الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            31- القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق

            بسم الله الرحمن الرحيم

            الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى .

            مسألة : في شخص يدعي فقها ، يقول : إن توحيد الله متوقف على معرفة علم المنطق ، وإن علم المنطق فرض عين على كل مسلم ، وإن لمتعلمه بكل حرف منه عشر حسنات ، ولا يصح توحيد من لا يعلمه ، ومن أفتى وهو لا يعلمه فما يفتي به باطل ، وقال : إن الحشيشة كل من استعملها كفر ، وقال : إن المجتهد يحل الحرام ويحرم الحلال ، وقال : إن أبا حامد الغزالي ليس بفقيه ، وإنما كان زاهدا فماذا يجب عليه في ذلك ؟ .

            الجواب : فن المنطق فن خبيث مذموم ، يحرم الاشتغال به ، مبني بعض ما فيه على القول بالهيولي الذي هو كفر ، يجر إلى الفلسفة والزندقة ، وليس له ثمرة دينية أصلا ، بل ولا دنيوية - نص على مجموع ما ذكرته أئمة الدين ، وعلماء الشريعة - فأول من نص على ذلك الإمام الشافعي - رضي الله عنه - ونص عليه من أصحابه إمام الحرمين ، والغزالي في آخر أمره ، وابن الصباغ - صاحب الشامل - وابن القشيري ، ونصر المقدسي ، والعماد بن يونس ، وحفده ، والسلفي ، وابن بندار ، وابن عساكر ، وابن الأثير ، وابن الصلاح ، وابن عبد السلام ، وأبو شامة ، والنووي ، وابن دقيق العيد ، والبرهان الجعبري ، وأبو حيان ، والشرف الدمياطي ، والذهبي ، والطيبي ، والملوي ، والأسنوي ، والأذرعي ، والولي العراقي ، والشرف بن المقري ، وأفتى به شيخنا قاضي القضاة شرف الدين المناوي ، ونص عليه من أئمة المالكية ابن أبي زيد - صاحب الرسالة - والقاضي أبو بكر بن العربي ، وأبو بكر الطرطوشي ، وأبو الوليد الباجي ، وأبو طالب المكي - صاحب قوت القلوب [ ص: 301 ] وأبو الحسن بن الحصار ، وأبو عامر بن الربيع ، وأبو الحسن بن حبيب ، وأبو حبيب المالقي ، وابن المنير ، وابن رشد ، وابن أبي جمرة ، وعامة أهل المغرب .

            ونص عليه من أئمة الحنفية أبو سعيد السيرافي ، والسراج القزويني ، وألف في ذمه كتابا - سماه : " نصيحة المسلم المشفق لمن ابتلي بحب علم المنطق " ونص عليه من أئمة الحنابلة ابن الجوزي ، وسعد الدين الحارثي ، والتقي ابن تيمية ، وألف في ذمه ونقض قواعده مجلدا كبيرا - سماه " نصيحة ذوي الأيمان في الرد على منطق اليونان " وقد اختصرته في نحو ثلث حجمه - وألفت في ذم المنطق - مجلدا سقت فيه نصوص الأئمة في ذلك ، وقول هذا الجاهل : إن المنطق فرض عين على كل مسلم ، يقال له : إن علم التفسير والحديث والفقه التي هي أشرف العلوم ليست فرض عين بالإجماع ، بل هي فرض كفاية ، فكيف يزيد المنطق عليها ؟ ! فقائل هذا الكلام : إما كافر ، أو مبتدع ، أو معتوه لا يعقل .

            وقوله : إن توحيد الله متوقف على معرفته من أكذب الكذب ، وأبلغ الافتراء ، ويلزم عليه تكفير غالب المسلمين المقطوع بإسلامهم ، ولو أن المنطق في نفسه حق لا ضرر فيه لم ينفع في التوحيد أصلا ، ولا يظن أنه ينفع فيه إلا من هو جاهل بالمنطق لا يعرفه ؛ لأن المنطق إنما براهينه على الكليات ، والكليات لا وجود لها في الخارج ، ولا تدل على جزئي أصلا ، هكذا قرره المحققون العارفون بالمنطق ، فهذا الكلام الذي قاله هذا القائل استدللنا به على أنه لا يعرف المنطق ، ولا يحسنه ، فيلزم بمقتضى قوله أنه مشرك ؛ لأنه قال : إن التوحيد متوقف على معرفته وهو لم يعرفه بعد . فإن قال : أردت بذلك أن إيمان المقلد لا يصح ، وإنما يصح إيمان المستدل قلنا : لم يريدوا بالمستدل على قواعد المنطق ، بل أرادوا مطلق الاستدلال ، الذي هو في طبع كل أحد حتى في طبع العجائز ، والأعراب ، والصبيان ، كالاستدلال بالنجوم على أن لها خالقا ، وبالسماء ، والأنهار ، والثمار ، وغيرها ، وهذا لا يحتاج إلى منطق ولا غيره ، والعوام والأجلاف كلهم مؤمنون بهذا الطريق .

            وقوله : إن للمتكلم بكل حرف منه عشر حسنات هذا شيء لا نعرفه إلا للقرآن ، الذي هو كلام الله جل جلاله ، فإن أراد هذا الجاهل أن يلحق المنطق - الذي هو من وضع الكفار - بكلام رب العالمين فقد ضل ضلالا بعيدا ، وخسر خسرانا مبينا ، والعجب من حكمه على الله بالباطل ، والإخبار بمقادير الثواب لا يتلقى إلا من صاحب النبوة عليه الصلاة والسلام .

            وقوله : إن من لا يعلم المنطق ففتواه لا تصح يلزم عليه أن الصحابة [ ص: 302 ] والتابعين [ وأتباع التابعين ] لم تصح فتواهم ، فإن المنطق إنما دخل بلاد الإسلام في حدود سنة ثمانين ومائة من الهجرة ، فمضى في الإسلام هذه المدة ، ولا وجود للمنطق فيه ، وقد كان في هذه المدة غالب المجتهدين من الأئمة المرجوع إليهم في أمر الدين ، أفيظن عاقل مثل هذا الظن ؟ وقد نص الشافعي - رضي الله عنه - نفسه على ذم الاشتغال بالمنطق ، أفيقول هذا الجاهل هذه المقالة في مثل الشافعي - رضي الله عنه - ؟ ومن سميناهم من أئمة المذاهب الأربعة الذين دونوا الفقه ، وأضحوا سبل الفتاوى وهم عصمة الدين .

            وقول هذا الجاهل : إن الغزالي ليس بفقيه يستحق عليه أن يضرب بالسياط ضربا شديدا ، ويحبس حبسا طويلا ؛ حتى لا يتجاسر جاهل أن يتكلم في حق أحد من أئمة الإسلام بكلمة تشعر بنقص ، وقوله هذه الكلمة : صادر عن جهل مفرط وقلة دين ، فهو من أجهل الجاهلين ، وأفسق الفاسقين ، ولقد كان الغزالي في عصره حجة الإسلام وسيد الفقهاء ، وله في الفقه المؤلفات الجليلة ، ومذهب الشافعي الآن مداره على كتبه ، فإنه نقح المذهب ، وحرره ، ولخصه في البسيط والوسيط والوجيز والخلاصة ، وكتب الشيخين إنما هي مأخوذة من كتبه .

            والحاصل أن هذا الرجل الذي صدرت عنه هذه المقالة رجل غلب عليه الجهل ، والحمق ، والفسق ، فالواجب على المحتاط لدينه أن يهجره في الله ، ويتخذه عدوا يبغضه فيه إلى أن تأتيه من الله قاصمة تلحقه بالغابرين .

            وقوله في الحشيشة : من استعملها كفر ، لا ينكر عليه إطلاق هذه المقالة ؛ لأن مثل هذا يجوز أن يقال في معرض الزجر والتغليظ ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " من ترك الصلاة فقد كفر " ، فيكون مؤولا على المستحل ، أو المراد كفر النعمة لا كفر الملة ، فإن أراد حقيقة الكفر من غير تأويل فباطل ؛ لأن مذهب أهل السنة أن لا يكفر أحد بذنب ، والعالم إذا أفتى بمثل هذه العبارة إنما يطلقها متأولا على ما ذكرنا ، والمجتهد لا يحلل حراما ، ولا يحرم حلالا ، فالتحليل والتحريم لله وحده لا شريك له ، بل ولا يحدث قولا من عنده ، إنما وظيفته أن ينظر في أقوال من تقدمه ، ويختار ما قام الدليل عنده على رجحانه .

            التالي السابق


            الخدمات العلمية