الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ( فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف )

                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال تعالى : ( فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف ) .

                                                                                                                                                                                                                                            وفيه مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : في متعلق الباء في قوله : ( فبما نقضهم ) قولان : الأول : أنه محذوف تقديره فبما نقضهم ميثاقهم وكذا ، لعناهم وسخطنا عليهم ، والحذف أفخم لأن عند الحذف يذهب الوهم كل مذهب ، ودليل المحذوف أن هذه الأشياء المذكورة من صفات الذم فيدل على اللعن .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن متعلق الباء هو قوله : ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) [النساء : 160] وهذا قول الزجاج وزعم أن قوله : ( فبظلم من الذين هادوا ) بدل من قوله : ( فبما نقضهم ) .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : أن من قوله : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) إلى قوله : ( فبظلم ) الآيتين بعيد جدا ، فجعل أحدهما بدلا عن الآخر بعيد .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن تلك الجنايات المذكورة عظيمة جدا لأن كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء وإنكارهم للتكليف بقولهم : قلوبنا غلف أعظم الذنوب ، وذكر الذنوب العظيمة إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة ، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات العظيمة .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : اتفقوا على أن ( ما ) في قوله : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) صلة زائدة ، والتقدير : فبنقضهم ميثاقهم ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) [آل عمران : 159] .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : أنه تعالى أدخل حرف الباء على أمور :

                                                                                                                                                                                                                                            أولها : نقض الميثاق .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : كفرهم بآيات الله ، والمراد منه كفرهم بالمعجزات ، وقد بينا فيما تقدم أن من أنكر معجزة رسول واحد فقد أنكر جميع معجزات الرسل ، فلهذا السبب حكم الله عليهم بالكفر بآيات الله .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : قتلهم الأنبياء بغير حق ، وذكرنا تفسيره في سورة البقرة .

                                                                                                                                                                                                                                            ورابعها : قولهم ( قلوبنا غلف ) وذكر القفال فيه وجهين :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : أن غلفا جمع غلاف ، والأصل غلف بتحريك اللام فخفف بالتسكين ، كما قيل كتب ورسل بتسكين التاء والسين ، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا غلف ، أي : أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا ، فكذبوا الأنبياء بهذا القول .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : أن غلفا جمع أغلف وهو المتغطي بالغلاف أي : بالغطاء ، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا في أغطية فهي لا تفقه ما تقولون ، نظيره ما حكى الله في قوله ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ) [فصلت : 5] .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية