الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 217 ] وسئل عن النية في الطهارة والصلاة والصيام والحج وغير ذلك فهل محل ذلك القلب ؟ أم اللسان ؟ وهل يجب أن نجهر بالنية ؟ أو يستحب ذلك ؟ أو قال أحد من المسلمين إن لم يفعل ذلك بطلت صلاته . أو غيرها ؟ أو قال : إن صلاة الجاهر أفضل من صلاة الخافت . إماما كان أو مأموما أو منفردا وهل التلفظ بها واجب أم لا ؟ أو قال أحد من الأئمة الأربعة أو غيرهم من أئمة المسلمين : إن لم يتلفظ بالنية بطلت صلاته ؟ .

                وإذا كانت غير واجبة فهل يستحب التلفظ بها ؟ وما السنة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون ؟ وإذا أصر على الجهر بها معتقدا أن ذلك مشروع : فهل هو مبتدع مخالف لشريعة الإسلام ؟ أم لا ؟ وهل يستحق التعزير على ذلك إذا لم ينته ؟ وأبسطوا لنا الجواب .

                التالي السابق


                فأجاب : الحمد لله . محل النية القلب دون اللسان باتفاق أئمة [ ص: 218 ] المسلمين في جميع العبادات : الصلاة والطهارة والزكاة والحج والصيام والعتق والجهاد وغير ذلك . ولو تكلم بلسانه بخلاف ما نوى في قلبه كان الاعتبار بما نوى بقلبه لا باللفظ ولو تكلم بلسانه ولم تحصل النية في قلبه لم يجزئ ذلك باتفاق أئمة المسلمين .

                فإن النية هي من جنس القصد ; ولهذا تقول العرب نواك الله بخير : أي قصدك بخير . وقول النبي صلى الله عليه وسلم { إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ; فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه } مراده صلى الله عليه وسلم بالنية النية التي في القلب ; دون اللسان باتفاق أئمة المسلمين : الأئمة الأربعة وغيرهم .

                وسبب الحديث يدل على ذلك فإن سببه أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة يقال لها : أم قيس فسمي مهاجر أم قيس . فخطب النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وذكر هذا الحديث . وهذا كان نيته في قلبه .

                والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب باتفاق المسلمين ; بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشريعة إذا فعل ذلك معتقدا أنه من الشرع : فهو جاهل ضال يستحق التعزير وإلا العقوبة على ذلك إذا أصر [ ص: 219 ] على ذلك بعد تعريفه والبيان له لا سيما إذا آذى من إلى جانبه برفع صوته أو كرر ذلك مرة بعد مرة فإنه يستحق التعزير البليغ على ذلك ولم يقل أحد من المسلمين إن صلاة الجاهر بالنية أفضل من صلاة الخافت بها سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا .

                وأما التلفظ بها سرا فلا يجب أيضا عند الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين ولم يقل أحد من الأئمة إن التلفظ بالنية واجب لا في طهارة ولا في صلاة ولا صيام ولا حج .

                ولا يجب على المصلي أن يقول بلسانه : أصلي الصبح ولا أصلي الظهر ولا العصر ولا إماما ولا مأموما ولا يقول بلسانه : فرضا ولا نفلا ولا غير ذلك ; بل يكفي في أن تكون نيته في قلبه والله يعلم ما في القلوب .

                وكذلك نية الغسل من الجنابة والوضوء يكفي فيه نية القلب .

                وكذلك نية الصيام في رمضان لا يجب على أحد أن يقول : أنا صائم غدا . باتفاق الأئمة ; بل يكفيه نية قلبه .

                والنية تتبع العلم فمن علم ما يريد أن يفعله فلا بد أن ينويه فإذا علم المسلم أن غدا من رمضان وهو ممن يصوم رمضان فلا بد [ ص: 220 ] أن ينوي الصيام فإذا علم أن غدا العيد لم ينو الصيام تلك الليلة .

                وكذلك الصلاة : فإذا علم أن الصلاة القائمة صلاة الفجر أو الظهر وهو يعلم أنه يريد أن يصلي صلاة الفجر أو الظهر فإنه إنما ينوي تلك الصلاة لا يمكنه أن يعلم أنها الفجر وينوي الظهر .

                وكذلك إذا علم أنه يصلي إماما أو مأموما ; فإنه لا بد أن ينوي ذلك والنية تتبع العلم والاعتقاد اتباعا ضروريا إذا كان يعلم ما يريد [ أن ] يفعله فلا بد أن ينويه . فإذا كان يعلم أنه يريد أن يصلي الظهر وقد علم أن تلك الصلاة صلاة الظهر امتنع أن يقصد غيرها ولو اعتقد أن الوقت قد خرج أجزأته صلاته باتفاق الأئمة .

                ولو اعتقد أنه خرج فنوى الصلاة بعد الوقت فتبين أنها في الوقت أجزأته الصلاة باتفاق الأئمة .

                وإذا كان قصده أن يصلي على الجنازة - أي جنازة كانت - فظنها رجلا وكانت امرأة صحت صلاته بخلاف ما نوى . وإذا كان مقصوده أن لا يصلي إلا على من يعتقده فلانا وصلى على من يعتقد أنه فلان فتبين غيره فإنه هنا لم يقصد الصلاة على ذلك الحاضر .

                [ ص: 221 ] والمقصود هنا : أن التلفظ بالنية لا يجب عند أحد من الأئمة : ولكن بعض المتأخرين خرج وجها في مذهب الشافعي بوجوب ذلك وغلطه جماهير أصحاب الشافعي وكان غلطه أن الشافعي قال : لا بد من النطق في أولها فظن هذا الغالط أن الشافعي أراد النطق بالنية فغلطه أصحاب الشافعي جميعهم وقالوا : إنما أراد النطق بالتكبير لا بالنية . ولكن التلفظ بها هل هو مستحب ؟ أم لا ؟ هذا فيه قولان معروفان للفقهاء .

                منهم من استحب التلفظ بها كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وقالوا : التلفظ بها أوكد واستحبوا التلفظ بها في الصلاة والصيام والحج وغير ذلك .

                ومنهم من لم يستحب التلفظ بها كما قال ذلك من قاله من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما . وهذا هو المنصوص عن مالك وأحمد سئل تقول قبل التكبير شيئا ؟ قال : لا .

                وهذا هو الصواب فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول قبل التكبير شيئا ولم يكن يتلفظ بالنية لا في الطهارة ولا في الصلاة ولا في الصيام ولا في الحج . ولا غيرها من العبادات ولا خلفاؤه ولا أمر أحدا أن يتلفظ بالنية بل قال لمن علمه الصلاة : كبر ; كما في [ ص: 222 ] الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين } ولم يتلفظ قبل التكبير بنية ولا غيرها ولا علم ذلك أحدا من المسلمين . ولو كان ذلك مستحبا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولعظمه المسلمون .

                وكذلك في الحج إنما كان يستفتح الإحرام بالتلبية وشرع للمسلمين أن يلبوا في أول الحج { وقال - صلى الله عليه وسلم - لضباعة بنت الزبير : حجي واشترطي فقولي : لبيك اللهم لبيك ومحلي حيث حبستني } فأمرها أن تشترط بعد التلبية .

                ولم يشرع لأحد أن يقول قبل التلبية شيئا . لا يقول : اللهم إني أريد العمرة والحج ولا الحج والعمرة ولا يقول : فيسره لي وتقبله مني ولا يقول : نويتهما جميعا ولا يقول : أحرمت لله ولا غير ذلك من العبادات كلها . ولا يقول قبل التلبية شيئا بل جعل التلبية في الحج كالتكبير في الصلاة .

                وكان هو وأصحابه يقولون : فلان أهل بالحج أهل بالعمرة ; أو أهل بهما جميعا . كما يقال كبر للصلاة والإهلال رفع الصوت بالتلبية وكان يقول في تلبيته : { لبيك حجا وعمرة } ينوي ما يريد [ أن ] [ ص: 223 ] يفعله بعد التلبية ; لا قبلها .

                وجميع ما أحدثه الناس من التلفظ بالنية قبل التكبير وقبل التلبية وفي الطهارة وسائر العبادات فهي من البدع التي لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكل ما يحدث في العبادات المشروعة من الزيادات التي لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي بدعة بل كان صلى الله عليه وسلم يداوم في العبادات على تركها ففعلها والمداومة عليها بدعة وضلالة من وجهين : من حيث اعتقاد المعتقد أن ذلك مشروع مستحب أي يكون فعله خير من تركه مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعله ألبتة فيبقى حقيقة هذا القول أن ما فعلناه أكمل وأفضل مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                وقد سأل رجل مالك بن أنس عن الإحرام قبل الميقات فقال : " أخاف عليك الفتنة فقال له السائل : أي فتنة في ذلك ؟ وإنما زيادة أميال في طاعة الله عز وجل . قال : وأي فتنة أعظم من أن تظن في نفسك أنك خصصت بفضل لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

                وقد ثبت في الصحيحين أنه قال : { من رغب عن سنتي فليس مني } فأي من ظن أن سنة أفضل من سنتي فرغب عما سننته معتقدا [ ص: 224 ] أن ما رغب فيه أفضل مما رغب عنه فليس مني ; لأن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب بذلك يوم الجمعة .

                فمن قال : إن هدي غير محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من هدي محمد فهو مفتون ; بل ضال قال الله تعالى - إجلالا له وتثبيتا لحجته على الناس كافة - { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } أي : وجيع .

                وهو صلى الله عليه وسلم قد أمر المسلمين باتباعه وأن يعتقدوا وجوب ما أوجبه واستحباب ما أحبه . وأنه لا أفضل من ذلك . فمن لم يعتقد هذا فقد عصى أمره وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { هلك المتنطعون - قالها ثلاثا - } أي المشددون في غير موضع التشديد ; وقال أبي بن كعب وابن مسعود اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة .

                ولا يحتج محتج بجمع التراويح ويقول : " نعمت البدعة هذه " فإنها بدعة في اللغة لكونهم فعلوا ما لم يكونوا يفعلونه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذه وهي سنة من الشريعة . وهكذا إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ومصر الأمصار كالكوفة [ ص: 225 ] والبصرة وجمع القرآن في مصحف واحد وفرض الديوان وغير ذلك . فقيام رمضان سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وصلى بهم جماعة عدة ليال وكانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون جماعة وفرادى لكن لم يداوم على جماعة واحدة لئلا يفترض عليهم فلما مات صلى الله عليه وسلم استقرت الشريعة .

                فلما كان عمر - رضي الله عنه - جمعهم على إمام واحد والذي جمعهم أبي بن كعب جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعمر هو من الخلفاء الراشدين حيث يقول صلى الله عليه وسلم { عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ } يعني الأضراس ; لأنها أعظم في القوة .

                وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أنه قال : " صلاة السفر ركعتان فمن خالف السنة كفر " فأي من اعتقد أن الركعتين في السفر لا تجزئ المسافر كفر .

                والوجه الثاني : من حيث المداومة على خلاف ما داوم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادات ; فإن هذا بدعة باتفاق الأئمة وإن ظن الظان أن في زيادته خيرا كما أحدثه بعض المتقدمين من الأذان والإقامة في العيدين فنهوا عن ذلك وكرهه أئمة المسلمين كما [ ص: 226 ] لو صلى عقيب السعي ركعتين قياسا على ركعتي الطواف وقد استحب ذلك بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي . واستحب بعض المتأخرين من أصحاب أحمد في الحاج إذا دخل المسجد الحرام أن يستفتح بتحية المسجد فخالفوا الأئمة والسنة وإنما السنة أن يستفتح المحرم بالطواف كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد ; بخلاف المقيم الذي يريد الصلاة فيه دون الطواف فهذا إذا صلى تحية المسجد فحسن . وفي الجملة : فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكمل الله له ولأمته الدين وأتم به صلى صلى الله عليه وسلم عليهم النعمة فمن جعل عملا واجبا ما لم يوجبه الله ورسوله أو [ مكروها ] لم يكرهه الله ورسوله فهو غالط . فإجماع أئمة الدين أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله ومن خرج عن هذا وهذا فقد دخل في حرب من الله فمن شرع من الدين ما لم يأذن به الله وحرم ما لم يحرم الله ورسوله فهو من دين أهل الجاهلية المخالفين لرسوله الذين ذمهم الله في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما من السور حيث شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله . فحرموا ما لم يحرمه الله وأحلوا ما حرمه الله فذمهم الله وعابهم على ذلك .

                فلهذا كان دين المؤمنين بالله ورسوله أن الأحكام الخمسة : الإيجاب [ ص: 227 ] والاستحباب والتحليل والكراهية والتحريم لا يؤخذ إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولا حلال إلا ما أحله الله ورسوله .

                فمن ذلك ما اتفق عليه أئمة الدين ومنه ما تنازعوا فيه فردوه إلى الله ورسوله قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } .

                فمن تكلم بجهل وبما يخالف الأئمة فإنه ينهى عن ذلك ويؤدب على الإصرار كما يفعل بأمثاله من الجهال ولا يقتدى في خلاف الشريعة بأحد من أئمة الضلالة وإن كان مشهورا عنه العلم . كما قال بعض السلف : لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك والله أعلم . والحمد لله .




                الخدمات العلمية