الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                                                      كشاف القناع عن متن الإقناع

                                                                                                                      البهوتي - منصور بن يونس البهوتي

                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                      ( وإذا وجب القطع ) لاجتماع شروطه السابقة ( قطعت يده اليمنى من مفصل الكف ) قال في المبدع بلا خلاف ومعناه في الشرح .

                                                                                                                      وفي قراءة ابن مسعود : " فاقطعوا أيمانهما " وروي عن أبي بكر وعمر : أنهما قالا : " إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع " ولا مخالف لهما في الصحابة ، ولأن البطش بها أقوى ، فكانت البداءة بها أردع ولأنها آلة السرقة غالبا فناسب عقوبته بإعدام آلتها ( وحسمت وجوبا وهو ) أي الحسم ( أن يغمس موضع القطع من مفصل الذراع في زيت مغلي ) لقوله صلى الله عليه وسلم في سارق : { اقطعوه واحسموه } .

                                                                                                                      قال ابن المنذر في إسناده مقال والحكمة في الحسم أن العضو إذا قطع فغمس في الزيت المغلي انسدت أفواه العروق فينقطع الدم إذ لو ترك [ ص: 147 ] بلا حسم لنزف الدم فأدى إلى موته ( فإن عاد ) فسرق ( قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب ) بترك عقبة لفعل عمر .

                                                                                                                      روي عن علي : أنه كان يقطع من شطر القدم من معقد الشراك ويترك له عقبا يمشي عليه ، والأصل في قطع الرجل في المرة الثانية ما روى أبو هريرة { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله } لأنه قول أبي بكر وعمر ولا مخالف لهما في الصحابة فكان كالإجماع ، وإنما قطعت الرجل اليسرى لقوله تعالى : { أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } وإذا ثبت ذلك في المحاربة ثبت في السرقة قياسا عليها ، ولأن قطع الرجل اليسرى أرفق به لأن المشي على الرجل اليمنى أسهل وأمكن ، ويبعد في العادة أن يتمكن من المشي على اليسرى فوجب قطع اليسرى لئلا تتعطل منه منفعة بلا ضرورة ( وحسمت وجوبا ) بغمسها في زيت مغلي لئلا ينزف الدم فيؤدي إلى موته .

                                                                                                                      ( وصفة القطع أن يجلس السارق ويضبط لئلا يتحرك ) فيجني على نفسه ( وتشد يده بحبل وتجر حتى يتبين مفصل الكف من مفصل الذراع ثم توضع بينهما سكين حادة ويدق فوقها بقوة لتقطع في مرة واحدة أو توضع السكين على المفصل وتمد مدة واحدة ) وكذا يفعل في قطع الرجل ( وإن علم قطعا أوحى من هذا قطع به ) لأن الغرض التسهيل عليه .

                                                                                                                      لحديث : { إن الله كتب الإحسان على كل شيء } ( ويسن تعليق يده في عنقه ) لما روى فضالة بن عبيد { أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق فقطعت يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه } رواه أبو داود وابن ماجه وفعله علي ( زاد جماعة ) منهم صاحب البلغة والرعايتين والحاوي ( ثلاثة أيام إن رآه الإمام ) أي أداه إليه اجتهاده لتتعظ به اللصوص ( ولا يقطع ) السارق ( في شدة حر ولا ) في شدة ( برد ولا مريض في مرضه ولا حامل حال حملها ، ولا بعد وضعها حتى ينقضي نفاسها ) لئلا يحيف ويتعدى إلى فوات النفس .

                                                                                                                      ( وإذا قطعت يده ثم سرق قبل اندمالها لم يقطع حتى يندمل القطع الأول ) خوفا من أن يفضي إلى هلاكه ( وكذا لو قطعت رجله قصاصا لم تقطع اليد في السرقة حتى تبرأ الرجل ) لما مر وأما قطاع الطريق فإن قطع اليد والرجل حد واحد بخلاف ما نحن فيه ( فإن عاد ) للسرقة ( ثالثا بعد قطع يده ورجله حرم قطعه ) رواه سعيد عن علي ، ولأن قطع الكل يفوت منفعة الجنس فلم [ ص: 148 ] يشرع كالقتل .

                                                                                                                      وروي أن عمر رجع إلى قول علي ( وحبس حتى يتوب ) كالمرة الخامسة وفي البلغة يعزر ويحبس حتى يتوب ( ولو سرق ويده اليمنى ) ذاهبة ( أو ) سرق و ( رجله اليسرى ذاهبة قطع الباقي منهما ) وتقطع رجله اليسرى في الصورة الأولى ، لأن اليمين لما خرجت عن كونها محلا للقطع انتقل القطع إلى ما يلي ذلك وهو الرجل اليسرى وتقطع يده اليمنى في الثانية لأنها الآلة ومحل النص ( وإن كان الذاهب يده اليسرى ورجله اليمنى لم يقطع لتعطيل منفعة الجنس وذهاب عضوين من شق واحد ولو كان الذاهب يديه أو يسراهما ) وسرق ( لم تقطع رجله اليسرى ) لذهاب عضوين من شق ( وإن كان الذاهب رجليه أو يمناهما ويداه صحيحتان قطعت يمنى يديه ) لأنها الآلة ومحل النص .

                                                                                                                      ( وإن سرق وله يمنى فذهبت في قصاص أو ) ذهبت ( بأكلة أو ) ذهبت ب ( تعد سقط القطع ) لتعذر استيفاء الحد لتلف محله كما لو مات من عليه القود ( وعلى العادي ) بقطع اليد ( الأدب فقط ) لافتياته على الإمام ولا ضمان عليه لأن قطعها مستحق أشبه قتل المرتد ( سواء قطعها بعد ثبوت السرقة والحكم بالقطع أو قبله إذا كان ) قطعه لها ( بعد السرقة لأنه قطع عضوا غير معصوم ) أشبه قتل الزاني المحصن ( ولو شهد عليه بالسرقة ) شاهدان ( فحبسه الحاكم لتعدل الشهود فقطعه قاطع ثم عدلوا فكذلك ) لا ضمان على قاطعه لما مر ( وإن لم يعدلوا ) أي الشهود ( وجب القصاص على القاطع ) لأنه قطع عضوا من معصوم مكافئ له لا حق له في قطعه ولا شبهة حق ( وإن ذهبت يده اليسرى ) وحدها ( أو ) ذهبت ( مع رجليه أو مع إحداهما فلا قطع ) لذهاب منفعة الجنس بقطع يمناه ( وإن ذهبت بعد سرقته رجلاه أو يمناهما قطع ) إن قطعت يده اليمنى لأنها الآلة ومحل النص ( ك ) ما تقطع مع ( ذهاب يسراهما ) أي يسرى رجليه ( نصا ومثلا ) من يد أو رجل .

                                                                                                                      ( ولو أمن تلفه بقطعها ) كمعدومة ( وما ذهب معظم نفعها ) من يد أو رجل ( كمعدومة ) لأنه لا يحصل إلا بواحدة منهما مقصود القطع والشلاء لا نفع فيها ولا جمال فتشبه كفا لا أصابع عليه ( لا ما ذهب منها خنصر أو بنصر أو أصبع سواهما ولو الإبهام ) فليست كمعدومة لبقاء معظم نفعها ( وإن وجب قطع يمناه فقطع القاطع يسراه بدلا عن يمينه أجزأت ، ولا تقطع يمناه ) لئلا تتعطل منفعة الجنس ، وتقطع يداه بسرقة واحدة و ( أما القاطع فإن كان قطعها من غير اختيار من السارق ، أو كان أخرجها السارق دهشة أو ظنا منه أنها تجزئ فقطعها القاطع [ ص: 149 ] عالما بأنها يسراه ، وإنها لا تجزئ فعليه القصاص ) لأنه قطع طرفا معصوما عمدا ، فأقيد به كما لو لم يجب قطع يمناه .

                                                                                                                      ( وإن لم يعلم ) القاطع ( أنها يسراه ، أو ظن أنها تجزئه فعليه ديتها ) لأن ما أوجب عمده القود أوجب خطؤه الدية كالقتل ( وإن كان السارق أخرجها اختيارا عالما بالأمرين ) أي بأنها اليسار وبأنها لا تجزئ ( فلا شيء على القاطع ) لإذن المقطوع فيه ( ولا تقطع يمنى السارق ) لذهاب منفعة الجنس جزم به في التصحيح والنظم وقدمه في المنتهى والوجه الثاني تقطع جزم به في الوجيز والتنقيح وهو ظاهر ما قدمه في الفروع ( ويجتمع القطع والضمان ) على السارق لأنهما حقان يجبان لمستحقين فجاز اجتماعهما كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك ( فيرد العين المسروقة إلى مالكها ) قال في المبدع بغير خلاف نعلمه إن كانت باقية ( وإن كانت تالفة وهي من المثليات فعليه مثلها وإلا ) تكن مثلية ( فقيمتها قطع أو لم يقطع موسرا كان أو معسرا ) .

                                                                                                                      وما روي عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعا : { إذا أقمتم الحد على السارق فلا غرم عليه } قال ابن عبد البر الحديث ليس بالقوي وقال ابن المنذر فيه سعيد بن إبراهيم وهو مجهول ولو سلم صحته فيحتمل أنه لا غرم عليه في أجرة القطع ( وإن فعل ) السارق ( في العين فعلا نقصها به كقطع الثوب ) المسروق ( ونحوه وجب رده ورد ) أرش ( نقصه ) كالمغصوب ( والزيت الذي يحسم به وأجرة القطع من مال السارق ) أما الزيت فلأنه يلزمه حفظ نفسه وهذا منه لأنه إذا لم يحسم لم يأمن على نفسه التلف فوجب لذلك .

                                                                                                                      وأما أجرة القطع فلأن القطع حق وجب عليه الخروج منه فكانت مؤنته عليه كسائر الحقوق وقيل يؤخذ ذلك من بيت المال لأنه من المصالح .

                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                      الخدمات العلمية