام لا يقنع .

وقال ابن عيينة : الشح الظلم .

وقال الليث : ترك الفرائض وانتهاك المحارم .

والظاهر من الآية أن الفلاح مترتب على عدم شح النفس بشيء من الأشياء التي يقبح الشح بها شرعا من زكاة أو صدقة أو صلة رحم أو نحو ذلك كما تفيده إضافة الشح إلى النفس ، والإشارة بقوله : فأولئك إلى " من " باعتبار معناها ، وهو مبتدأ وخبره هم المفلحون ، والفلاح الفوز والظفر بكل مطلوب .

ثم لما فرغ سبحانه من الثناء على المهاجرين والأنصار ، ذكر ما ينبغي أن يقوله من جاء بعدهم ، فقال : والذين جاءوا من بعدهم وهم التابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة ، وقيل : هم الذين هاجروا بعدما قوي الإسلام ، والظاهر شمول الآية لمن جاء بعد السابقين من الصحابة المتأخر إسلامهم في عصر النبوة ، ومن تبعهم من المسلمين بعد عصر النبوة إلى يوم القيامة ، لأنه يصدق على الكل أنهم جاءوا بعد المهاجرين الأولين والأنصار ، والموصول مبتدأ وخبره يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ويجوز أن يكون الموصول معطوفا على قوله : والذين تبوءوا الدار والإيمان ، فيكون " يقولون " في محل نصب على الحال ، أو مستأنف لا محل له ، والمراد بالأخوة هنا أخوة الدين ، أمرهم الله أن يستغفروا لأنفسهم ولمن تقدمهم من المهاجرين والأنصار ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا أي غشا وبغضا وحسدا .

أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق ، فيدخل في ذلك الصحابة دخولا أوليا لكونهم أشرف المؤمنين ، ولكون السياق فيهم ، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية ، فإن وجد في قلبه غلا لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه وخير أمة نبيه صلى الله عليه وسلم وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجء إلى الله سبحانه والاستغاثة به ، بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون وأشرف هذه الأمة ، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم ، فقد انقاد للشيطان بزمام ووقع في غضب الله وسخطه ، وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة أو صاحب من أعداء خير الأمة الذين تلاعب بهم الشيطان وزين لهم الأكاذيب المختلفة والأقاصيص المفتراة والخرافات الموضوعة ، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المنقولة إلينا [ ص: 1477 ] بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور ، فاشتروا الضلالة بالهدى ، واستبدلوا الخسران العظيم بالربح الوافر ، وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة ومن رتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداء كتاب الله وسنة رسوله وخير أمته وصالحي عباده وسائر المؤمنين ، وأهملوا فرائض الله وهجروا شعائر الدين ، وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر ، والله من ورائهم محيط ربنا إنك رءوف رحيم أي كثير الرأفة والرحمة بليغهما لمن يستحق ذلك من عبادك .

وقد أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال : أوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم ، وأوصيه بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم .

وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أصابني الجهد . فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا فقال : ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله ، فقال رجل من الأنصار ، وفي رواية فقال أبو طلحة الأنصاري : أنا يا رسول الله ، فذهب به إلى أهله ، فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخريه شيئا ، قالت : والله ما عندي إلا قوت الصبية ، قال : فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ، ونطوي بطوننا الليلة لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت ، ثم غدا الضيف على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة ، وأنزل فيهما ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال : أهدي إلى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال : إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا ، فبعث به إليه ، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول ، فنزلت فيهم ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .

وأخرج الفريابي ، وسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، والحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود أن رجلا قال : إني أخاف أن أكون قد هلكت ، قال : وما ذاك ؟ قال : إني سمعت الله يقول : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء ، فقال له ابن مسعود : ليس ذلك بالشح ، ولكنه البخل ولا خير في البخل .

وإن الشح الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما .

وأخرج ابن المنذر ، وابن مردويه عن ابن عمر في الآية قال : ليس الشح أن يمنع الرجل ماله ، ولكنه البخل وإنه لشر ، إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له .

وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال : من أدى زكاة ماله فقد وقي شح نفسه .

وأخرج الحكيم الترمذي ، وأبو يعلى ، وابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما محق الإسلام محق الشح شيء قط .

وأخرج أحمد ، والبخاري في الأدب ومسلم ، والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم .

وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم الشح .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال : الناس على ثلاث منازل قد مضت منزلتان وبقيت منزلة ، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت ، ثم قرأ والذين جاءوا من بعدهم الآية .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن عائشة قالت : أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم ، ثم قرأت هذه الآية والذين جاءوا من بعدهم .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أنه سمع رجلا وهو يتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه للفقراء المهاجرين الآية ، ثم قال : هؤلاء المهاجرون أفمنهم أنت ؟ قال : لا ، ثم قرأ عليه والذين تبوءوا الدار والإيمان الآية . ثم قال : هؤلاء الأنصار أفأنت منهم ؟ قال : لا ، ثم قرأ عليه والذين جاءوا من بعدهم الآية ، ثم قال : أفمن هؤلاء أنت ؟ قال : أرجو ، قال : ليس من هؤلاء من سب هؤلاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث