الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل فيما إذا انبنت على يد الغاصب يد أخرى

جزء التالي صفحة
السابق

فصل

فيما إذا انبنت على يد الغاصب يد أخرى

قد سبق معظم مسائله في كتاب الرهن ، وحاصله : أن كل يد ترتبت على يد الغاصب ، فهي يد ضمان ، فيتخير المالك عند التلف بين مطالبة الغاصب ومن ترتبت يده على يده ، سواء علم المغصوب أم لا ، لأنه أثبت يده على مال غيره بغير إذنه ، فالجهل ليس مسقطا للضمان . ثم الثاني ، إن علم الغصب ، فهو غاصب من الغاصب ، فيطالب بكل ما يطالب به الغاصب ، وإن تلف المغصوب في يده ، فقرار الضمان عليه . فإذا غرم ، لا يرجع على الأول ، وإذا غرم الأول رجع عليه ، هذا إذا لم تختلف قيمته في يدهما ، أو كانت في يد الثاني أكثر ، فلو كانت في يد الأول أكثر ، لم يطالب بالزيادة إلا الأول ، وتستقر عليه . أما إذا جهل الثاني الغصب ، فإن كانت اليد في وضعها يد ضمان كالعارية ، استقر الضمان على الثاني . وإن كانت يد أمانة كالوديعة استقر على الغاصب على المذهب . وفي وجه : يستقر على المودع وفي وجه : لا يطالب المودع أصلا ، وقد سبق بيان هذا الفصل في أواخر الباب الثالث من كتاب الرهن بزيادة على هذا ، والقرض معدود من أيدي الضمان . ولو وهب المغصوب ، فهل القرار على الغاصب لأنها ليست يد ضمان ، أم على المتهب لأنه أخذه للتملك ؟ قولان . أظهرهما : الثاني . [ ص: 10 ]

ولو زوج المغصوبة فتلفت عند الزوج ، فالمذهب : أنه لا يطالب الزوج بقيمتها قطعا . وقيل : كالمودع .

فرع

إذا أتلف القابض من الغاصب ، نظر ، إن استقل بالإتلاف فقرار الضمان عليه . وإن حمله الغاصب عليه بأن غصب طعاما فقدمه إليه ضيافة فأكله فالقرار على الأكل إن كان عالما ، وكذا إن كان جاهلا على الأظهر المشهور في الجديد . فعلى هذا ، إن ضمنه ، لم يرجع على الغاصب ، وإن ضمن الغاصب رجع عليه . وعلى القول الآخر بالعكس ، هذا إذا قدمه إليه وسكت . فإن قال : هو ملكي ، فإن ضمن الأكل ففي رجوعه على الغاصب القولان . وإن ضمن الغاصب فالمذهب : أنه لا يرجع قطعا ، لأنه معترف بأنه مظلوم ، فلا يرجع على غير ظالمه . وقال المزني : يرجع عليه ، وغلطه الأصحاب . ولو وهب المغصوب فأتلفه المتهب ، فالقولان ، وأولى بالاستقرار على المتهب .

فرع

لو قدم الطعام المغصوب إلى عبد إنسان فأكله ، فإن جعلنا القرار على الحر الآكل ، فهذه جناية من العبد يباع فيها ، وإلا فلا يباع ، وإنما يطالب الغاصب كما لو قدم شعيرا مغصوبا إلى بهيمة بغير إذن مالكها .

فرع

غصب شاة وأمر قصابا بذبحها جاهلا بالحال ، فقرار ضمان النقص على الغاصب ، [ ص: 11 ] ولا يخرج على القولين في آكل الطعام ، لأنه ذبح الغاصب ، وهناك انتفع بأكله .

فرع

لو أمر الغاصب رجلا بإتلاف المغصوب بالقتل والإحراق ونحوهما ، ففعله جاهلا بالغصب ، فالمذهب : القطع بالاستقرار على المتلف ، لأنه حرام ، بخلاف الآكل ، ولا أثر للتغرير مع التحريم ، وقيل على القولين .

فرع

قدم المغصوب إلى مالكه ، فأكله جاهلا بالحال ، فإن قلنا في التقديم إلى الأجنبي : القرار على الغاصب ، لم يبرأ من الضمان . وإلا فيبرأ ، وربما نصر العراقيون الأول . ونقل الإمام عن الأصحاب أن البراءة هنا أولى من الاستقرار على الآكل . ولو أودعه للمالك ، أو رهنه عنده ، أو أجره إياه جاهلا بالحال ، فتلف عنده ، لم يبرأ من الضمان على المذهب ، وقيل بالقولين . ولو باعه للمالك ، أو أقرضه ، أو أعاره فتلفت عنده ، برئ الغاصب . ولو دخل المالك دار الغاصب ، فأكل طعاما يظنه للغاصب فكان هو المغصوب ، برئ الغاصب ، ولو صال العبد المغصوب على مالكه فقتله المالك للدفع ، لم يبرأ الغاصب ، سواء علم أنه عبده أم لا ، لأن الإتلاف بهذه الجهة كإتلاف العبد نفسه ، ولهذا لو كان العبد لغيره لم يضمنه . وفي وجه : يبرأ عند العلم ، لإتلافه مال نفسه لمصلحته ، وهو ضعيف .

فرع

زوج المغصوبة بمالكها جاهلا ، فتلفت عنده ، فهو كما لو أودعها عنده فتلفت ، [ ص: 12 ] فلو استولدها ، نفذ الاستيلاد وبرئ الغاصب على المذهب . ولو قال الغاصب للمالك : أعتق هذا ، فأعتقه جاهلا ، نفذ العتق على الأصح ، لأنه لا يبطل بالجهل ، فعلى هذا يبرأ الغاصب على الأصح ، لعود مصلحة العتق إليه . وعلى الثاني : لا يبرأ ، فيطالبه بقيمته . ولو قال : أعتقه عني ، ففعل جاهلا ، ففي نفوذ العتق وجهان ، إن نفذ ففي وقوعه عن الغاصب وجهان . الصحيح : المنع . ولو قال المالك للغاصب : أعتقه عني ، أو مطلقا فأعتقه ، عتق وبرئ الغاصب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث