الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الأصل الثامن .

أن علمه قديم فلم يزل عالما بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته .

ومهما حدثت المخلوقات لم يحدث له علم بها ، بل حصلت مكشوفة له بالعلم الأزلي إذ لو خلق لنا علم به بقدوم زيد عند طلوع الشمس ودام ذلك العلم تقديرا حتى طلعت الشمس ، لكان قدوم زيد عند طلوع الشمس معلوما لنا بذلك العلم من غير تجدد علم آخر .

فهكذا ينبغي أن يفهم قدم علم الله تعالى .

التالي السابق


(الأصل الثامن أن علمه) تعالى (قديم) أزلي، لا ابتداء لوجوده، (فلم يزل) ولا يزال (عالما بذاته) المقدسة (وصفاته) المشرفة (وما يحدثه) ويوجده (من مخلوقاته) الكائنة في علمه، وهذا ضروري أيضا; فإنه تعالى لا يتصف بحادث; لأنه لو جاز اتصافه بالحوادث لجاز النقصان عليه، والنقصان عليه باطل ومحال إجماعا، بيان اللزوم أن ذلك الحادث إن كان من صفات الكمال كان الخلو عنه - مع جواز الاتصاف به - نقصا، وقد خلا عنه قبل حدوثه، وإن لم يكن [ ص: 153 ] من صفات الكمال امتنع اتصاف الواجب به; لأن كل ما يتصف به الواجب يكون كمالا، وأيضا لو اتصف بالحادث لكان قابلا له، ولو كان قابلا له لما خلا عنه، أو عن ضده، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، وضد الحادث حادث، وما لا يخلو عن الحادث حادث; لما مر .

وأيضا لو اتصف بالحادث لكان محلا للانفصال، وكل منفصل مفتقر إلى ما انفصل عنه، وكل مفتقر ليس بواجب الوجود، وقد فرض واجبا: هذا تخلف .

(ومهما حدثت المخلوقات) في أزمنة مختلفة (لم يحدث له علم بها، بل حصلت مكشوفة له بالعلم الأزلي) والأزلي لا ابتداء لوجوده، كما أنه تعالى كان عالما في الأزل بأنه سيخلق العالم، ثم لما خلقه فيما يزال كان عالما بأنه خلقه، والتجدد على المعلوم، لا على العلم، و (إذ) قد علمت ذلك فاعلم أن المحوج لتجدد العلم بتجدد المعلوم هو ذهاب العلم بالغفلة عنه، وعزوبه; فـ (لو) فرض عدم العزوب، بأن (خلق لنا علم بقدوم زيد عند طلوع الشمس) مثلا، (ودام ذلك العلم تقديرا) ، ولم يعزب، بل استمر بعينه (حتى طلعت الشمس، لكان قدوم زيد عند طلوع الشمس معلوما لنا بذلك العلم) ، أي: بعين ذلك العلم (من غير تجدد علم آخر) ، وعلم الله تعالى بالأشياء قديم، فاستحال لقدمه عزوبه; لأنه عدمه، وما ثبت قدمه استحال عدمه، (فهكذا ينبغي أن يفهم قدم علم الله تعالى) ، وهو ظاهر بأدنى تأمل، والله أعلم .




الخدمات العلمية