الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
43- قوله تعالى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون الآية. أخرج أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا ، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون ، فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون وأخرج الفريابي وابن منذر عن علي في قوله: ولا جنبا إلا عابري سبيل قال: نزلت هذه الآية في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي ، وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس مثله ، ففي الآية تحريم الصلاة على السكران حال سكره حتى يصحو وبطلانها وبطلان الاقتداء به ، وعلى الجنب حتى يغتسل إلا أن يكون مسافرا فيباح له التيمم وقيل: المراد: السكر من النوم ، أخرج الفريابي وعبد عن الضحاك في قوله: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى قال: لم يعن بها الخمر وإنما عنى سكر النوم ، ففيه كراهة الصلاة حال النعاس يوافقه حديث البخاري: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول" ، وفي الآية تفسير ثان بأن المراد مواضع الصلاة على حد واسأل القرية أخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: لا [ ص: 93 ] تقربوا الصلاة قال المساجد ، وفي قوله: ولا جنبا إلا عابري سبيل قال: لا تدخلوا المسجد وأنت جنب إلا عابري سبيل قال: تمر به مرا ولا تجلس ففي الآية تحريم دخول المسجد على السكران لما يتوقع منه من التلويث وفحش القول فيقاس به كل ذي نجاسة يخشى منها التلويث والسباب ونحوه ، وعلى الجنب إلا أن يمر به مجتازا من غير مكث فيباح له ، وفي الآية رد على من حرم العبور أيضا ما لم يجد بدا أو يتيمم ، وعلى من أباح الجلوس مطلقا أو إذا توضأ; لأن الله تعالى جعل غاية التحريم الغسل فلا يقوم مقامه الوضوء واستدل ابن الفرس بقوله: حتى تغتسلوا على أن الجنب لا وضوء عليه وأن الحدث الأصغر مندرج في الجنابة; لأنه لم يجعل عليه غير الغسل. واستدل ابن المنذر بالآية على صحة قول الشافعي أن السكران يغلب على عقله في بعض ما لم يكن يغلب قبل الشرب ، ولا يحتاج إلى أن لا يعرف السماء من الأرض ولا الرجل من المرأة كما قال غيره; لأن الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقربون الصلاة حال سكرهم قاصدين لها عالمين بها وقد سموا سكارى ، واستدل ابن الفرس بتوجيه الخطاب لهم في الآية وعلى تكليف السكران ودخوله تحت الخطاب وفيه نظر; لأن الخطاب عام لكل مؤمن وعلى تقدير: أنه قصد الذين صلوا في حال السكر فإنما نزل صحوتهم واستدل بقوله: حتى تعلموا ما تقولون من قال: إنه يلزمه الأفعال ولا يلزمه الأقوال.

التالي السابق


الخدمات العلمية