الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 1977 ) فصل : وإذا لم يفضل إلا صاع أخرجه عن نفسه ; لقوله عليه السلام : { ابدأ بنفسك ثم بمن تعول } ولأن الفطرة تنبني على النفقة ، فكما يبدأ بنفسه في النفقة فكذلك في الفطرة . فإن فضل آخر أخرجه عن امرأته ; لأن نفقتها آكد ، فإن نفقتها تجب على سبيل المعاوضة مع اليسار والإعسار ونفقة الأقارب صلة تجب مع اليسار دون الإعسار . فإن فضل آخر أخرجه عن رقيقه ; لوجوب نفقتهم في الإعسار .

                                                                                                                                            وقال ابن عقيل : يحتمل تقديم الرقيق على الزوجة ; لأن فطرته متفق عليها ، وفطرتها مختلف فيها . فإن فضل آخر أخرجه عن ولده الصغير ، لأن نفقته منصوص عليها ومجمع عليها .

                                                                                                                                            وفي الوالد والولد الكبير وجهان ; أحدهما ، يقدم الولد [ ص: 363 ] لأنه كبعضه . والثاني الوالد ; لأنه كبعض والده . وتقدم فطرة الأم على فطرة الأب ، لأنها مقدمة في البر ، بدليل { قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما سأله من أبر ؟ قال أمك . قال : ثم من ؟ قال أمك . قال ثم من قال أمك قال ثم من ؟ قال ثم أباك } . ولأنها ضعيفة عن الكسب .

                                                                                                                                            ويحتمل تقديم فطرة الأب لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { أنت ومالك لأبيك } . ثم بالجد ، ثم الأقرب فالأقرب ، على ترتيب العصبات في الميراث . ويحتمل تقديم فطرة الولد على فطرة المرأة ; لما روى أبو هريرة ، قال : { أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة ، فقام رجل فقال : يا رسول الله : عندي دينار . قال : تصدق به على نفسك . قال : عندي آخر . قال : تصدق به على ولدك . قال عندي آخر ، قال : تصدق به على زوجتك . قال : عندي آخر ، قال : تصدق به على خادمك . قال عندي آخر ، قال : أنت أبصر . } فقدم الولد في الصدقة عليه ، فكذلك في الصدقة عنه . ولأن الولد كبعضه ، فيقدم كتقديم نفسه ، ولأنه إذا ضيع ولده لم يجد من ينفق عليه ، فيضيع ، والزوجة إذا لم ينفق عليها فرق بينهما ، وكان لها من يمونها ، من زوج أو ذي رحم .

                                                                                                                                            ولأن نفقة الزوجة على سبيل المعاوضة ، فكانت أضعف في استتباع الفطرة من النفقة الواجبة على سبيل الصلة ; لأن وجوب العوض المقدر لا يقتضي وجوب زيادة عليه يتصدق بها عمن له العوض ولهذا لم تجب فطرة الأخير المشروط له مؤنته ، بخلاف القرابة ، فإنها كما اقتضت صلته بالإنفاق عليه ، اقتضت صلته بتطهيره بإخراج الفطرة عنه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية