الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( 2809 ) فصل : ولو باع بعضه ببعض جزافا أو كان جزافا من أحد الطرفين ، لم يجز . قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن ذلك غير جائز إذا كانا من صنف واحد ; وذلك لما روى مسلم ، عن جابر ، قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر ، لا يعلم مكيلها ، بالكيل المسمى من التمر } .

وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : { الذهب بالذهب وزنا بوزن } إلى تمام الحديث ، دليل على أنه لا يجوز بيعه إلا كذلك ، ولأن التماثل شرط ، والجهل به يبطل البيع ، كحقيقة التفاضل ( 2810 ) فصل : وما لا يشترط التماثل فيه كالجنسين ، وما لا ربا فيه ، يجوز بيع بعضه ببعض كيلا ووزنا وجزافا ، وهذا ظاهر كلام الخرقي ; لتخصيصه ما يكال بمنع بيعه بشيء من جنسه وزنا ، وما يوزن بمنع بيعه من جنسه كيلا .

وهذا قول أكثر أهل العلم . قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن بيع الصبرة من الطعام بالصبرة ، لا يدرى كم كيل هذه ، ولا كيل هذه ، من صنف واحد ، غير جائز ، ولا بأس به من صنفين ; استدلالا بقوله عليه السلام : { فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم } . وذهب جماعة من أصحابنا إلى منع بيع المكيل بالمكيل جزافا ، وبيع الموزون بالموزون جزافا .

وقال أحمد ، في رواية محمد بن الحكم : أكره ذلك . قال ابن أبي موسى : لا خير فيما يكال بما يكال جزافا ، ولا فيما يوزن بما يوزن جزافا ، اتفقت الأجناس أو اختلفت ، ولا بأس ببيع المكيل بالموزون جزافا ، وقال ذلك القاضي والشريف أبو جعفر ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع الطعام بالطعام مجازفة } . ولأنه بيع مكيل بمكيل ، أشبه الجنس الواحد .

ولنا ، قول النبي صلى الله عليه وسلم : { فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد } . ولأن قول الله تعالى { : وأحل الله البيع } . عام [ ص: 34 ] خصصناه في الجنس الواحد الذي يجب التماثل فيه ، ففيما عداه يجب البقاء على العموم ، ولأنه يجوز التفاضل فيه ، فجاز جزافا من الطرفين كالمكيل بالموزون ، يحققه أنه إذا كان حقيقة الفضل لا يمنع ، فاحتماله أولى أن لا يكون مانعا ، وحديثهم أراد به الجنس الواحد ; ولهذا جاء في بعض ألفاظه : { نهى أن تباع الصبرة لا يعلم مكيلها من التمر ، بالصبرة لا يعلم مكيلها من التمر } .

ثم هو مخصوص بالمكيل والموزون ، فنقيس عليه محل النزاع ، وما ذكر من القياس غير صحيح ; لأن المكيل من جنس واحد ، يجب التماثل فيه ، فمنع من بيعه مجازفة ; لفوات المماثلة المشروطة ، وفي الجنسين لا يشترط التماثل ، ولا يمنع حقيقة التفاضل ، فاحتماله أولى أن لا يكون مانعا . ( 2811 ) فصل : ولو قال : بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة . وهما من جنس واحد ، ولا يعلمان كيلهما ، لم يصح ; لما ذكرنا .

وإن علما كيلهما وتساويهما ، صح البيع ; لوجود التماثل المشترط . وإن قال : بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة ، مثلا بمثل . فكيلتا فكانتا سواء ، صح البيع ، وإلا فلا .

وإن باع صبرة بصبرة من غير جنسها ، صح عند من يجوز بيع المكيل بالمكيل جزافا . وإن قال : بعتك هذه الصبرة بهذه ، مثلا بمثل . فكيلتا فكانتا سواء ، صح البيع ، وإن زادت إحداهما فرضي صاحب الناقصة بها مع نقصها ، أو رضي صاحب الزائدة برد الفضل على صاحبه ، جاز ، وإن امتنعا فسخ البيع بينهما . ذكر هذا الفصل القاضي ، وهو مذهب الشافعي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث