الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      ( أما ) وقت وجوب القضاء ففيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما : ( أصحهما ) عند المصنف والأصحاب : يجب على الفور وهو ظاهر النص ، ( والثاني ) على التراخي ( فإن قلنا ) : على الفور ، وجب في السنة المستقبلة ، [ ص: 400 ] ولا يجوز تأخيره عنها ، فإن أخره عنها بلا عذر أثم ولم يسقط عنه القضاء بل تجب المبادرة في السنة التي تليها ، وهكذا أبدا .

                                      قال أصحابنا : فإن أحصر بعد الإفساد وتحلل قبل فوات الوقوف وأمكنه الإحرام بالقضاء ، وإدراك الحج في سنته ، لزمه ذلك إذا قلنا : إن القضاء على الفور ، لأنه أقرب من السنة المستقبلة ، قال أصحابنا : يجب عليه في القضاء أن يحرم من أبعد الموضعين ، وهما الميقات الشرعي . والموضع الذي أحرم منه في الأداء هذه عبارة الأصحاب وشرحوها فقالوا : إن كان أحرم في الأداء من الميقات الشرعي أحرم منه في القضاء ، وإن كان أحرم قبل الميقات من دويرة أهله أو غيرها لزمه أن يحرم في هذا القضاء من ذلك الموضع ، فإن جاوزه غير محرم لزمه الدم كما يلزمه بمجاوزة الميقات الشرعي ، وإن كان أحرم في الأداء بعد مجاوزة الميقات الشرعي نظر - إن جاوزه مسيئا - لزمه في القضاء الإحرام من الميقات الشرعي ، وليس له أن يسيء ثانيا ، وهذا مما يدخل في قول الأصحاب : يحرم في القضاء من أبعد الموضعين ، وإن جاوزه غير مسيء بأن لم يرد النسك ، ثم بدا له بعد مجاوزته فأحرم ثم أفسده ، فوجهان : ( أصحهما ) وبه قطع البغوي وغيره : يلزمه أن يحرم في القضاء من الميقات الشرعي ، ( والثاني ) له أن يحرم من ذلك الموضع ، ليسلك بالقضاء مسلك الأداء ولهذا لو اعتمر من الميقات ثم أحرم بالحج من مكة وأفسده كفاه في القضاء أن يحرم بالحج من نفس مكة بلا خلاف ، وكذا لو أفرد الحج ثم أحرم بالعمرة من أدنى الحل ، ثم أفسدها ، كفاه أن يحرم في قضائها من أدنى الحل بلا خلاف .

                                      قال الرافعي وغيره والوجهان فيمن لم يرجع في الأداء إلى الميقات ، أما من كان رجع ثم عاد فيلزمه في القضاء الإحرام من الميقات ، وجها واحدا والله أعلم . واتفق أصحابنا على أنه لا يلزم في القضاء الطريق الذي سلكه في الأداء ، بل سلوك طريق آخر ، ولكن بشرط أن يحرم من قدر مسافة الإحرام في الأداء . واتفق أصحابنا على أنه لا يجب أن يحرم في القضاء في [ ص: 401 ] الزمن الذي أحرم منه في الأداء ، بل له التأخير عنه بخلاف المكان الذي أحرم منه في الأداء ، وممن صرح بالمسألة القاضي حسين والبغوي والرافعي ، وفرقوا بأن اعتناء الشرع بالميقات المكاني أكمل ، ولهذا يتعين مكان الإحرام بالنذر ولا يتعين زمانه بالنذر حتى لو نذر الإحرام في شوال له تأخيره ، هكذا ذكر هذا الاستشهاد القاضي حسين والرافعي وغيرهما ، قال القاضي : هو استشهاد مشكل ، لأن طول الإحرام عبادة ، وما كان عبادة لزمه بالنذر ، قال : وأصل هذه المسألة أنه لو نذر الصوم في أيام طوال ، له أن يصوم في قصار ، ولو نذر أن يصوم أطول أيام السنة لزمه ، لأنه متعين . وكذا قال الرافعي ، وأظن هذا الاستشهاد لا يخلو من نزاع ، والله أعلم .

                                      ( فرع ) قال المتولي : لو أرادت المرأة القضاء على الفور ، هل للزوج منعها أم لا ؟ ( إن قلنا ) : القضاء على التراخي فله منعها ، وإلا فلا ، وقال البغوي : هل يلزمه أن يأذن لها في القضاء ؟ فيه وجهان : ( أحدهما ) لا يلزمه كما لا يلزمه في الابتداء ( والثاني ) يلزمه لأنه هو الذي ألزمها القضاء .

                                      ( فرع ) ذكر القفال وآخرون من الخراسانيين هنا أن الوجهين اللذين ذكرناهما في كون القضاء يجب على الفور أم على التراخي جاريان في كل كفارة وجبت بعدوان ، ( وأما ) الكفارة بلا عدوان فعلى التراخي وذكروا قضاء الصوم والصلاة وقد سبق بيان هذا كله في موضعين من هذا الشرح في آخر باب مواقيت الصلاة وفي آخر كتاب الصوم .

                                      التالي السابق


                                      الخدمات العلمية