الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 248 ] ذكر إسكندر ذي القرنين

كان فيلفوس أبو الإسكندر اليوناني من أهل بلدة يقال لها مقدونية ، كان ملكا عليها وعلى بلاد أخرى ، فصالح دارا على خراج يحمله إليه في كل سنة . فلما هلك فيلفوس ملك بعده ابنه الإسكندر واستولى على بلاد الروم أجمع ، فقوي على دارا فلم يحمل إليه من الخراج شيئا وكان الخراج الذي يحمله بيضا من ذهب فسخط عليه دارا وكتب إليه يؤنبه بسوء صنيعه في ترك حمل الخراج ، وبعث إليه بصولجان وكرة وقفيز من سمسم ، وكتب إليه : إنه صبي ، وإنه ينبغي له أن يلعب بالصولجان ، والكرة ، ويترك الملك ، وإن لم يفعل ذلك واستعصى عليه بعث من يأتيه به في وثاق ، وإن عدة جنوده كعدة حب السمسم الذي بعث به إليه .

فكتب إليه الإسكندر : إنه قد فهم ما كتب به ، وقد نظر إلى ما ذكر في كتابه من إرساله الصولجان ، والكرة ، وتيمن به لإلقاء الملقي الكرة إلى الصولجان واحترازه إياها ، وشبه الأرض بالكرة ، وأنه يجر ملك دارا إلى ملكه ، وتيمنه بالسمسم الذي بعث كتيمنه بالصولجان ، والكرة لدسمه وبعده من المرارة والحرافة ، وبعث إليه بصرة فيها خردل ، وأعلمه في ذلك أن ما بعث به إليه قليل ولكنه مر حريف ، وأن جنوده مثله . فلما وصل كتابه إلى دارا تأهب لمحاربته .

[ ص: 249 ] وقد زعم بعض العلماء بأخبار الأولين أن الإسكندر الذي حارب دارا بن دارا هو أخو دارا الأصغر الذي حاربه ، وأن أباه دارا الأكبر كان تزوج أم الإسكندر ، وهي ابنة ملك الروم ، فلما حملت إليه وجد نتن ريحها وسهكها ، فأمر أن يحتال لذلك منها ، فاجتمع رأي أهل المعرفة في مداواتها على شجرة يقال لها بالفارسية سندر ، فغسلت بمائها فأذهب ذلك كثيرا من نتنها ولم يذهب كله ، وانتهت نفسه عنها ، فردها إلى أهلها ، وقد علقت منه فولدت عند أهلها غلاما فسمته باسم الشجرة التي غسلت بمائها مضافا إلى اسمها .

وقد هلك أبوها وملك الإسكندر بعده ، فمنع الخراج الذي كان يؤديه جده إلى دارا ، فأرسل يطلبه ، وكان بيضا من ذهب ، فأجابه إني قد ذبحت الدجاجة التي كانت تبيض ذلك البيض وأكلت لحمها ، فإن أحببت وادعناك ، وإن أحببت ناجزناك .

ثم خاف الإسكندر من الحرب فطلب الصلح ، فاستشار دارا أصحابه ، فأشاروا عليه بالحرب لفساد قلوبهم عليه ، فعند ذلك ناجزه دارا القتال ، فكتب الإسكندر إلى حاجبي دارا وحكمهما على الفتك بدارا ، فاحتكما شيئا ، ولم يشترطا أنفسهما . فلما التقيا للحرب طعن دارا حاجباه في الوقعة ، وكانت الحرب بينهما سنة ، فانهزم أصحاب دارا ولحقه الإسكندر وهو بآخر رمق .

وقيل : بل فتك به رجلان من حرسه من أهل همذان حبا للراحة من ظلمه ، وكان فتكهما به لما رأيا عسكره قد انهزم عنه ، ولم يكن ذلك بأمر الإسكندر ، وكان قد أمر الإسكندر مناديا ينادي عند هزيمة عسكر دارا أن يؤسر دارا ولا يقتل ، فأخبر بقتله ، فنزل إليه ومسح التراب عن وجهه وجعل رأسه في حجره ، وقال له : إنما قتلك أصحابك وإنني لم أهم بقتلك قط ، ولقد كنت أرغب بك يا شريف الأشراف ويا ملك الملوك وحر الأحرار عن هذا المصرع ، فأوص بما أحببت ، فأوصاه دارا أن يتزوج ابنته روشنك ويرعى حقها ويعظم قدرها ، ويستبقي أحرار فارس ويأخذ له بثأره ممن قتله . ففعل الإسكندر ذلك أجمع وقتل حاجبي دارا ، وقال لهما : إنكما لم تشترطا نفوسكما ، فقتلهما بعد أن وفى لهما بما ضمن لهما ، وقال : ليس ينبغي أن يستبقى قاتل الملوك إلا بذمة لا تخفر .

[ ص: 250 ] وكان التقاؤهما بناحية خراسان مما يلي الخزر ، وقيل ببلاد الجزيرة عند دارا .

وكان ملك الروم قبل الإسكندر متفرقا فاجتمع ، وملك فارس مجتمعا فتفرق . وحمل الإسكندر كتبا ، وعلوما لأهل فارس من علوم ، ونجوم ، وحكمة ، ونقله إلى الرومية . وقد ذكرنا قول من قال إن الإسكندر أخو دارا لأبيه ، وأما أهل الروم وكثير من أهل الأنساب فيزعمون أنه الإسكندر بن فيلفوس ، وقيل : فيلبوس بن مطريوس ، وقيل : ابن مصريم بن هرمس بن هردس بن منطون بن رومي بن ليطى بن يوناق بن يافث بن ثوبة بن سرحون بن روميط بن زنط بن توقيل بن رومي بن الأصفر بن أليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم .

فجمع بعد هلك دارا ملك دارا فملك العراق ، والشام ، والروم ، ومصر ، والجزيرة ، وعرض جنده فوجدهم على ما قيل ألف ألف وأربعمائة ألف رجل ، منهم من جنده ثمانمائة ألف رجل ، ومن جند دارا ستمائة ألف رجل ، وتقدم بهدم حصون فارس وبيوت النيران وقتل الهرابذة ، وأحرق كتبهم ، واستعمل على مملكة فارس رجالا ، وسار قدما إلى أرض الهند ، فقتل ملكها ، وفتح مدنها ، وخرب بيوت الأصنام ، وأحرق كتب علومهم ، ثم سار منها إلى الصين ، فلما وصل إليها أتاه حاجبه في الليل وقال : هذا رسول ملك الصين ، فأحضره فسلم وطلب الخلوة ، ففتشوه فلم يروا معه شيئا ، فخرج من كان [ ص: 251 ] عند الإسكندر ، فقال : أنا ملك الصين جئت أسألك عن الذي تريده ، فإن كان مما يمكن عمله عملته وتركت الحرب . فقال له الإسكندر : ما الذي آمنك مني ؟ قال : علمت أنك عاقل حكيم ولم يكن بيني وبينك عداوة ولا ذحل ، وأنت تعلم أنك إن قتلتني لم يكن قتلي سببا لتسليم أهل الصين ملكي إليك ، ثم إنك تنسب إلى الغدر .

فعلم أنه عاقل فقال له : أريد منك ارتفاع ملكك لثلاث سنين عاجلا ونصف الارتفاع لكل سنة . قال : قد أجبتك ولكن اسألني كيف حالي ، قال : كيف حالك ؟ قال : أكون أول قتيل لمحارب وأول أكلة لمفترس . قال : فإن قنعت منك بارتفاع سنتين ؟ قال : يكون حالي أصلح قليلا . قال : فإن قنعت منك بارتفاع سنة ؟ قال : يبقى ملكي وتذهب لذاتي . قال : وأنا أترك لك ما مضى وآخذ الثلث كل سنة فكيف يكون حالك قال : يكون السدس للفقراء والمساكين ومصالح البلاد ، والسدس لي ، والثلث للعسكر ، والثلث لك . قال : قد قنعت منك بذلك . فشكره وعاد ، وسمع العسكر بذلك ففرحوا بالصلح .

فلما كان الغد خرج ملك الصين بعسكر عظيم أحاط بعسكر الإسكندر ، فركب الإسكندر والناس ، فظهر ملك الصين على الفيل وعلى رأسه التاج ، فقال له الإسكندر : أغدرت ؟ قال : لا ولكني أردت أن تعلم أني لم أطعك من ضعف ولكني لما رأيت العالم العلوي مقبلا عليك أردت طاعته بطاعتك ، والقرب منه بالقرب منك ، فقال له الإسكندر : لا يسام مثلك الجزية ، فما رأيت بيني وبينك من يستحق الفضل والوصف بالعقل غيرك ، وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك وأنا منصرف عنك . فقال له ملك الصين : فلست تخسر ، وبعث إليه بضعف ما كان قرره ، وسار الإسكندر عنه من يومه ودانت له عامة الأرضين في الشرق والغرب وملك التبت وغيرها .

[ ص: 252 ] فلما فرغ من بلاد المغرب والمشرق وما بينهما قصد بلاد الشام ، وملك تلك البلاد ، ودان له من بها من الأمم المختلفة إلى أن اتصل بديار يأجوج ومأجوج وقد اختلفت الأقوال فيهم ، والصحيح أنهم نوع من الترك لهم شوكة وفيهم شر ، وهم كثيرون ، وكانوا يفسدون فيما يجاورهم من الأرض ، ويخربون ما قدروا عليه من البلاد ، ويؤذون من يقرب منهم . فلما رأى أهل تلك البلاد الإسكندر شكوا إليه من شرهم ، كما أخبر الله عنهم في قوله : ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما . يقول ما مكنني فيه ربي خير من خرجكم ، ولكن أعينوني بالقوة ، والقوة الفعلة والصناع ، والآلة التي يبنى بها ، فقال : آتوني زبر الحديد ، أي قطع الحديد ، فآتوه بها ، فحفر الأساس حتى بلغ الماء ، ثم جعل الحديد والحطب صفوفا بعضها فوق بعض حتى إذا ساوى بين الصدفين ، وهما جبلان ، أشعل النار في الحطب فحمي الحديد وأفرغ عليه القطر ، وهو النحاس المذاب ، فصار موضع الحطب وبين قطع الحديد ، فبقي كأنه برد محبر من حمرة النحاس وسواد الحديد ، وجعل أعلاه شرفا من الحديد فامتنعت يأجوج ومأجوج من الخروج إلى البلاد المجاورة لهم . قال الله تعالى : فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا .

فلما فرغ من أمر السد دخل الظلمات مما يلي القطب الشمالي ، والشمس [ ص: 253 ] جنوبية ، فلهذا كانت ظلمة ، وإلا فليس في الأرض موضع إلا وتطلع الشمس عليه أبدا . فلما دخل الظلمات أخذ معه أربعمائة من أصحابه يطلب عين الخلد ، فسار فيها ثمانية عشر يوما ، ثم خرج ولم يظفر بها ، وكان الخضر على مقدمته ، فظفر بها وسبح فيها وشرب منها ، والله أعلم .

ورجع إلى العراق فمات في طريقه بشهرزور بعلة الخوانيق ، وكان عمره ستا وثلاثين سنة في قول ، ودفن في تابوت من ذهب مرصع بالجواهر ، وطلي بالصبر لئلا يتغير وحمل إلى أمه بالإسكندرية .

وكان ملكه أربع عشرة سنة ، وقتل دارا في السنة الثالثة من ملكه . وبنى اثنتي عشرة مدينة ، منها : أصبهان ، وهي التي يقال لها جي ، ومدينة هراة ، ومرو ، وسمرقند ، وبنى بالسواد مدينة لروشنك ابنة دارا ، وبأرض اليونان مدينة ، وبمصر الإسكندرية .

فلما مات الإسكندر طاف به من معه من الحكماء اليونانيين والفرس والهند وغيرهم ، فكان يجمعهم ويستريح إلى كلامهم ، فوقفوا عليه ، فقال كبيرهم : ليتكلم كل واحد منكم بكلام يكون للخاصة معزيا وللعامة واعظا ، ووضع يده على التابوت ، وقال : أصبح آسر الأسراء أسيرا . وقال آخر : هذا الملك كان يخبئ الذهب فقد صار الذهب يخبؤه . وقال آخر : ما أزهد الناس في هذا الجسد وما أرغبهم في التابوت . وقال آخر : من أعجب العجب أن القوي قد غلب ، والضعفاء لاهون مغترون . وقال آخر : هذا الذي جعل أجله ضمانا وجعل أمله عيانا ، هلا باعدت من أجلك لتبلغ بعض أملك ، بل هلا حققت من أملك بالامتناع من فوت أجلك . [ ص: 254 ] وقال آخر : أيها الساعي المنتصب ، ما خذلك عند الاحتياج إليه ، فغودرت عليك أوزاره ، وقارفت آثامه ، فجمعت لغيرك وإثمه عليك .

وقال آخر : قد كنت لنا واعظا فما وعظتنا موعظة أبلغ من وفاتك ، فمن كان له معقول فليعقل ، ومن كان معتبرا فليعتبر .

وقال آخر : رب هائب لك يخافك من ورائك وهو اليوم بحضرتك ولا يخافك .

رب حريص على سكوتك إذ لا تسكت ، وهو اليوم حريص على كلامك إذ لا تتكلم .

وقال آخر : كم أماتت هذه النفس لئلا تموت وقد ماتت .

وقال آخر ، وكان صاحب كتب الحكمة : قد كنت تأمرني أن لا أبعد عنك فاليوم لا أقدر على الدنو منك .

وقال آخر : هذا يوم عظيم أقبل من شره ما كان مدبرا ، وأدبر من خيره ما كان مقبلا ، فمن كان باكيا على من زال ملكه فليبك .

وقال آخر : يا عظيم السلطان اضمحل سلطانك كما اضمحل ظل السحاب ، وعفت آثار مملكتك كما عفت آثار الذباب .

وقال آخر : يا من ضاقت عليه الأرض طولا وعرضا ليت شعري كيف حالك بما احتوى عليك منها !

وقال آخر : اعجبوا ممن كان هذا سبيله كيف شهر نفسه بجمع الأموال الحطام البائد ، والهشيم النافذ . وقال آخر : أيها الجمع الحافل ، والملقى الفاضل لا ترغبوا فيما لا يدوم سروره ، وتنقطع لذته ، فقد بان لكم الصلاح ، والرشاد من الغي والفساد . وقال آخر انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى ، وظل الغمام كيف انجلى .

وقال آخر : يا من كان غضبه الموت هلا غضبت على الموت !

[ ص: 255 ] وقال آخر : قد رأيتم هذا الملك الماضي فليتعظ به هذا الملك الباقي .

وقال آخر : إن الذي كانت الآذان تنصت له قد سكت فليتكلم الآن كل ساكت .

وقال آخر : سيلحق بك من سره موتك كما لحقت بمن سرك موته .

وقال آخر : ما لك لا تقل عضوا من أعضائك وقد كنت تستقل بملك الأرض ! بل ما لك لا ترغب عن ضيق المكان الذي أنت فيه وقد كنت ترغب عن رحب البلاد !

وقال آخر : إن دنيا يكون هذا في آخرها فالزهد أولى أن يكون في أولها .

وقال صاحب مائدته : قد فرشت النمارق ، ونضدت النضائد ، ولا أرى عميد القوم . وقال صاحب بيت ماله : قد كنت تأمرني بالادخار فإلى من أدفع ذخائرك ؟

وقال آخر : هذه الدنيا الطويلة العريضة قد طويت منها سبعة أشبار ولو كنت بذلك موقنا لم تحمل على نفسك في الطلب .

وقالت زوجته روشنك : ما كنت أحسب أن غالب دارا يغلب ، فإن الكلام الذي سمعت منكم فيه شماتة ، فقد خلف الكأس الذي شرب منه ليشربه الجماعة . وقالت أمه حين بلغها موته : لئن فقدت من ابني أمره لم يفقد من قلبي ذكره .

فهذا كلام الحكماء فيه مواعظ وحكم حسنة فلهذا أثبتها .

ومن حيل الإسكندر في حروبه أنه لما حارب دارا خرج إلى بين الصفين وأمر مناديا فنادى : يا معشر الفرس ، قد علمتم ما كتبتم إلينا وما كتبنا إليكم من الأمان ، فمن كان منكم على الوفاء فليعتزل فإنه يرى منا الوفاء . فاتهمت الفرس بعضها بعضا واضطربوا .

ومن حيله أنه تلقاه ملك الهند بالفيلة ، فنفرت خيل أصحابه عنها ، فعاد عنه وأمر باتخاذ فيلة من نحاس وألبسها السلاح وجعلها مع الخيل حتى ألفتها ، ثم عاد [ ص: 256 ] إلى الهند ، فخرج إليه ملك الهند ، فأمر الإسكندر بتلك الفيلة فملئت بطونها من النفط والكبريت ، وجرت على العجل في وسط المعركة ومعها جمع من أصحابه ، فلما نشبت الحرب أمر بإشعال النار في تلك الفيلة ، فلما حميت انكشف أصحابه عنها وغشيتها فيلة الهند ، فضربتها بخراطيمها فاحترقت وولت هاربة راجعة إلى الهند ، فانهزموا بين يديها .

ومن حيله أنه أنزل على مدينة حصينة وكان بها كثير من الأقوات وبها عيون ماء ، فعاد عنها فأرسل إليها قوما على هيئة التجار ومعهم أمتعة يبيعونها وأمرهم بمشترى الطعام والمغالات في ثمنها ، فإذا صار عندهم أحرقوه وهربوا ، ففعلوا ذلك وهربوا إليه فأنفذ السرايا إلى سواد تلك المدينة وأمرهم بالغارة مرة بعد أخرى ، فهربوا ودخلوا البلد ليحتموا به ، فسار الإسكندر إليهم ، فلم يمتنعوا عليه .

وكتب إلى أرسطا طاليس يذكر له أنه من خاصة الروم جماعة لهم همم بعيدة ونفوس كبيرة وشجاعة ، وأنه يخافهم على نفسه ويكره قتلهم بالظنة . فكتب إليه أرسطا طاليس : فهمت كتابك ، فإن ما ذكرت من بعد هممهم فإن الوفاء من بعد الهمة وكبر النفس ، والغدر من دناءة النفس وخستها ، وأما شجاعتهم ونقص عقولهم ، فمن كانت هذه حاله فرفهه في معيشته واخصصه بحسان النساء ، فإن رفاهية العيش تميت الشجاعة ، وتحبب السلامة ، وإياك والقتل فإنه ذلة لا تستقال وذنب لا يغفر ، وعاقب بدون القتل تكن قادرا على العفو ، فما أحسن العفو من القادر ، وليحسن خلقك تخلص لك النيات بالمحبة ، ولا تؤثر نفسك على أصحابك ، فليس مع الاستئثار محبة ، ولا مع المؤاساة بغضة .

وكتب إلى أرسطا طاليس أيضا لما ملك بلاد فارس يذكر أنه رأى بإيران شهر رجالا ذوي رأي ، وصرامة ، وشجاعة ، وجمال ، وأنساب رفيعة ، وأنه إنما ملكهم بالحظ [ ص: 257 ] والإنفاق ، وأنه لا يأمن - إن سافر عنهم فأفرغهم - وثوبهم وأنه لا يكفى شرهم ببوارهم . فكتب إليه : قد فهمت كتابك في رجال فارس ، فأما قتلهم فهو من الفساد والبغي الذي لا يؤمن عاقبته ، ولو قتلتهم لأنبت أهل البلد أمثالهم وصار جميع أهل البلد أعداءك بالطبع وأعداء عقبك لأنك تكون قد وترتهم بغير حرب ، وأما إخراجك إياهم من عسكرك فمخاطرة بنفسك وأصحابك ، ولكني أشير عليك برأي هو أبلغ من القتل ، وهو أن تستدعي منهم أولاد الملوك ومن يصلح للملك فتقلدهم البلدان وتجعل كل واحد منهم ملكا برأسه فتتفرق كلمتهم ويقع بأسهم بينهم ويجتمعون على الطاعة والمحبة لك ويرون أنفسهم صنيعتك . ففعل الإسكندر ذلك ، فهم ملوك الطوائف ، وقيل في ملوك الطوائف غير هذا السبب ، ونحن نذكره إن شاء الله .

التالي السابق


الخدمات العلمية