الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الأصل العاشر :

أنه لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة وكان في صرفه إثارة فتنة لا تطاق حكمنا بانعقاد إمامته لأنا بين أن نحرك فتنة بالاستبدال فما يلقى المسلمون فيه من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة فلا يهدم أصل المصلحة شغفا بمزاياها كالذي يبني قصرا ويهدم مصرا وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام وبفساد الأقضية وذلك محال .

ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم لمسيس حاجتهم فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة ؟! فهذه الأركان الأربعة الحاوية للأصول الأربعين هي قواعد العقائد فمن اعتقدها كان موافقا لأهل السنة ومباينا لرهط البدعة .

فالله تعالى يسددنا بتوفيقه ويهدينا إلى الحق وتحقيقه بمنه وسعة جوده وفضله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وكل عبد مصطفى .

التالي السابق


(الأصل العاشر: أنه لو تعذر وجود الورع) أي: العدالة (والعلم) أي: [ ص: 233 ] الاجتهاد في الأصول والفروع (فيمن يتصدى للإمامة) بأن يغلب عليها جاهل بالأحكام أو فاسق (وكان في صرفه) عنها (إثارة فتنة) وترتب مفسدة (لا تطاق) أي: لا يطاق دفعها (حكمنا) حينئذ (بانعقاد إمامته) ، كما قدمنا في الأصل الذي قبله; (لأنا) لا نخلو (بين أن نحرك فتنة بالاستبدال) بغيره (فما يلقى فيه) أي: في هذا الاستبدال (من الضرر) والتعب (يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط) من العلم والعدالة (التي أثبتت لمزية) ، وفي بعض النسخ لمزيد (المصلحة) الشرعية (فلا يهدم أصل المصلحة شغفا بمزاياها) فيكون (كالذي يبني قصرا) ويتقن في بنائه (ويهدم مصرا) أي: مدينة، وبين "قصر"، و"مصر"، جناس (وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام وبفساد الأقضية) أي: الأحكام الشرعية (وذلك محال) ; لأنه يؤدي إلى محال (ونحن نقضي) أي: نحكم (بنفوذ قضاء أهل البغي) ، وفي المسايرة: قضايا أهل البغي، أي: أقضية قضاتهم (في بلادهم) التي غلبوا عليها (لمسيس حاجتهم) إلى تنفيذها (فكيف لا نقضي بصحة الإمامة) مع فقد الشروط (عند الحاجة والضرورة؟!) أي: الضرر القائم بتقدير عدم الإمامة بألا نحكم بالانعقاد; فيبقى الناس فوضى لا إمام لهم، وتكون أقضيتهم فاسدة بناء على عدم صحة تولية القضاء، وإذا تغلب آخر فاقد الشروط على ذلك المتغلب أولا وقعد مكانه قهرا انعزل الأول، وصار الثاني إماما. وفي شرح الحاجبية: إذا مات الإمام وتصدى للإمامة كامل الشروط من غير بيعة، ولا استخلاف، وقهر الناس بشوكة، انعقدت له الإمامة، وأما إن كان فاسقا أو جاهلا وفعل ذلك فهل تنعقد له أم لا؟ اختلف في ذلك على قولين، قال السعد: والأظهر عندي أنه ينعقد; دفعا لفساده، إلا أنه يعصى بما فعل .



(تنبيه)

تجب طاعة الإمام عادلا كان أو جائرا، لقوله تعالى: وأولي الأمر منكم ، ما لم يخالف حكم الشرع، لما أخرج مسلم: "من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، مات ميتة جاهلية". وله أيضا: "من ولي عليه فرآه يأتي شيئا من معصية الله تعالى فليكره ما يأتيه من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعته". وللشيخين: "من كره من أميره شيئا فليصبر; فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية". وأما إذا خالف أحكام الشرع فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما في البخاري والسنن الأربعة: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".



(خاتمة) *

لا يجوز خلع الإمام بلا سبب، ولو خلعوه لامتنع تقدم غيره، والسبب المتفق عليه: الجنون المطبق، والعمى، والصمم، والخرس، والمرض الذي ينسيه العلوم، والردة، وصيرورته أسيرا لا يرجى خلاصه، وبالجملة كل ما يحصل معه فقد الإمامة، وأما الفسق فقد اختلف فيه على قولين: فالذي عليه الجمهور أنه لا يعزل به; لأن ذلك قد تنشأ عنه فتنة هي أعظم من فسقه، وذهب الشافعي في القديم إلى أنه ينعزل، وعليه اقتصر الماوردي في الأحكام السلطانية، وقال إمام الحرمين: إذا جار في وقت، وظهر ظلمه وغشه، ولم ينزجر عن سوء صنعه بالقول، فلأهل الحل والعقد التواطؤ على رفعه وعزله، ولو شهر السلاح ونصب الحروب، وأما إن عزل نفسه بنفسه فإن كان للعجز عن القيام بالأمر انعزل، وإلا فلا .

(فهذه الأركان الأربعة الحاوية) أي: الجامعة (للأصول الأربعين) من ضرب أربعة في عشرة (هي قواعد العقائد) الدينية، ولذلك سمى المصنف كتابه الأربعين في عقائد أهل الدين; نظرا إلى ذلك، وكذلك الفخر الرازي له كتاب الأربعين، وهذا غير اصطلاح المحدثين، فإنهم يريدون به أربعين حديثا، كما هو ظاهر (فمن اعتقدها) أي: عقد ضميره على فعلها وتلقيها بالقبول (كان موافقا لأهل السنة) والجماعة، معدودا في حزبهم (ومباينا) أي: مفارقا (لرهط البدعة) والضلالة (والله تعالى يسددنا بتوفيقه ويهدينا) أي: يرشدنا (إلى) اتباع (الحق) الصريح الموافق للكتاب والسنة (وتحقيقه) بالدلائل الواضحة (بمنه) وكرمه (وسعة جوده) وفضله (وصلى الله على سيدنا محمد) وآله وصحبه (وعلى كل عبد مصطفى) لله من وارثي أحواله، وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين .




الخدمات العلمية