الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل السابع في معرفة اللحن والمقصود منه هنا وحكمه

[ ص: 53 ] الفصل السابع

في معرفة اللحن والمقصود منه هنا وحكمه

يرد اللحن في لغة العرب على عدة معان، والمقصود به هنا الخطأ والميل عن الصواب في القراءة، وينقسم إلى قسمين: جلي - أي ظاهر - وخفي - أي مستتر - ولكل منهما حد يخصه، وحقيقة يتميز بها عن الآخر.

فالجلي: هو خلل يطرأ على الألفاظ فيخل بعرف القراءة، سواء أخل بالمعنى أم لم يخل.

فالأول: كتغيير حركة بأخرى كضم التاء أو كسرها من نحو: أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين [الفاتحة: 7] و لم كتبت علينا القتال [النساء: 77] أو فتحها أو كسرها من نحو: ما قلت لهم [المائدة: 117] أو تحريك السواكن كتحريك الميم بالفتح من نحو: أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين [الفاتحة: 7] ولا حرمنا [الأنعام: 148] أو إبدال حرف بحرف كإبدال الطاء دالا أو تاء، وذلك بترك إطباقها واستعلائها نحو: يطبع [الأعراف: 101] إلى غير ذلك مما يغير المعنى.

والثاني: كرفع الهاء من قوله تعالى: الحمد لله [الفاتحة: 2] أو تحريك الدال بالضم من قوله تعالى: لم يلد ولم يولد [الإخلاص: 3] وسمي هذا اللحن جليا [ ص: 54 ] لأنه خلل ظاهر يشترك في معرفته علماء القراءة وغيرهم، وحكمه التحريم بالإجماع.

والخفي: هو خلل يطرأ على الألفاظ فيخل بالعرف دون المعنى.

وسمي خفيا لاختصاص معرفته بعلماء القراءة دون غيرهم وهو نوعان:

الأول: مثاله ترك الإدغام في موضعه، وكذلك الإظهار، والإقلاب، والإخفاء، وترقيق المفخم، وعكسه، وتخفيف المشدد كذلك، وقصر الممدود، ومد المقصور، والوقف بالحركة كاملة في غير الوقف بالروم، إلى غير ذلك مما هو مخالف لقواعد هذا الفن.

الثاني: وهو لا يعرفه إلا مهرة القراء وحذاقهم، ومثاله تكرير الراءات، وتطنين النونات، وتغليظ اللامات في غير محله، وترقيقها كذلك، وترعيد الصوت بالمد وبالغنة، وكذلك ترك الغنة أو الزيادة على مقدارها أو النقص عنه، وكذلك الزيادة في مقدار المد أو النقص عنه، إلى غير ذلك مما يخل باللفظ، ويذهب برونقه وحسن طلاوته.

والحكم في هذا اللحن بنوعيه التحريم أيضا، خلافا لما ذكره ملا علي القاري في شرحه على المقدمة الجزرية حيث قال في النوع الأول: "ولا شك أن هذا النوع مما ليس بفرض عين يترتب عليه العقاب الشديد، وإنما فيه خوف العقاب والتهديد" اهـ.

وقال في النوع الثاني: "ولا يتصور أن يكون فرض عين يترتب العقاب على فاعله؛ لما فيه من حرج عظيم".

قال في نهاية القول المفيد: وقال البركوي في شرحه على الدر اليتيم: "تحرم هذه التغييرات جميعها؛ لأنها وإن كانت لا تخل بالمعنى لكنها تخل باللفظ لفساد رونقه، وذهاب حسنه وطلاوته" اهـ بحروفه.

قلت: والصواب ما قاله [ ص: 55 ] البركوي عليه رحمه الله; لأن القارئ إذا قرأ بترك الإظهار والإدغام والقلب والإخفاء، وبترك المد في موضعه والقصر كذلك ... إلخ - فماذا بقي من أحكام التجويد؟! وكيف توصف التلاوة بعد ذلك بالصحة؟! إن ترك هذه الأحكام لا يتفق وقواعد التجويد المجمع عليها بين عامة المسملين، وقد تقدم إجماع الأمة على ذلك، والأمة كما هم متعبدون بإقامة حدود القرآن متعبدون كذلك بإقامة حروفه وتصحيح ألفاظه، وإقامة الحروف وتصحيحها لا يقومان إلا بتطبيق أحكام التجويد كاملة من إظهار المظهر وإدغام المدغم ... إلخ.

انظر إلى قول الحافظ ابن الجزري في النشر: "ولا شك أن هذه الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده متعبدون بتصحيح ألفاظه، وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة، المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية، التي لا تجوز مخالفتها، ولا العدول عنها إلى غيرها" اهـ منه بلفظه.

قلت: ويؤخذ من عبارة الحافظ ابن الجزري هذه أنه لا بد من الأخذ بجميع أحكام التجويد كاملة حال أداء القرآن، ولا يجوز العدول عنها إلى غيرها؛ لأنه وصف إقامة الحروف وتصحيحها بالصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية، ولم نسمع بل ولم يوجد نص يدل دلالة واضحة أو غير واضحة على أن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت بترك الإظهار أو الإدغام ... إلخ ما تقدم، بل دلت النصوص والأدلة على أنها كانت قراءة محكمة مجودة كما علمها إياه جبريل - عليه السلام - على هذه الكيفية المعروفة، ثم تلقاها عنه - صلى الله عليه وسلم - الصحابة - رضوان الله عليهم - ثم من بعدهم التابعون، ثم أتباعهم، ثم أئمة القراءة، ثم من بعدهم أمم وخلائق لا يحصون عددا في جميع الأعصار والأمصار، إلى أن وصل إلينا بهذه الصفة بطريق التواتر، الذي يستفاد منه القطع واليقين، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز لأحد كائنا من كان أن يحيد عن هذه الصفة قيد أنملة، فمن تركها وتحول إلى غيرها أو رغب عنها فهو معتد أثيم، مستحق للعقاب لتركه واجبا شرعيا، ويحضرني الآن فتوى لشيخ الإسلام في وقته العلامة المحقق شيخ شيوخنا الشيخ [ ص: 56 ] ناصر الدين الطبلاوي ؛ حيث وجه إليه سؤال في هذا الشأن، وأجاب عليه - رحمه الله - وإليك نص السؤال والإجابة عليه كما أوردهما صاحب نهاية القول المفيد:

"هل يجب إدغام النون الساكنة والتنوين في حروف الإدغام، وإظهارهما عند حروف الإظهار، وإخفاؤهما عند حروف الإخفاء، وقلبهما عند حرف الإقلاب أم لا؟ وإذا كان واجبا فهل يجب على مؤدب الأطفال تعليمهم ذلك؟ وهل المد اللازم والمتصل كذلك؟ وإذا قلتم بالوجوب في جميع ذلك فهل هو شرعي يثاب فاعله ويأثم تاركه ويكون تركه لحنا؟ أو صناعي فلا ثواب لفاعله ولا إثم على تاركه ولا يكون تركه لحنا؟ وماذا يترتب على تارك ذلك؟ وإذا أنكر شخص وجوبه فهل هو مصيب أو مخطئ؟ وماذا يترتب عليه في إنكار ذلك؟ أفتونا أثابكم الله.

فأجاب بقوله: الحمد لله الهادي للصواب، نقول بالوجوب في جميع ذلك من أحكام النون الساكنة والتنوين، والمد اللازم والمتصل، ولم يرد عن أحد من الأئمة أنه خالف فيه، وإنما تفاوتت مراتبهم في المد المتصل مع اتفاقهم على أنه لا يجوز قصره كقصر المنفصل في وجه من الوجوه، وقد أجمع الفقهاء والأصوليون على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ مع وروده في الجملة، فما بالك بقراءة ما لم يرد أصلا؟! وقد نص الفقهاء على أنه إذا ترك شدة من الفاتحة كشدة الرحمن منها، بأن جزم اللام، وأتى بها ظاهرة فلا تصح صلاته، ويلزم من عدم الصحة التحريم؛ لأن كل ما أبطل الصلاة حرم تعاطيه ولا عكس.

وقد قال ابن الجزري في التمهيد: ما قرئ به وكان متواترا فجائز وإن اختلف لفظه، وما كان شاذا فحرام تعاطيه، وما خالف ذلك فكذلك، ويكفر متعمده.

فإذا تقرر ذلك فترك ما ذكر ممتنع بالشرع، وليس للقياس فيه مدخل، بل محض اتباع، وقد قال العلامة ابن الجزري:

والأخذ بالتجويد حتم "لازم" من لم يجود القرآن آثم

فيجب على كل عاقل له ديانة أن يتلقاها بالقبول عن الأئمة المعتبرين، ويرجع إليهم في كيفية أدائه؛ لأن كل فن يؤخذ عن أهله، فاعتن به، ولا تأخذ بالظن، ولا تنقله عن غير أهله، ويجب على المعلم للقرآن من فقيه الأولاد وغيره أن يعلم تلك الأحكام وغيرها مما أجمع القراء على تلقيه بالقبول؛ لأن كل ما أجمع عليه القراء حرمت مخالفته.

ومن أنكر ذلك أي: مما تقدم كله فهو مخطئ آثم، يجب [ ص: 57 ] عليه الرجوع عن هذا الاعتقاد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، انتهى بحروفه.

"قلت": ومما يجدر ذكره في هذا المقام أيضا ما كان من أمر سيدنا عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - حينما كان يقرئ رجلا قول الله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين [التوبة: 60] الآية، فلم يمد الرجل لفظ الفقراء، فأوقفه ابن مسعود عن القراءة وقال له ما معناه: ما هكذا أقرأنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له الرجل: كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن ؟ فقال: أقرأنيها إنما الصدقات للفقراء والمساكين [التوبة: 60] فمدها.

فإذا تأملنا هذا الحديث وألقينا عليه نظرة فاحصة عابرة نجد أن ابن مسعود - وهو الصحابي الجليل - لم يسمح للرجل في عدم مد لفظ الفقراء، وهذا شيء لا يغير المعنى، وأوقفه عن القراءة، ثم عاد وقرأ لفظ الفقراء ممدودا، وما ذاك إلا لأن ابن مسعود - رضي الله عنه - قرأ هذا اللفظ ممدودا على سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما علم من الحديث، فما بالك بالقراءة التي فيها ترك الإظهار والإدغام والإخفاء ... إلى آخر ما تقدم؟! فهذا شيء لا يصح فعله بحال.

هذا، وما ذكرنا من أدلة على تحريم اللحن الخفي بنوعيه هو الصواب، وإن لم يكن من أدلته إلا ما جاء عن سيدنا عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - لكفى، ولا التفات إلى ما ذكره العلامة ملا علي القاري في شرحه على المقدمة الجزرية ومن حذا حذوه، وبالله التوفيق.

اللهم سامحنا، وتجاوز عن تقصيرنا، وألهمنا رشدنا، وارزقنا تلاوة كتابك على النحو الصحيح الذي يرضيك وترضى به عنا يا ذا الجلال والإكرام.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد ، النبي العربي الأمي، وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلى سائر النبيين والمرسلين وآلهم، والحمد لله رب العالمين.

[ ص: 58 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث