الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( والحاصل ) أن الشفعة عندنا على مراتب يقدم الشريك فيها في نفس المبيع ، ثم الشريك في حقوق المبيع بعده ، ثم الجار الملاصق بعدهما ، وعن ابن أبي ليلى ، والشافعي لا تجب الشفعة ، إلا للشريك في نفس المبيع لحديث أبي هريرة رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فيما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق ، فلا شفعة } وحديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الشفعة فيما لم يقسم } وإدخال الألف ، واللام في الكلام للعهود ، فإن لم يكن فللجنس ، وليس هنا معهود ينصرف إليه فكان للجنس فيقتضي أن جنس الشفعة فيما لم يقسم وفي رواية { إنما الشفعة فيما لم يقسم } ، وإنما لتقرير المذكور ونفيه عما عداه قال الله تعالى { إنما الله إله واحد } ، فهو تنصيص على نفي الشفعة بعد القسمة ، والمعنى فيه أن هذا تملك المال بغير رضا المتملك عليه فيختص به الشريك دون الجار كالمتملك بالاستيلاد وملك أحد الجارين متميز عن ملك الآخر ، فلا يستحق أحدهما ملك الآخر بالشفعة كالجار المقابل وهذا ; لأن حق الأخذ بالشفعة لدفع ضرر مؤنة القسمة ; لأنه لو لم يأخذ طالبه المشتري بالقسمة فيلحقه بسببه مؤنة القسمة ، فالشرع مكنه من الأخذ بالشفعة ; ليدفع به ضرر مؤنة القسمة فيما لا طريق له لدفع ذلك ، إلا بأن يخرج عن ملكه [ ص: 95 ] بالأخذ بالاستيفاء ، والملك فيه ، وهذا لا يوجد في حق الجار ; ولهذا لا يوجب الشفعة فيما لا يحتمل القسمة ; لأنه لا يدفع بالأخذ مؤنة القسمة عن نفسه ; ولهذا لا يوجب الشفعة في المنقولات أيضا ; لأنه متمكن من دفع مؤنة القسمة هناك ببيع نصيبه ، والبيع ، والشراء في المنقول معتاد في كل وقت

فأما العقار فيتخذ لاستيفاء الملك فيه ; وليبق ميراثا بالعاقبة ، فهو يحتاج إلى الأخذ بالشفعة لدفع ضرر مؤنة المقاسمة عن نفسه ، وحجتنا في ذلك ما روينا من الأخبار ، ولا يعارضها ما رووا ، ففيها بيان أن للشريك شفعة ونحن نقول به وتخصيص الشيء بالذكر عندنا لا يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه ، ثم المراد بالشفعة بسبب الشركة فيما لم يقسم ، والمراد بيان أن مع الشريك الذي لم يقاسم لا مزاحمة لأحد في الشفعة ، بل هو مقدم ، وبه نقول ، واللفظ المذكور في حديث أبي هريرة رضي الله عنه { ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق } دليلنا أنه علق نفي الشفعة بالأمرين جميعا ، فذلك دليل على أنه إذا وقعت الحدود ولم تصرف الطرق بأن كان الطريق واحدا أن تجب الشفعة عندكم لا تجب ، ثم معنى هذا اللفظ ، فلا شفعة بوقوع الحدود وصرف الطرق وكان الموضع موضع إشكال ; لأن في القسمة معنى المبادلة فربما يشكل أنه هل يستحق بها الشفعة فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يستحق الشفعة بالقسمة ، والمعنى فيه أنه متصل بالملك اتصال تأبيد وقرار فيثبت له حق الأخذ بالشفعة كالشريك .

التالي السابق


الخدمات العلمية