الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا

                                                                                                                                                                                                عن ابن عباس رضي الله عنهما سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن، فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر، وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن، وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت، والدعاء بمعنى: التسمية لا بمعنى: النداء، وهو يتعدى إلى مفعولين، تقول: دعوته زيدا، ثم يترك أحدهما استغناء عنه، فيقال: دعوت زيدا، والله والرحمن، المراد بهما: الاسم، لا المسمى، و "أو" للتخيير، [ ص: 561 ] فمعنى: ادعوا الله أو ادعوا الرحمن : سموا بهذا الاسم أو بهذا، واذكروا إما هذا وإما هذا، والتنوين في "أيا": عوض من المضاف إليه، و "ما": صلة للإبهام المؤكد لما في أي، أي: أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم، فله الأسماء الحسنى : والضمير في "فله": ليس براجع إلى أحد الاسمين المذكورين، ولكن إلى مسماهما وهو ذاته تعالى; لأن التسمية للذات لا للاسم، والمعنى: أيا ما تدعوا فهو حسن، فوضع موضعه قوله: فله الأسماء الحسنى ; لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان: لأنهما منها، ومعنى كونهما أحسن الأسماء، أنها مستقلة بمعاني التحميد والتقديس والتعظيم، بصلاتك : بقراءة صلاتك على حذف المضاف; لأنه لا يلبس، من قبل أن الجهر، والمخافتة: صفتان تعتقبان على الصوت لا غير، والصلاة أفعال وأذكار وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرفع صوته بقراءته، فإذا سمعها المشركون لغوا وسبوا، فأمر بأن يخفض من صوته، والمعنى: ولا تجهر حتى تسمع المشركين، ولا تخافت : حتى لا تسمع من خلفك، وابتغ بين : الجهر والمخافتة، "سبيلا": وسطا، وروي أن أبا بكر -رضي الله عنه- كان يخفي صوته بالقراءة في صلاته، ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي، وكان عمر -رضي الله عنه- يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان، فأمر أبا بكر أن يرفع قليلا وعمر أن يخفض قليلا، وقيل: معناه: ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، وابتغ [ ص: 562 ] بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار، وقيل: "بصلاتك" : بدعائك، وذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله: ادعوا ربكم تضرعا وخفية " ، وابتغاء السبيل: مثل لانتحاء الوجه الوسط في القراءة.

                                                                                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية