الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل احتج بعض المبطلين في جواز السجود لغير الله

فصل

احتج بعض المبطلين في جواز السجود لغير الله من الملوك والشيوخ والوالدين بثلاث حجج :

أحدها : أنه سجود تحية وذلة ومسكنة ، لا سجود عبادة ، ولهذا يسمونه تقبيل الأرض ، فإن ذلك يشترط له شروط الصلاة .

الثاني : أنه وإن كان في الصورة سجودا للبشر فهو في المعنى سجود لله الذي خلقه وأحياه وأقامه ، كما قد قيل في قوله : والشمس وضحاها [الشمس :1] : إنه قسم برب الشمس . وهو بمنزلة السجود إلى الكعبة .

الثالث : أن العبد فقير يحتاج إلى الله ، والكائنات قائمة بالله ، أو هي الله على زعم هذا المبطل ، فإنه من الاتحادية القائلين بوحدة الوجود ، فينبغي له أن يخضع لكل شيء مستعينا به مستمدا منه .

فانظر إلى هؤلاء الكفار الضالين ، بينما أحدهم يزعم أنه هو الله وأنه ما ثم غيره ، ويصعد فوق الأنبياء والصديقين ، إذ جعل يخضع لكل موجود من الكفار والمنافقين والكلاب والخنازير وغير ذلك إذا صحح دليله وطرد علته ، وإلا بطلت ، وتمسك بسجود الملائكة لآدم ويعقوب وبنيه [ ص: 25 ] ليوسف ، وزعم على زندقته أن الملائكة هي القوى الروحانية ، وإبليس والشياطين هي الأحكام الطبيعية ، والإنسان هو الجامع الذي سجدت له القوى جميعها .

وبطلان هذا الكلام ظاهر ، بل كفر صاحبه ظاهر ، فإن نصوص السنة وإجماع الأمة تحرم السجود لغير الله في شريعتنا تحية أو عبادة ، كنهيه لمعاذ بن جبل أن يسجد لما قدم من الشام وسجد له سجود تحية ، وأخبر بها عن رؤساء النصارى ، وقوله : «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها » . بل قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام أصحابه في الصلاة خلفه ، وقال : «لا تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضها بعضا » ، رواه مسلم . ونهى عن الانحناء وقت التحية ؛ لأنه ركوع ، وهو دون السجود . [ ص: 26 ]

وأما تفريقه بينه وبين سجود الصلاة فلا يفيده ، لأن الجنس المأمور به يشترط له شروط ، وأما المنهي عنه فينهى عنه بكل حال ، فإن عبادة الله وطاعته تفعل على وجه . . . ألا ترى أنه يحرم السجود للشمس والقمر والطواغيت إلى الكعبة وغيرها بوضوء وغير وضوء ؛ لأن النهي يعم كل ما يسمى سجودا . ثم السجود الواجب لله يشترط له شروط يكون بها أخص ، بل العبادة الواجبة لله يشترط لها شروط شرعية ، والعبادة لغيره محرمة على كل حال .

وهذا باب واسع ، فإن الجنس المنقسم إلى مأمور به ومنهي عنه يختص المأمور به بقيود وشروط ، ويعم المنهي عنه كل ما دخل في اللفظ أو المعنى . ولهذا اعتبرنا ذلك في كتاب الأيمان أيضا ، ففرقنا بين الفعل إذا حلف ليفعلنه أو إذا حلف لا يفعله .

وأما الثاني والثالث فهذيان ، بل كفر صريح مخالف للعقل والدين . وقصة آدم ويعقوب منسوخ بشرعنا ، وتفسير الملائكة والشياطين بما ذكر قرمطة وزندقة معروفة من الفلاسفة . [ ص: 27 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث