الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أولى الرجال بالدفن أولاهم بالصلاة على الميت

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( الأولى أن يتولى الدفن الرجال ، لأنه يحتاج إلى بطش وقوة . وكان الرجال أحق ، وأولاهم بذلك أولاهم بالصلاة عليه ، لأنهم أرفق به . وإن كانت امرأة فزوجها أحق بدفنها لأنه أحق بغسلها ، فإن لم يكن لها زوج فالأب ، ثم الجد ، ثم الابن ، ثم ابن الابن ، ثم الأخ ، ثم ابن الأخ ، ثم العم ، فإن لم يكن لها ذو رحم محرم ولها مملوك كان المملوك أولى من ابن العم ، لأنه كالمحرم ، والخصي أولى من الفحل ، وإن لم يكن مملوك فابن العم ثم أهل الدين من المسلمين ، والمستحب أن يكون عدد الذي يدفن وترا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم " دفنه علي والعباس وأسامة رضي الله عنهم " والمستحب أن يسجى القبر بثوب عند الدفن ، لأن { النبي صلى الله عليه وسلم ستر قبر سعد بن معاذ رضي الله عنه بثوب لما دفنه } ) .

التالي السابق


( الشرح ) قوله لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفنه علي والعباس وأسامة هذا الحديث رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما وأسانيده مختلفة فيها [ ص: 253 ] ضعف ، وليس في رواية أبي داود ذكر العباس ، وإنما فيها علي والفضل وأسامة وأن عبد الرحمن بن عوف دخل معهم وصاروا أربعة ، وفي بعض روايات البيهقي عن علي رضي الله عنه قال : " ولي دفن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي رواية عن ابن عباس " كانوا أربعة : علي والفضل وقثم بن العباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل معهم خامس وكانوا خمسة " وشقران - بضم الشين المعجمة - وإسكان القاف هو صالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقبه شقران . وأما حديث ستر قبر سعد بن معاذ فرواه البيهقي من رواية ابن العباس رضي الله عنهم بإسناد ضعيف ( أما الأحكام ) ففيه مسائل : ( إحداها ) قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : الأولى أن يتولى الدفن الرجال ، سواء كان الميت رجلا أو امرأة ، وهذا لا خلاف فيه وعللوه بعلتين ( إحداهما ) التي ذكرها المصنف أن الرجال أقوى وأشد بطشا ( والثانية ) أن المرأة لو تولت ذلك أدى إلى انكشاف بعض بدنها . قال صاحب البيان : قال الصيدلاني : ويتولى النساء حمل المرأة من المغتسل إلى الجنازة وتسليمها إلى من في القبر لأنهن يقدرن على ذلك ، قال : وكذلك يتولى النساء حل ثيابها في القبر ، قال صاحب البيان : ولم أر هذا لغير الصيدلاني وهذا الذي قاله صاحب البيان عجيب ، وليس قول الصيدلاني منكرا ، بل هو الحق والصواب ، وقد نص عليه الشافعي في الأم في باب الدفن فقال : وستر المرأة إذا أدخلت قبرها آكد من ستر الرجل ، وتسل كما يسل الرجل ، قال : وإن ولي إخراجها من مغتسلها وحل عقد ثياب إن كانت عليها ، وتعاهدها النساء فحسن ، وإن وليه الرجال فلا بأس هذا نصه وقد جزم البندنيجي وغيره وحكوا استحبابه عن نص الشافعي رحمه الله .

ومما يحتج به من الأحاديث في كون الرجال هم الذين يتولون الدفن ، وإن كان الميت امرأة ، حديث أنس رضي الله عنه قال { شهدنا بنت النبي صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر فقال : منكم رجل لم يقارف الليلة ؟ فقال أبو طلحة رضي الله عنه أنا ، قال : فانزل ، فنزل في قبرها } رواه البخاري رحمه الله قيل : معناه لم يقارف أهله أي لم يجامع . وقيل : لم يقارف ذنبا [ ص: 254 ] ذكره البخاري عن ابن مبارك عن فليح ، والأول أرجح ، ويؤيده حديث أنس أن { رقية لما ماتت قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل القبر رجل قارف الليلة أهله فلم يدخل عثمان بن عفان القبر } رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ، ومعلوم أن أبا طلحة رضي الله عنه أجنبي من بنات النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه كان من صالحي الحاضرين . ولم يكن لها هناك رجل محرم إلا النبي صلى الله عليه وسلم فلعله كان له عذر في عدم نزول قبرها ، وكذا زوجها ، ومعلوم أنها كانت أختها فاطمة وغيرها من محارمها وغيرهن هناك ، فدل على أنه لا مدخل للنساء في إدخال القبر والدفن .



( المسألة الثانية ) قال أصحابنا : أولى الرجال بالدفن أولاهم بالصلاة على الميت من حيث الدرجة والقرب لا من حيث الصفات ، لأن الترجيح بالصفات في الصلاة على الميت مخالف للترجيح بها في الدفن ، لأن الأسن مقدم على الأفقه في الصلاة والأفقه مقدم على الأسن في الدفن هكذا قاله الأصحاب واتفقوا عليه ، وهذه المسألة مما أنكر على المصنف وعدها صاحب البيان في مشكلات المهذب من حيث إن المصنف أطلق أن من قدم في الصلاة قدم في الدفن ، والأسن مقدم في الصلاة على الأفقه وهو في الدفن عكسه ، والمختار أنها لا تعد مشكلة ، ولا عتب على المصنف لأن مراده الترتيب في الدرجات لا بيان الصفات ، فيقدم الأب ثم الجد ثم أب الأب ثم آباؤه ، ثم الابن ثم ابنه وإن سفل ، ثم الأخ ثم ابنه ثم العم ، وهل يقدم من يدلى بأبوين على مدل بالأب ؟ فيه الخلاف السابق في الصلاة على الميت ، فإن استوى اثنان في درجة قدم أفقههما ، وإن كان غيره أسن ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب . قال صاحب الحاوي وغيره : المراد بالأفقه هنا أعلمهم بإدخال الميت القبر لا أعلمهم بأحكام الشرع جملة قال الشيخ أبو حامد والمحاملي وآخرون : لو كان له قريبان أحدهما أقرب وليس بفقيه والآخر بعيد وهو فقيه ، قدم الفقيه لأنه يحتاج إلى الفقه ، وهذا متفق عليه .

أما إذا كان الميت امرأة لها زوج صالح للدفن فهو مقدم على الأب والابن وسائر الأقارب ، نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور . وذكر صاحب الحاوي فيه وجهين ( أحدهما ) [ ص: 255 ] هذا ( والثاني ) أن الأب يقدم عليه كالوجهين في غسلها ، وتعليل المصنف ومن وافقه في التعليل يشير إلى موافقة صاحب الحاوي في جريان وجه في المسألة ، وكلام المصنف في التنبيه مصرح أو كالمصرح بذلك في قوله في الدفن ، والأولى أن يتولى ذلك من يتولى غسله ، لكن عليه إنكار في إطلاقه ، لأنه يقتضي دخول النساء في دفن المرأة فإنهن أحق بغسلها ، وقد سبق أنه لا خلاف أنهن لا حق لهن في الدفن ، والله أعلم . قال أصحابنا رحمهم الله : فإن لم يكن هناك محرم لها من العصبات تولى دفنها محارمها من ذوي الأرحام ، كأبي الأم والخال والعم للأم ، فإن لم يكن أحد منهم فعبدها . هذا إذا قلنا بالأصح المنصوص إن العبد كالمحرم في جواز النظر ، وإن قلنا بالضعيف أنه كالأجنبي ، فظاهر كلام المصنف وتعليله وتعليل الأصحاب أنه كالأجنبي ، فإن لم يكن لها عبد فالخصيان الأجانب أولى لضعف شهوتهم ، فإن فقدوا فذوو الأرحام الذين ليسوا محارم ، كابن العم ، فإن فقدوا فأهل الصلاح من الأجانب . قال إمام الحرمين رحمه الله : وما أدري تقديم ذوي الأرحام محتوما بخلاف المحارم لأنهم كالأجانب في وجوب الاحتجاب عنهم ومنعهم من النظر ، وشذ صاحب العمدة أبو المكارم فقدم نساء القرابة على الرجال الأجانب ، وهذا شاذ مردود مخالف لنص الشافعي ولما قطع به الأصحاب ، بل مخالف لحديث أبي طلحة المذكور في المسألة الأولى والله أعلم .



( المسألة الثالثة ) يستحب كون الدافنين وترا ، فإن حصلت الكفاية بواحد وإلا فثلاثة وإلا فخمسة إن أمكن واحتيج إليه ، وهذا متفق عليه .



( المسألة الرابعة ) يستحب أن يسجى القبر بثوب عند الدفن ، سواء كان الميت رجلا أو امرأة . هذا هو المشهور الذي قطع به الأصحاب . قالوا : والمرأة آكد . وحكى الرافعي وجها أن الاستحباب مختص بالمرأة ، واختاره أبو الفضل بن عبدان من أصحابنا ، وهو مذهب أبي حنيفة ، واحتجوا للمذهب بالحديث لكنه ضعيف ، ولأنه أستر فربما ظهر ما يستحب إخفاؤه ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث