الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم إن صاحب الحق الذي قد علم أن الدنيا لا تدوم، فلا يدوم للإنسان فيها لا جاه ولا مال، بل هذا وهذا يقول يوم القيامة: ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه . وقد روى الترمذي وغيره عن كعب رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه". [قال] الترمذي: حديث حسن صحيح. بين - صلى الله عليه وسلم - أن حرص المرء على المال والشرف والرئاسة يفسد الدين مثل أو أبلغ من إفساد الذئبين الجائعين إذا أرسلا في زريبة غنم. وهذا الحرص صفة تقوم بالنفس، والدين هو الذي يبقى ويدوم نفعه بعد الموت، فلو قدر أن الإنسان طلب من [ ص: 51 ] المال والشرف ما لا ينفعه بعد الموت، لكان صاحب باطل ولعب وعبث، فكيف إذا طلب ما هو صار له بعد الموت يفسد ما ينفعه، كإفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم. ولهذا إنما جعل ذلك الحرص على المال والشرف، والحرص يوجب الشح، فإن الشح أصله شدة الحرص.

وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إياكم الشح، فإن الشح أهلك من قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا".

ورئي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يطوف وهو يقول: "رب قني شح نفسي، رب قني شح نفسي"، فقيل له: ما أكثر ما تدعو بذلك! فقال: إذا وقيت الشح وقيت البخل والظلم والقطيعة .

وذكر رجل لابن مسعود رضي الله عنه أنه يكره إخراج المال، أفشحيح هو؟ فقال ابن مسعود رضي الله عنه: ذلك البخيل، وبئس الشيء البخل، ولكن الشح أن تحب أخذ مال أخيك .

ولهذا الشح كان أعظم من البخل، فإن البخيل يبخل بما عنده، والشح هو شدة الحرص، فهو عمل على الحسد حتى يكره أن يعطي الله تعالى غيره من فضله، وعمل على الظلم والقطيعة حتى يأخذ مال غيره بغير حق. ولهذا قال الله تعالى: ولا يجدون في صدورهم حاجة [ ص: 52 ] مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . فمدح الأنصار بأنهم لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتي المهاجرون، أي لا يجدون في أنفسهم طلبا لما أنعمه الله عليهم، بل نفوسهم غنية، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس" . والحاسد والحريص أنفسهم فقيرة محتاجة لا غنى فيها، فالحاسد شر من البخيل، والمحسن إلى الناس أفضل من المستغني الذي لا يحسن. ولهذا جاء في الحديث : " الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب".

التالي السابق


الخدمات العلمية