الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أبو تراب النخشبي

462 - أبو تراب النخشبي

ومنهم أبو تراب النخشبي ، كان أحد أعلام المتوكلين وإمام المتجردين تأدب بحاتم الأصم وعلي الرازي المذبوح ، له الرياضات المشهورة ، والسياحات المذكورة ، دخل أصبهان وسمع من عبد الله بن محمد بن زكريا ، ومحمد بن عبد الله بن مصعب ، وصحبه جدي محمد بن يوسف بمكة وبالحجاز مدة مديدة ، وكذلك صحبه أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل بالبادية .

حدثنا أبو محمد بن حيان قال : سمعت عبد الرزاق ابني يحكي عن أبي عبد الله محمد بن أحمد الكسائي المقري قال : " كنت جالسا عند ابن أبي عاصم وعنده قوم فقال له رجل : أيها العاصي ، بلغنا أن ثلاثة نفر كانوا بالبادية يقلبون الرمل فقال أحدهم : اللهم إنك قادر على أن تطعمنا خبيصا على لون هذا الرمل ، فإذا هم بأعرابي بيده طبق فسلم عليهم ووضع بين أيديهم طبقا عليه خبيص حار فقال ابن أبي عاصم : قد كان ذاك ، قال أبو عبد الله : وكان الثلاثة : عثمان بن صخر الزاهد أستاذ أبي تراب ، وأبو تراب ، وأحمد بن عمرو بن أبي عاصم وكان هو الذي دعا " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ، ثنا أبو [ ص: 46 ] تراب قال : قال حاتم ، عن شقيق " لو أن رجلا عاش مائتي سنة لا يعرف هذه الأربعة أشياء لم ينج من النار إن شاء الله ، أحدها : معرفة الله ، والثاني : معرفة نفسه ، والثالث : معرفة أمر الله ونهيه ، والرابع : معرفة عدو الله وعدو نفسه ، وتفسير معرفة الله أن تعرف بقلبك أن لا معطي غيره ، ولا مانع غيره ولا نافع غيره ولا ضار غيره ، وأما معرفة النفس : فأن تعرف نفسك أنك لا تضر ولا تنفع ، ولا تستطيع شيئا من الأشياء ، وخلاف النفس أن تكون متضرعا إليه ، وأما معرفة أمر الله ونهيه : فأن تعلم أمر الله عليك ، وأن رزقك على الله ، وأن تكون واثقا بالرزق مخلصا في العمل ، وعلامة الإخلاص ألا يكون فيك خصلتان : الطمع والثناء ، وأما معرفة عدو الله فأن تعلم أن عدوا لك لا يقبل الله منك شيئا إلا بمحاربته ، والمحاربة في القلب أن يكون محاربا مجاهدا نافيا للعدو " .

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا عبد الله بن محمد قال : قال أبو تراب : سمعت محمد بن شقيق بن إبراهيم ، وحاتما الأصم يقولان : " كان لشقيق وصيتان إذا جاء رجل يوصيه بالعربية ويقول : توحد الله بقلبك ولسانك وسعيك ، وأن تكون بالله أوثق مما في يديك ، والثالث : أن ترضى عن الله ، وإذا جاءه أعجمي قال له : بني احفظ مني خصالا : أول خصلة : أن تحفظ الحق ، ولا يكون الحق حقا إلا بالإجماع ، فإذا اجتمع الناس فقالوا : إن هذا الحق ، تعمل ذلك الحق برؤية الثواب مع الإياس من الخلق ، ولا يكون الباطل باطلا إلا بالإجماع ، فإذا اجتمعوا وقالوا : إن هذا باطل تركت هذا الباطل خوفا من الله مع الإياس من المخلوقين ، فإذا كنت لا تعلم هذا الشيء حق أو باطل ، فينبغي لك أن تقف حتى تعلم فإنه حرام عليك دخوله إلا أن يكون معك بيان ذلك الشيء وعلمه " .

سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت جدي إسماعيل بن عبيد يقول : كان أبو تراب إذا سمع من أصحابه ما يكره زاد في اجتهاده ويجدد توبة ويقول : " بشرى دفعوا إلى ما دفعوا ؛ لأن الله تعالى يقول : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) وكان يقول لأصحابه : من لبس منكم مرقعة فقد سأل ، ومن قعد في الخانقاه أو في المسجد فقد سأل ، ومن قرأ القرآن في المصحف أو كيما يسمع الناس فقد سأل " .

[ ص: 47 ] حدثنا أبو محمد بن حبان ، ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ، ثنا أبو تراب ، ثنا أحمد بن نصر النيسابوري ، عن أبي غسان الكوفي ، ثنا مسلمة بن جعفر قال : قال وهب بن منبه : " ثلاث من العلم : ورع يحجزه عن معاصي الله ، وخلق يداري به الناس ، وحلم يرد به جهل الجاهل ، وثلاث من كن فيه أصاب البر : سخاوة النفس ، والصبر على الأذى ، وطيب الكلام ، وثلاث من مناقب الإيمان : الاستعداد للموت ، والرضا بالكفاف ، والتفويض إلى الله في حالات الدنيا ، وثلاث من مناقب الكفر : الغفلة عن الله ، والطيرة ، والحسد ، وللحاسد ثلاث علامات : يتملق إذا شهد ، ويغتاب إذا غاب ، ويشمت بالمصيبة " .

حدثنا محمد بن الحسين قال : سمعت عبد الله بن علي يقول : سمعت الرقي يقول : سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول : لقيت ستمائة شيخ ما رأيت فيهم مثل أربعة : أولهم أبو تراب ، وحكى ابن الجلاء عن أبي تراب أنه قال : " لا بد للأستاذ من أربعة أشياء : تمييز فعل الله عن فعل الخلق ، ومعرفة مقامات العمال ، ومعرفة الطبائع والنفوس ، وتمييز الخلاف من الاختلاف " .

سمعت محمد بن الحسن بن موسى يقول : سمعت أبا العباس محمد بن الحسن البغدادي يقول : سمعت أبا عبد الله الفارسي يقول : سمعت أبا الحسن الرازي يقول : سمعت يوسف بن الحسين يقول : سمعت أبا تراب يقول : " ما تمنت علي نفسي قط إلا مرة تمنت علي خبزا وبيضا وأنا في سفر ، فعدلت من الطريق إلى قرية ، فلما دخلتها وثب إلي رجل فتعلق بي وقال : إن هذا كان مع اللصوص فبطحوني وضربوني سبعين جلدة ، فوقف علينا رجل فصرخ : هذا أبو تراب ، فأقاموني واعتذروا إلي ، وأدخلني الرجل منزله وقدم إلي خبزا وبيضا فقلت : كلها بعد سبعين جلدة " .

سمعت أحمد بن إسحاق يقول : سمعت أبا بكر بن أبي عاصم يقول : سمعت أبا تراب الزاهد يقول : سمعت حاتما الأصم يقول : عن شقيق قال : " اصحب الناس كما تصحب النار خذ منفعتها واحذر أن تحرقك " .

سمعت أحمد بن أبي عمران الهروي يقول : سمعت إسماعيل بن نجيد [ ص: 48 ] يقول : كان أبو تراب يقول : " بيني وبين الله عهد ألا أمد يدي إلى حرام إلا قصرت يدي عنه " .

سمعت أبا سعيد القلانسي يقول : سمعت الرقي يقول : سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول : كان أبو تراب يقول : لا أعلم شيئا أضر على المريدين من أسفارهم على متابعة قلوبهم ونفوسهم ، وما فسد من فسد من المريدين إلا بالأسفار الباطلة " .

سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول : سمعت أبا الحسين القزويني يقول : سمعت علي بن عبدك يقول : سمعت أبا عمران الطبرستاني يقول : سمعت ابن الفرحي يقول : " رأيت حول أبي تراب من أصحابه مائة وعشرين ركوة قعودا حول الأساطين ما مات أحد منهم على الفقر إلا ابن الجلاء وأبو عبيد السري " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا قال : سمعت أبا تراب يقول : قال حاتم الأصم : " أنا أدعو الناس إلى ثلاثة أشياء : إلى المعرفة وإلى الثقة ، وإلى التوكل ، فأما معرفة القضاء فأن تعلم أن القضاء عدل منه ، فلا ينبغي لك أن تشكو إلى الناس أو تتهم أو تسخط ، ولكن ينبغي لك أن ترضى وتصبر ، وأما الثقة فالإياس من المخلوقين ، وعلامة الإياس من المخلوقين أن ترفع القضاء منهم ، وإذا رفعت القضاء منهم فقد استرحت منهم واستراحوا منك ، وإذا لم ترفع القضاء منهم فإنه لا بد لك أن تزين لهم وتصنع لهم ، فإذا فعلت ذلك فقد وقعت في أمر عظيم ، ووقعوا في أمر عظيم ، وتضع عليهم الموت ، فإذا وضعت عليهم الموت فقد رحمتهم وأيست منهم ، وأما التوكل فطمأنينة القلب لموعود الله ، فإذا كنت مطمئنا بالموعود استغنيت غنى لا تفتقر أبدا " .

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا عبد الله بن محمد قال : سمعت أبا تراب يقول : قال حاتم الأصم : " لا أدري أيهما أشد على الناس العجب أو الرياء ، العجب داخل فيك والرياء يدخل عليك ، العجب أشد عليك من الرياء ، ومثلهما أن يكون كلبك في البيت كلبا عقورا وكلبا آخر خارج البيت ، فأيهما أشد عليك الداخل [ ص: 49 ] معك أو الخارج ؟ أما الداخل فهو العجب ، وأما الخارج فهو الرياء ، وقال حاتم : الحزن على وجهين : حزن لك وحزن عليك ، فأما الحزن الذي عليك فكل شيء فاتك من الدنيا فتحزن عليه فهذا عليك ، وكل شيء فاتك من الآخرة فتحزن عليه فهو لك ، وتفسيره إذا كان عندك درهمان فسقط منك درهم حزنت عليه فهذا حزن الدنيا ، وإذا خرجت منك زلة أو غيبة أو حسد أو شيء فما تحزن عليه وتندم فهو لك " .

سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت أبا عثمان الآدمي يقول : سمعت إبراهيم الخواص يقول : حدثني أخ لي كان يصحب أبا تراب نظر إلى صوفي مد يده إلى قشور البطيخ فقال : " إنك لا يصلح لك التصوف الزم السوق " .

سمعت أبا الفضل أحمد بن موسى الصارم ، ومحمد بن الحسين يقولان : سمعنا منصور بن عبد الله يقول : سمعت أبا علي الروزباري يقول : سمعت ابن الجلاء يقول : سمعت أبا تراب النخشبي يقول : " إذا ألفت القلوب الأعراض صحبتها الوقيعة في الأولياء " .

سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول وحكى عن أبي عبد الله بن الجلاء قال : دخل أبو تراب مكة فرأيته طيب النفس فقلت له : أين أكلت أيها الأستاذ ؟ فقال : " جئت بفضولك ، أكلت أكلة بالبصرة وأكلة بالنباج وأكلة هاهنا " وقال أبو عمرو الإصطخري : رأيت أبا تراب ميتا بالبادية قائما منتصبا لا يمسكه شيء .

سمعت محمد بن الحسن يقول : سمعت محمد بن عبد الله يقول : سمعت أبا عثمان الآدمي يقول : سمعت إبراهيم الخواص يقول : " مات أبو تراب بين مكة والمدينة نهشته السباع " .

سمعت أبي يقول : حكي لي عن أبي عبد الله بن الجلاء قال : سمعت أبا تراب قال : قال حاتم الأصم : " مثل الدنيا كمثل ظلك إن طلبته تباعد وإن تركته تتابع قال : وقال حاتم : ما من صباح إلا ويقول لي الشيطان : ما تأكل ؟ ما تلبس ؟ أين [ ص: 50 ] تسكن ؟ فأقول له : آكل الموت ، وألبس الكفن ، وأسكن القبر . وقال حاتم : قال شقيق بن إبراهيم يوما لرجل : أيهما أحب إليك : أن يكون لك على الملي أو يكون للملي عليك ؟ فقال : بل يكون لي على الملي ، قال : إذا كنت في الشر فأجرك على الله ، وإذا كنت في النعمة يكون الشكر لله عليك . وقال أبو تراب : إذا رأيت القارئ منبسطا إلى الغلمان والأغنياء فاعلم أنه مخادع ، وقال أبو حاتم : اصرف أربعة أشياء إلى أربعة مواضع وخذ الجنة : النوم إلى القبر ، والراحة إلى الصراط ، والفخر إلى الميزان ، والشهوات إلى الجنة " .

حدثنا أحمد بن إسحاق ، حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم ، قال : سمعت أبا تراب يقول : سمعت حاتما يقول : لي أربعة نسوة وتسعة من الأولاد ، ما طمع الشيطان أن يوسوس إلي في شيء من أرزاقهم .

حدثنا محمد بن الحسين قال : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت أبا جعفر بن تركان يقول : سمعت يعقوب بن الوليد يقول : سمعت أبا تراب يقول : " يا أيها الناس أنتم تحبون ثلاثة وليس هي لكم : تحبون النفس وهي لله ، وتحبون الروح والروح لله ، وتحبون المال والمال للورثة ، وتطلبون اثنين ولا تجدونهما : الفرح والراحة وهما في الجنة " .

أخبرني عبد السلام بن محمد المخرمي قال : سمعت ابن أبي شيخ يقول : سمعت علي بن حسن التميمي يقول : سمعت أبا تراب ، وقال له رجل : ألك حاجة ؟ فقال : " يوم يكون لي إليك وإلى أمثالك حاجة لا يكون لي إلى الله حاجة . وقال أبو تراب : حقيقة الغنى أن تستغني عمن هو مثلك ، وحقيقة الفقر أن تفتقر إلى من هو مثلك ، وإذا صدق العبد في العمل وجد حلاوته قبل أن يعمله ، وإذا أخلص فيه وجد حلاوته قبل مباشرته العمل . وقال : من شغل مشغولا بالله عن الله أدركه المقت من ساعته " .

ومما أسند ، حدثنا أحمد بن إسحاق ، ثنا محمد بن عبد الله بن مصعب ، ثنا أبو تراب عسكر بن محمد الزاهد ، ثنا محمد بن ثابت ، عن شريك ، عن عبد الله ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 51 ] " لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن ربهم يطعمهم ويسقيهم " .

حدثنا محمد بن إسماعيل الوراق ، ثنا عبد الصمد بن علي بن مكرم ، حدثني أحمد بن سليمان بن المبارك ، ثنا أبو تراب الزاهد البلخي ، ثنا واصل بن إبراهيم ، ثنا أبو حمزة ، عن رقبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن جندب بن سفيان قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من يسمع يسمع الله به ، ومن يرائي يرائي الله به " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث