الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 33 ] سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله عمن يقول : إن النصوص تظاهرت ظواهرها على ما هو جسم أو يشعر به والعقل دل على تنزيه الباري عز وجل عنه ; فالأسلم للمؤمن أن يقول : هذا " متشابه " لا يعلم تأويله إلا الله . فقال له قائل : هذا لا بد له من ضابط وهو الفرق في الصفات بين المتشابه وغيره ; لأن دعوى التأويل في كل الصفات باطل وربما أفضى إلى الكفر ويلزم منه أن لا يعلم لصفة من صفاته معنى فلا بد حينئذ من الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول فقال : كل ما دل دليل العقل على أنه تجسيم كان ذلك متشابها . فهل هذا صحيح أم لا ؟ ابسطوا القول في ذلك .

                [ ص: 66 ]

                التالي السابق


                فأجاب : - الحمد لله رب العالمين . هذه " مسألة " كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا وإنما نشأ ذلك في أوائل المائة الثانية لما ظهر " الجعد بن درهم " وصاحبه " الجهم بن صفوان " ومن اتبعهما من المعتزلة وغيرهم على إنكار الصفات .

                [ ص: 34 ] فظهرت مقالة الجهمية النفاة - نفاة الصفات - قالوا : لأن إثبات الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك ; لأن " الصفات " التي هي العلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك أعراض ومعان تقوم بغيرها والعرض لا يقوم إلا بجسم والله تعالى ليس بجسم ; لأن الأجسام لا تخلو من الأعراض الحادثة وما لا يخلو من الحوادث فهو محدث .

                قالوا : وبهذا استدللنا على حدوث الأجسام ; فإن بطل هذا بطل الاستدلال على حدوث الأجسام فيبطل الدليل على حدوث العالم فيبطل الدليل على إثبات الصفات .

                قالوا : وإذا كانت الأعراض التي هي الصفات لا تقوم إلا بجسم والجسم مركب من أجزائه والمركب مفتقر إلى غيره ولا يكون غنيا عن غيره واجب الوجود بنفسه والله تعالى غني عن غيره واجب الوجود بنفسه .

                قالوا : ولأن الجسم محدود متناه ; فلو كان له صفات لكان محدودا متناهيا ; وذلك لا بد أن يكون له مخصص خصصه بقدر دون قدر وما افتقر إلى مخصص لم يكن غنيا قديما واجب الوجود بنفسه . قالوا : ولأنه لو قامت به الصفات لكان جسما ولو كان جسما لكان مماثلا لسائر الأجسام فيجوز عليه ما يجوز عليها ويمتنع عليه ما يمتنع عليها وذلك ممتنع على الله تعالى .

                [ ص: 35 ] وزاد الجهم في ذلك هو والغلاة - من القرامطة والفلاسفة - نحو ذلك فقالوا : وليس له اسم كالشيء والحي والعليم ونحو ذلك ; لأنه إذا كان له اسم من هذه الأسماء لزم أن يكون متصفا بمعنى الاسم كالحياة والعلم ; فإن صدق المشتق مستلزم لصدق المشتق منه ; وذلك يقتضي قيام الصفات به وذلك محال ; ولأنه إذا سمي بهذه الأسماء فهي مما يسمى به غيره . والله منزه عن مشابهة الغير .

                وزاد آخرون بالغلو فقالوا : لا يسمى بإثبات ولا نفي ولا يقال : موجود ولا لا موجود ولا حي ولا لا حي ; لأن في الإثبات تشبيها له بالموجودات وفي النفي تشبها له بالمعدومات وكل ذلك تشبيه .

                فلما ظهر هؤلاء الجهمية أنكر السلف والأئمة مقالتهم وردوها وقابلوها بما تستحق من الإنكار الشرعي وكانت خفية إلى أن ظهرت وقويت شوكة الجهمية في أواخر " المائة الأولى " وأوائل " الثانية " في دولة أولاد الرشيد فامتحنوا الناس المحنة المشهورة التي دعوا الناس فيها إلى القول بخلق القرآن ولوازم ذلك : مثل إنكار الرؤية والصفات بناء على أن القرآن هو من جملة الأعراض ; فلو قام بذات الله لقامت به الأعراض فيلزم التشبيه والتجسيم .

                وحدث مع الجهمية قوم شبهوا الله تعالى بخلقه ; فجعلوا صفاته من جنس صفات المخلوقين فأنكر السلف والأئمة على الجهمية المعطلة وعلى المشبهة الممثلة وكان إمام المعتزلة " أبو الهذيل العلاف " ونحوه من نفاة الصفات قالوا : يقتضي أن يكون جسما والله تعالى منزه عن ذلك . قال هؤلاء : بل هو جسم والجسم [ ص: 36 ] هو القائم بنفسه أو الموجود أو غير ذلك من المقالات وطعنوا في أدلة نفاة الجسم بكلام طويل لا يتسع له الجواب هنا .

                ثم من هؤلاء من قال : هو جسم كالأجسام ومنهم من وصفه بخصائص المخلوقات وحكي عن كل واحدة من الطائفتين مقالات شنيعة .

                وجاء " أبو محمد بن كلاب فقال هو وأتباعه : هو الموصوف بالصفات ولكن ليست الصفات أعراضا ; إذ هي قديمة باقية لا تعرض ولا تزول ولكن لا يوصف بالأفعال القائمة به كالحركات ; لأنها تعرض وتزول .

                فقال ابن كرام وأتباعه : لكنه موصوف بالصفات وإن قيل إنها أعراض وموصوف بالأفعال القائمة بنفسه وإن كانت حادثة . ولما قيل لهم : هذا يقتضي أن يكون جسما قالوا : نعم هو جسم كالأجسام وليس ذلك ممتنعا دائما وإنما الممتنع أن يشابه المخلوقات فيما يجب ويجوز ويمتنع ومنهم من قال : أطلق لفظ الجسم لا معناه . وبين هؤلاء المتكلمين النظار بحوث طويلة مستوفاة في غير هذا الموضع .

                وأما " السلف والأئمة " فلم يدخلوا مع طائفة من الطوائف فيما ابتدعوه من نفي أو إثبات بل اعتصموا بالكتاب والسنة ورأوا ذلك هو الموافق لصريح العقل فجعلوا كل لفظ جاء به الكتاب والسنة من أسمائه وصفاته حقا يجب الإيمان به وإن لم تعرف حقيقة معناه وكل لفظ أحدثه الناس فأثبته قوم ونفاه آخرون فليس علينا أن نطلق إثباته ولا نفيه حتى نفهم مراد المتكلم فإن كان [ ص: 37 ] مراده حقا موافقا لما جاءت به الرسل والكتاب والسنة : من نفي أو إثبات قلنا به ; وإن كان باطلا مخالفا لما جاء به الكتاب والسنة من نفي أو إثبات منعنا القول به ورأوا أن الطريقة التي جاء بها القرآن هي الطريقة الموافقة لصريح المعقول وصحيح المنقول وهي طريقة الأنبياء والمرسلين .

                وأن الرسل صلوات الله عليهم جاءوا بنفي مجمل وإثبات مفصل ; ولهذا قال سبحانه وتعالى : { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين } فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب وطريقة الرسل هي ما جاء بها القرآن والله تعالى في القرآن يثبت الصفات على وجه التفصيل وينفي عنه - على طريق الإجمال - التشبيه والتمثيل .

                فهو في القرآن يخبر أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه عزيز حكيم غفور رحيم وأنه سميع بصير وأنه غفور ودود وأنه تعالى - على عظم ذاته - يحب المؤمنين ويرضى عنهم ويغضب على الكفار ويسخط عليهم وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كلم موسى تكليما وأنه تجلى للجبل فجعله دكا ; وأمثال ذلك .

                ويقول في النفي { ليس كمثله شيء } { هل تعلم له سميا } { فلا تضربوا لله الأمثال } { قل هو الله أحد } { الله الصمد } { لم يلد ولم يولد } { ولم يكن له كفوا أحد } فيثبت الصفات وينفي مماثلة المخلوقات .

                [ ص: 38 ] ولما كانت طريقة السلف : أن يصفوا الله بما وصف به نفسه ربما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل . ومخالفو الرسل يصفونه بالأمور السلبية : ليس كذا ليس كذا . فإذا قيل لهم : فأثبتوه . قالوا : هو وجود مطلق أو ذات بلا صفات .

                وقد علم " بصريح المعقول " أن المطلق بشرط الإطلاق لا يوجد إلا في الأذهان ; لا في الأعيان وأن المطلق لا بشرط لا يوجد في الخارج مطلقا لا يوجد إلا معينا ولا يكون للرب عندهم حقيقة مغايرة للمخلوقات بل إما أن يعطلوه أو يجعلوه وجود المخلوقات أو جزأها أو وصفها والألفاظ المجملة يكفون عن معناها .

                فإذا قال قوم : إن الله في جهة أو حيز وقال قوم : إن الله ليس في جهة ولا حيز استفهموا كل واحد من القائلين عن مراده ; فإن لفظ الجهة والحيز فيه إجمال واشتراك . فيقولون : ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق والله تعالى منزه بائن عن مخلوقاته ; فإنه سبحانه خلق المخلوقات بائنة عنه متميزة عنه خارجة عن ذاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته ولو لم يكن مباينا لكان إما مداخلا لها حالا فيها أو محلا لها والله تعالى منزه عن ذلك .

                وإما أن لا يكون مباينا لها ولا مداخلا لها فيكون معدوما والله تعالى منزه عن ذلك .

                والجهمية نفاة الصفات تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد أو يصرحون [ ص: 39 ] بذلك وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل فنفاتهم لا يعبدون شيئا ومثبتتهم يعبدون كل شيء ويقال أيضا فإذا كان ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق فالخالق بائن عن المخلوق .

                فإذا قال القائل : هو في جهة أو ليس في جهة . قيل له : الجهة أمر موجود أو معدوم فإن كان أمرا موجودا ; ولا موجود إلا الخالق والمخلوق والخالق بائن عن المخلوق لم يكن الرب في جهة موجودة مخلوقة . وإن كانت الجهة أمرا معدوما بأن يسمى ما وراء العالم جهة فإذا كان الخالق مباينا العالم وكان ما وراء العالم جهة مسماة وليس هو شيئا موجودا كان الله في جهة معدومة بهذا الاعتبار . لكن لا فرق بين قول القائل : هو في معدوم ; وقوله ليس في شيء غيره ; فإن المعدوم ليس شيئا باتفاق العقلاء .

                ولا ريب أن لفظ الجهة يريدون به تارة معنى موجودا وتارة معنى معدوما بل المتكلم الواحد يجمع في كلامه بين هذا وهذا فإذا أزيل الاحتمال ظهر حقيقة الأمر فإذا قال القائل : لو كان في جهة لكانت قديمة معه . قيل له : هذا إذا أريد بالجهة أمر موجود سواه فالله ليس في جهة بهذا الاعتبار .

                وإذا قال : لو رئي لكان في جهة وذلك محال ; قيل له : إن أردت بذلك : لكان في جهة موجودة فذلك محال ; فإن الموجود يمكن رؤيته وإن لم يكن في موجود غيره : كالعالم فإنه يمكن رؤية سطحه وليس هو في عالم آخر . وإن قال : أردت أنه لا بد أن يكون فيما يسمى جهة ولو معدوما ; فإنه إذا كان [ ص: 40 ] مباينا للعالم سمي ما وراء العالم جهة . قيل له : فلم قلت : إنه إذا كان في جهة بهذا الاعتبار كان ممتنعا ؟ فإذا قال : لأن ما باين العالم ورئي لا يكون إلا جسما أو متحيزا عاد القول إلى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد إلى لفظ الجهة . فيقال له : المتحيز يراد به ما حازه غيره ويراد به ما بان عن غيره - فكان متحيزا عنه - فإن أردت بالمتحيز الأول لم يكن سبحانه متحيزا لأنه بائن عن المخلوقات لا يحوزه غيره وإن أردت الثاني فهو سبحانه بائن عن المخلوقات منفصل عنها ليس هو حالا فيها ولا متحدا بها .

                فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل وإلا فكل من نفى شيئا من الأسماء والصفات سمي من أثبت ذلك مجسما قائلا بالتحيز والجهة . فالمعتزلة ونحوهم يسمون الصفاتية - الذين يقولون : إن الله تعالى حي بحياة عليم بعلم قدير بقدرة سميع بسمع بصير ببصر متكلم بكلام يسمونهم - مجسمة مشبهة حشوية والصفاتية هم السلف والأئمة وجميع الطوائف المثبتة للصفات : كالكلابية والكرامية والأشعرية والسالمية وغيرهم من طوائف الأمة قالت نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة وطائفة من الفلاسفة لهؤلاء : إذا أثبتم له حياة وقدرة وكلاما فهذه أعراض والأعراض لا تقوم إلا بجسم وإذا قلتم : يرى فالرؤية لا تكون إلا لمعاين في جهة وهذا يستلزم التجسيم .

                فإذا قالت الأشعرية ومن اتبعهم : نحن نثبت هذه الصفات ولا نسميها أعراضا ; لأن العرض ما يعرض لمحله وهذه الصفات باقية لا تزول . قالت لهم النفاة : هذا نزاع لفظي ; فإن العرض عندكم ينقسم إلى لازم لمحله لا يفارقه - ما دام [ ص: 41 ] المحل موجودا - وإلى ما يجوز أن يفارق محله فالأول كالتحيز للجسم بل وكالحيوانية والناطقية للإنسان فإنه ما دام إنسانا لا تفارقه هذه الصفة .

                وأما قولكم : إن العرض لا يبقى زمانين فهذا شيء انفردتم به من بين سائر العقلاء : وكابرتم به الحس لتنجوا بالمغاليط عن هذه الإلزامات المفحمة ثم إنكم تقولون بتجدد أمثاله فهذا هو معنى بقاء العرض وهذا كما قلتم إنه يرى بلا مواجهة ولا مدابرة ولا يتوجه إليه الرائي بجهة من جهاته فهذا أيضا مما انفردتم به عن العقلاء وكابرتم به الحس والعقل . قالت لهم النفاة : فأثبتم ما يستلزم التجسيم والتشبيه والحشو أو نفيتم التلازم فخالفتم صريح العقل والضرورة .

                ولهذا صار حذاقكم إلى أنكم في الحقيقة موافقون لنا على نفي رؤية الله تعالى ولكن أظهرتم إثباتها لكونه المشهور عند " الحشوية " المشهورين بالسنة والجماعة ; ليقال : إنكم منهم أو أثبتم ذلك تناقضا منكم فأنتم دائرون بين المناقضة والمداهنة .

                فإن كان الرجل ممن يوافق نفاة الصفات ويثبت أسماء الله الحسنى - كما تفعل المعتزلة وهم أئمة الكلام - سماه نفاة أسماء الله الحسنى مشبها حشويا مجسما : كما فعلت القرامطة الحاكمية الباطنية وغيرهم وقالوا : إذا قلتم إنه موجود عليم حي قدير فهذا هو القول بالتشبيه والتجسيم والحشو فإن ذلك مشابهة لغيره من المخلوقات ولأنه لا يعقل موجود حي عليم قدير إلا جسما ولأن هذه الأسماء تستلزم الصفات . والصفات تستلزم التجسيم .

                [ ص: 42 ] فإن كان الرجل ممن ينفي الأسماء والصفات - كما تفعله غلاة الجهمية والقرامطة والفلاسفة - فلا بد له أن يثبت أنه موجود .

                وحينئذ فتقول له النفاة : أنت مجسم مشبه حشوي ; لأنه إذا كان موجودا فقد شاركه غيره في معنى الوجود وهو التشبيه ; لأنه لا يعقل موجود إلا جسم أو قائم بجسم ; فحينئذ يحتاج أن يقول : لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت أو لا موجود ولا لا موجود ولا حي ولا لا حي فيلزم نفي النقيضين جميعا وما هو في معنى النقيضين وذلك من أعظم الأمور الباطلة في بديهة العقل مع أنه يلزم على قياس قولهم تشبيهه بالممتنعات ; لأن ما ليس بموجود ولا معدوم لا يكون له حقيقة أصلا - لا موجودة ولا معدومة - بل هو أمر مقدر في الأذهان لا يتحقق في الأعيان هذا مع ما التزمه من الكفر الصريح .

                ولو قدر أنه نفى الوجود الواجب القديم بالكلية لكان مع الكفر الذي هو أصل كل كفر قد كابر القضايا الضرورية فإنا نشهد الموجودات ونعلم أن كل موجود إما قديم وإما محدث وإما واجب موجود بنفسه وإما ممكن بنفسه موجود بغيره . وكل محدث وممكن بنفسه موجود بغيره فلا بد له من قديم واجب بنفسه فالوجود بالضرورة يستلزم إثبات موجود قديم . ومن الوجود ما هو ممكن محدث : كما نشهده في المحدثات من الحيوان والنبات .

                فإذا علم بضرورة العقول أن الوجود فيه ما هو موجود قديم واجب بنفسه وفيه ما هو محدث موجود ممكن بنفسه فهذان الموجودان اتفقا في مسمى [ ص: 43 ] الوجود وامتاز واحد منهما عن الآخر بخصوص وجوده فمن لم يثبت ما بين الموجودين من الاتفاق وما بينهما من الافتراق وإلا لزمه أن تكون الموجودات كلها قديمة واجبة بأنفسها أو محدثة ممكنة مفتقرة إلى غيرها وكلاهما معلوم الفساد بالاضطرار . فتعين إثبات الاتفاق من وجه والامتياز من وجه ونحن نعلم أن ما امتاز به الخالق الموجود عن سائر الموجودات أعظم مما تمتاز به سائر الموجودات بعضها عن بعض فإذا كان " الملك " و " البعوض " قد اشتركا في مسمى الوجود والحي مع تفاوت ما بينهما فالخالق سبحانه أولى بمباينته للمخلوقات ; وإن حصلت الموافقة في بعض الأسماء والصفات .



                [ ص: 44 ] فصل : إذا ظهرت هذه المقدمة تبين لنا أن قول القائل : كل ما قام دليل العقل على أنه يدل على التجسيم كان متشابها جواب لا ينقطع به النزاع ولا يحصل به الانتفاع ولا يحصل به الفرق بين الصحيح والسقيم والزائغ والقويم .

                وذلك أنه ما من ناف ينفي شيئا من الأسماء والصفات إلا وهو يزعم : أنه قد قام عنده دليل العقل على أنه يدل على التجسيم فيكون متشابها فيلزم حينئذ أن تكون جميع الأسماء والصفات متشابهات وحينئذ فيلزم التعطيل المحض وأن لا يفهم من أسماء الله تعالى وصفاته معنى ولا يميز بين معنى الحي والعليم والقدير والرحيم والجبار والسلام ولا بين معنى الخلق والاستواء وبين الإماتة والإحياء ولا بين المجيء والإتيان وبين العفو والغفران .

                بيان ذلك : أن من نفى الصفات من الجهمية والمعتزلة والقرامطة الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة يقولون ; إذا قلتم ; إن القرآن غير مخلوق وإن لله تعالى علما وقدرة وإرادة فقد قلتم بالتجسيم ; فإنه قد قام دليل العقل على أن هذا يدل على التجسيم ; لأن هذه معاني لا تقوم بنفسها : لا تقوم إلا بغيرها سواء سميت صفات أو أعراضا أو غير ذلك .

                [ ص: 45 ] قالوا : ونحن لا نعقل قيام المعنى إلا بجسم فإثبات معنى يقوم بغير جسم غير معقول . فإن قال المثبت : بل هذه المعاني يمكن قيامها بغير جسم كما أمكن عندنا وعندكم إثبات عالم قادر ليس بجسم . قالت المثبتة : الرضا والغضب والوجه واليد والاستواء والمجيء وغير ذلك : فأثبتوا هذه الصفات أيضا وقولوا : إنها تقوم بغير جسم .

                فإن قالوا : لا يعقل رضا وغضب ; إلا ما يقوم بقلب هو جسم ولا نعقل وجها ويدا إلا ما هو بعض من جسم . قيل لهم : ولا نعقل علما إلا ما هو قائم بجسم ولا قدرة إلا ما هو قائم بجسم ولا نعقل سمعا وبصرا وكلاما إلا ما هو قائم بجسم . فلم فرقتم بين المتماثلين ؟ وقلتم : إن هذه يمكن قيامها بغير جسم وهذه لا يمكن قيامها إلا بجسم وهما في المعقول سواء .

                فإن قالوا : الغضب هو غليان دم القلب لطلب الانتقام : والوجه هو ذو الأنف والشفتين واللسان والخد ; أو نحو ذلك .

                قيل لهم : إن كنتم تريدون غضب العبد ووجه العبد فوزانه أن يقال لكم : ولا يعقل بصر إلا ما كان بشحمة . ولا سمع إلا ما كان بصماخ ولا كلام إلا ما كان بشفتين ولسان ; ولا إرادة إلا ما كان لاجتلاب منفعة أو استدفاع مضرة ; وأنتم تثبتون للرب السمع والبصر والكلام والإرادة على خلاف صفات العبد ; فإن كان ما تثبتونه مماثلا لصفات العبد لزمكم التمثيل في الجميع وإن كنتم تثبتونه على الوجه اللائق بجلال الله تعالى من غير مماثلة بصفات المخلوقات فأثبتوا الجميع على هذا الوجه المحدود ; ولا فرق بين صفة وصفة ; فإن ما نفيتموه [ ص: 46 ] من الصفات يلزمكم فيه نظير ما أثبتموه فإما أن تعطلوا الجميع وهو ممتنع ; وإما أن تمثلوه بالمخلوقات وهو ممتنع وإما أن تثبتوا الجميع على وجه يختص به لا يماثله فيه غيره . وحينئذ فلا فرق بين صفة وصفة فالفرق بينهما بإثبات أحدهما ونفي الآخر فرارا من التشبيه والتجسيم قول باطل يتضمن الفرق بين المتماثلين والتناقض في المقالتين .

                فإن قال : دليل العقل دل على أحدهما دون الآخر كما يقال : إنه دل على الحياة والعلم والإرادة ; دون الرضا والغضب ونحو ذلك .

                فالجواب من وجوه : ( أحدها : أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول عليه ; فهب أنه لم يعلم بالعقل ثبوت أحدها فإنه لا يعلم نفيه بالعقل أيضا ولا بالسمع فلا يجوز نفيه ; بل الواجب إثباته إن قام دليل على إثباته وإلا توقف فيه .

                ( الثاني : أن يقال : إنه يمكن إقامة دليل العقل على حبه وبغضه وحكمته ورحمته وغير ذلك من صفاته ; كما يقام على مشيئته كما قد بين في غير هذا الموضع .

                ( الثالث : أن يقال : السمع دل على ذلك والعقل لا ينفيه فيجب العمل بالدليل السالم عن المعارض . فإن عاد فقال : بل العقل ينفي ذلك ; لأن هذه الصفات تستلزم التجسيم والعقل ينفي التجسيم . قيل له : القول في هذه الصفات التي تنفيها كالقول في الصفات التي أثبتها ; فإن كان هذا مستلزما [ ص: 47 ] للتجسيم فكذلك الآخر وإن لم يكن مستلزما للتجسيم فكذلك الآخر . فدعوى المدعي الفرق بينهما بأن أحدهما يستلزم التشبيه أو التجسيم دون الآخر تفريق بين المتماثلين وجمع بين النقيضين ; فإن ما نفاه في أحدهما أثبته في الآخر وما أثبته في أحدهما نفاه في الآخر فهو يجمع بين النقيضين .

                ولهذا قال المحققون : كل من نفى شيئا من الأسماء والصفات الثابتة بالكتاب والسنة فإنه متناقض لا محالة ; فإن دليل نفيه فيما نفاه هو بعينه يقال فيما أثبته فإن كان دليل العقل صحيحا بالنفي وجب نفي الجميع وإن لم يكن لم يجب نفي شيء من ذلك فإثبات شيء ونفي نظيره تناقض باطل .

                فإن قال المعتزلي : إن الصفات تدل على التجسيم ; لأن الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم ; فلهذا تأولت نصوص الصفات دون الأسماء . قيل له : يلزمك ذلك في الأسماء ; فإن ما به استدللت على أن من له حياة وعلم وقدرة لا يكون إلا جسما يستدل به خصمك على أن العليم القدير الحي لا يكون إلا جسما . فيقال لك : إثبات حي عليم قدير لا يخلو إما أن يستلزم التجسيم أو لا يستلزم فإن استلزم لزمك إثبات الجسم فلا يكون لرؤيته محدودا على التقديرين وإن لم يستلزم أمكن أن يقال : إن إثبات العلم والقدرة والإرادة لا يستلزم التجسيم فإن كان هذا لا يستلزم فهذا لا يستلزم وإن كان هذا يستلزم فهذا يستلزم فلا فرق بينهما وإن فرق فهو تناقض جلي .

                فإن قال الجهمي والقرمطي والفلسفي الموافق لهما : أنا أنفي الأسماء [ ص: 48 ] والصفات معا قيل له : لا يمكنك أن تنفي جميع الأسماء ; إذ لا بد من إشارة القلب وتعبير اللسان عما تثبته . فإن قلت : ثابت موجود محقق معلوم قديم واجب . أي شيء قلت كنت قد سميته وهب أنك لا تنطق بلسانك : إما أن تثبت بقلبك موجودا واجبا قديما وإما أن لا تثبته فإن لم تثبته كان الوجود خاليا عن موجد واجب قديم وحينئذ فتكون الموجودات كلها محدثة ممكنة وبالاضطرار يعلم أن المحدث الممكن لا يوجد إلا بقديم واجب فصار نفيك له مستلزما لإثباته ثم هذا هو الكفر والتعطيل الصريح الذي لا يقول به عاقل .

                وإن قلت : أنا لا أخطر ببالي النظر في ذلك ولا أنطق فيه بلساني . قيل لك : إعراض قلبك عن العلم ولسانك عن النطق لا يقتضي قلب الحقائق ولا عدم الموجودات ; فإن ما كان حقا موجودا ثابتا في نفسك فهو كذلك علمته أو جهلته وذكرته أو نسيته وذلك لا يقتضي إلا الجهل بالله تعالى والغفلة عن ذكر الله والإعراض عنه والكفر به وذلك لا يقتضي أنه في نفسه ليس حقا موجودا له الأسماء الحسنى والصفات العلى .

                ولا ريب أن هذا هو غاية القرامطة الباطنية والمعطلة الدهرية أنهم يبقون في ظلمة الجهل وضلال الكفر ; لا يعرفون الله ولا يذكرونه ليس لهم دليل على نفيه ونفي أسمائه وصفاته ; فإن هذا جزم بالنفي وهم لا يجزمون ولا دليل لهم على النفي ; وقد أعرضوا عن أسمائه وآياته وصاروا جهالا به ; كافرين به غافلين عن ذكره ; موتى القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته .

                [ ص: 49 ] ثم إذا فعلوا ذلك بزعمهم لئلا يقعوا في " التشبيه والتجسيم " قيل لهم : ما فررتم إليه شر مما فررتم عنه فإن الإقرار بالصانع على أي وجه كان خير من نفيه . وأيضا فإن هذا العالم المشهود : كالسماء والأرض إن كان قديما واجبا بنفسه فقد جعلتم الجسم المشهود قديما واجبا بنفسه وهذا شر مما فررتم منه . وإن لم يكن قديما واجبا بنفسه لزم أن يكون له صانع قديم واجب بنفسه وحينئذ تتضح معرفته وذكره بأن إثبات الرب بالقلب واللسان حق لا ريب فيه سمعا وعقلا ; فإن كان ذلك مستلزما لما سميتموه تشبيها وتجسيما فلازم الحق حق وإن لم يكن مستلزما له أمكنكم إثباته بدون هذا الكلام . فظهر تناقض النفاة كيف صرفت عليهم الدلالات وظهر تناقض من يثبت بعض الصفات دون بعض .

                فإن قالت " النفاة " : إنما نفينا الصفات لأن دليلنا على حدوث العالم وإثبات الصانع دل على نفيها ; فإن الصانع أثبتناه بحدوث العالم وحدوث العالم إنما أثبتناه بحدوث الأجسام والأجسام إنما أثبتنا حدوثها بحدوث الصفات التي هي الأعراض . أو قالوا : إنما أثبتنا حدوثها بحدوث الأفعال التي هي الحركات وإن القابل لها لا يخلو منها وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ; أو أن ما قبل المجيء والإتيان والنزول كان موصوفا بالحركة وما اتصف بالحركة لم يخل منها أو من السكون الذي هو ضدها وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فإذا ثبت حدوث الأجسام قلنا : إن المحدث لا بد له من محدث فأثبتنا الصانع بهذا ; [ ص: 50 ] فلو وصفناه بالصفات أو بالأفعال القائمة به لجاز أن تقوم الأفعال والصفات بالقديم وحينئذ فلا يكون دليلا على حدوث الأجسام فيبطل دليل إثبات الصفات .

                فيقال لهم : الجواب من وجوه : ( أحدها : أن بطلان هذا الدليل المعين لا يستلزم بطلان جميع الأدلة وإثبات الصانع له طرق كثيرة لا يمكن ضبط تفاصيلها وإن أمكن ضبط جملها . ( الثاني : أن هذا الدليل لم يستدل به أحد من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين فلو كانت معرفة الرب عز وجل والإيمان به موقوفة عليه للزم أنهم كانوا غير عارفين بالله ولا مؤمنين به وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين .

                ( الثالث : أن الأنبياء والمرسلين لم يأمروا أحدا بسلوك هذا السبيل فلو كانت المعرفة موقوفة عليه وهي واجبة لكان واجبا وإن كانت مستحبة كان مستحبا ولو كان واجبا أو مستحبا لشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان مشروعا لنقلته الصحابة .



                [ ص: 51 ] فصل : في جمل " مقالات الطوائف " و " موادهم " أما ( باب الصفات والتوحيد : فالنفي فيه في الجملة قول " الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم من الجهمية " وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق ; وكذلك بين البغداديين والبصريين اختلاف في السمع والبصر هل هو علم أو إدراك غير العلم ؟ وفي الإرادة .

                وهذا المذهب الذي يسميه السلف : قول جهم لأنه أول من أظهره في الإسلام وقد بينت إسناده فيه في غير هذا الموضع ; أنه متلقى من الصابئة الفلاسفة والمشركين البراهمة واليهود السحرة .

                والإثبات في الجملة مذهب " الصفاتية " من الكلابية والأشعرية والكرامية وأهل الحديث وجمهور الصوفية والحنبلية وأكثر المالكية والشافعية إلا الشاذ منهم وكثير من الحنفية أو أكثرهم وهو قول السلفية ; لكن الزيادة في الإثبات إلى حد التشبيه هو قول الغالية من الرافضة ومن جهال أهل الحديث وبعض المنحرفين . وبين نفي الجهمية وإثبات المشبهة مراتب .

                [ ص: 52 ] " فالأشعرية " وافق بعضهم في الصفات الخبرية وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية ; وأما في الصفات القرآنية فلهم قولان : فالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها وبعضهم يقر ببعضها ; وفيهم تجهم من جهة أخرى فإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم ; وابن الباقلاني أكثر إثباتا بعد الأشعري في " الإبانة " وبعد ابن الباقلاني ابن فورك فإنه أثبت بعض ما في القرآن .

                و " أما الجويني " ومن سلك طريقته : فمالوا إلى مذهب المعتزلة ; فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم قليل المعرفة بالآثار فأثر فيه مجموع الأمرين .

                والقشيري تلميذ ابن فورك ; فلهذا تغلظ مذهب الأشعري من حينئذ ووقع بينه وبين الحنبلية تنافر بعد أن كانوا متوالفين أو متسالمين .

                و " أما الحنبلية " فأبو عبد الله بن حامد قوي في الإثبات جاد فيه ينزع لمسائل الصفات الخبرية ; وسلك طريقه صاحبه القاضي أبو يعلى ; لكنه ألين منه وأبعد عن الزيادة في الإثبات .

                وأما أبو عبد الله بن بطة فطريقته طريقة المحدثين المحضة [ ص: 53 ] كأبي بكر الآجري في " الشريعة " واللالكائي في السنن والخلال مثله قريب منه وإلى طريقته يميل الشيخ أبو محمد ومتأخرو المحدثين .

                و " أما التميميون " كأبي الحسن وابن أبي الفضل وابن رزق الله فهم أبعد عن الإثبات وأقرب إلى موافقة غيرهم وألين لهم ; ولهذا تتبعهم الصوفية ويميل إليهم فضلاء الأشعرية : كالباقلاني والبيهقي ; فإن عقيدة أحمد التي كتبها أبو الفضل هي التي اعتمدها البيهقي مع أن القوم ماشون على السنة .

                وأما ابن عقيل فإذا انحرف وقع في كلامه مادة قوية معتزلية في الصفات والقدر وكرامات الأولياء ; بحيث يكون الأشعري أحسن قولا منه وأقرب إلى السنة .

                فإن الأشعري ما كان ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث وإمامهم عنه أحمد بن حنبل وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز وغيره في مناظراته : ما يقتضي أنه عنده من متكلمي أهل الحديث لم يجعله مباينا لهم ; وكانوا قديما متقاربين إلا أن فيهم من ينكر عليه ما قد ينكرونه على من خرج منهم إلى شيء من الكلام ; لما في ذلك من البدعة ; مع أنه في أصل مقالته ليس على السنة المحضة بل هو مقصر عنها تقصيرا معروفا .

                و " الأشعرية " فيما يثبتونه من السنة فرع على الحنبلية كما أن متكلمة الحنبلية - فيما يحتجون به من القياس العقلي - فرع عليهم ; وإنما وقعت الفرقة بسبب فتنة القشيري .

                [ ص: 54 ] ولا ريب أن " الأشعرية " الخراسانيين كانوا قد انحرفوا إلى التعطيل . وكثير من الحنبلية زادوا في الإثبات .

                وصنف القاضي أبو يعلى كتابه في " إبطال التأويل " رد فيه على ابن فورك شيخ القشيري وكان الخليفة وغيره مائلين إليه ; فلما صار للقشيرية دولة بسبب السلاجقة جرت تلك الفتنة وأكثر الحق فيها كان مع الفرائية مع نوع من الباطل وكان مع القشيرية فيها نوع من الحق مع كثير من الباطل .

                فابن عقيل إنما وقع في كلامه المادة المعتزلية بسبب شيخه أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان المعتزليين ; ولهذا له في كتابه " إثبات التنزيه " وفي غيره كلام يضاهي كلام المريسي ونحوه لكن له في الإثبات كلام كثير حسن وعليه استقر أمره في كتاب " الإرشاد " مع أنه قد يزيد في الإثبات لكن مع هذا فمذهبه في الصفات قريب من مذهب قدماء الأشعرية والكلابية في أنه يقر ما دل عليه القرآن والخبر المتواتر ويتأول غيره ; ولهذا يقول بعض الحنبلية أنا أثبت متوسطا بين تعطيل ابن عقيل وتشبيه ابن حامد .

                والغزالي في كلامه مادة فلسفية كبيرة بسبب كلام ابن سينا في " الشفا " وغيره ; " ورسائل إخوان الصفا " وكلام أبي حيان التوحيدي .

                وأما المادة المعتزلية في كلامه فقليلة أو معدومة

                كما أن المادة الفلسفية في كلام ابن عقيل قليلة أو معدومة [ ص: 55 ] وكلامه في " الإحياء " غالبه جيد لكن فيه مواد فاسدة : مادة فلسفية ومادة كلامية ومادة من ترهات الصوفية ; ومادة من الأحاديث الموضوعة .

                وبينه وبين ابن عقيل قدر مشترك من جهة تناقض المقالات في الصفات ; فإنه قد يكفر في أحد الصفات بالمقالة التي ينصرها في المصنف الآخر ; وإذا صنف على طريقة طائفة غلب عليه مذهبها .

                وأما ابن الخطيب فكثير الاضطراب جدا لا يستقر على حال وإنما هو بحث وجدل بمنزلة الذي يطلب ولم يهتد إلى مطلوبه ; بخلاف أبي حامد فإنه كثيرا ما يستقر .

                و " الأشعرية " الأغلب عليهم أنهم مرجئة في " باب الأسماء والأحكام " . جبرية في " باب القدر " ; وأما في الصفات فليسوا جهمية محضة بل فيهم نوع من التجهم .

                و " المعتزلة " وعيدية في " باب الأسماء والأحكام " . قدرية في " باب القدر " . جهمية محضة - واتبعهم على ذلك متأخرو الشيعة وزادوا عليهم الإمامة والتفضيل وخالفوهم في الوعيد - وهم أيضا يرون الخروج على الأئمة .

                وأما " الأشعرية " فلا يرون السيف موافقة لأهل الحديث وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى مذهب أهل السنة والحديث .

                و " الكلابية وكذلك الكرامية " فيهم قرب إلى أهل السنة والحديث وإن كان في مقالة كل من الأقوال ما يخالف أهل السنة والحديث .

                [ ص: 56 ] وأما " السالمية " فهم والحنبلية كالشيء الواحد إلا في مواضع مخصوصة تجري مجرى اختلاف الحنابلة فيما بينهم وفيهم تصوف ومن بدع من أصحابنا هؤلاء يبدع أيضا التسمي في الأصول بالحنبلية وغير ذلك ولا يرى أن يتسمى أحد في الأصول إلا بالكتاب والسنة وهذه " طريقة جيدة " لكن هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد ; فإن مسائل الدق في الأصول لا يكاد يتفق عليها طائفة ; إذ لو كان كذلك لما تنازع في بعضها السلف من الصحابة والتابعين وقد ينكر الشيء في حال دون حال . وعلى شخص دون شخص .

                وأصل هذا ما قد ذكرته في غير هذا الموضع : أن المسائل الخبرية قد يكون بمنزلة المسائل العملية ; وإن سميت تلك " مسائل أصول " وهذه " مسائل فروع " فإن هذه تسمية محدثة قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين ; وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب ; لا سيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة .

                وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أن الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها ; فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها وكثيرا ما يكرهون الكلام في كل مسألة ليس فيها عمل كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين " مسائل أصول " والدقيق " مسائل فروع " .

                [ ص: 57 ] فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم وأنه سميع بصير وأن القرآن كلام الله ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة ; ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر كما أن من جحد هذه كفر .

                وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية ; بل هذا هو الغالب فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل ; وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره .

                وأما الأعمال الواجبة : فلا بد من معرفتها على التفصيل ; لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مفصلة ; ولهذا تقر الأمة من يفصلها على الإطلاق وهم الفقهاء ; وإن كان قد ينكر على من يتكلم في تفصيل الجمل القولية ; للحاجة الداعية إلى تفصيل الأعمال الواجبة وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب الإيمان بها مجملة .

                وقولنا : إنها قد تكون بمنزلتها يتضمن أشياء : ( منها : أنها تنقسم إلى قطعي وظني .

                و ( منها : أن المصيب وإن كان واحدا فالمخطئ قد يكون معفوا عنه وقد يكون مذنبا وقد يكون فاسقا وقد يكون كالمخطئ في الأحكام العملية [ ص: 58 ] سواء ; لكن تلك لكثرة فروعها والحاجة إلى تفريعها : اطمأنت القلوب بوقوع التنازع فيها والاختلاف بخلاف هذه ; لأن الاختلاف هو مفسدة لا يحتمل إلا لدرء ما هو أشد منه .

                فلما دعت الحاجة إلى تفريع الأعمال وكثرة فروعها وذلك مستلزم لوقوع النزاع اطمأنت القلوب فيها إلى النزاع ; بخلاف الأمور الخبرية ; فإن الاتفاق قد وقع فيها على الجمل ; فإذا فصلت بلا نزاع فحسن ; وإن وقع التنازع في تفصيلها فهو مفسدة من غير حاجة داعية إلى ذلك .

                ولهذا ذم أهل الأهواء والخصومات وذم أهل الجدل في ذلك والخصومة فيه ; لأنه شر وفساد من غير حاجة داعية إليه ; لكن هذا القدر لا يمنع تفصيلها ومعرفة دقها وجلها .

                والكلام في ذلك إذا كان بعلم ولا مفسدة فيه ولا يوجب أيضا تكفير كل من أخطأ فيها إلا أن تقوم فيه شروط التكفير هذا لعمري في الاختلاف الذي هو تناقض حقيقي .

                فأما سائر وجوه الاختلاف كاختلاف التنوع والاختلاف الاعتباري واللفظي فأمره قريب وهو كثير أو غالب على الخلاف في المسائل الخبرية .

                وأما " الصوفية والعباد " بل وغالب العامة فالاعتبار عندهم بنفس الأعمال الصالحة وتركها ; فإذا وجدت - دخل الرجل بذلك فيهم - وإن أخطأ في [ ص: 59 ] بعض المسائل الخبرية - وإلا لم يدخل ولو أصاب فيها ; بل هم معرضون عن اعتبارها والأصول عندهم هي ويسمون هذه الأصول .

                ومما يتصل بذلك : أن المسائل الخبرية العلمية قد تكون واجبة الاعتقاد وقد تجب في حال دون حال وعلى قوم دون قوم ; وقد تكون مستحبة غير واجبة وقد تستحب لطائفة أو في حال كالأعمال سواء .

                وقد تكون معرفتها مضرة لبعض الناس فلا يجوز تعريفه بها كما قال علي - رضي الله عنه - : " حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون ; أتحبون أن يكذب الله ورسوله " وقال ابن مسعود رضي الله عنه " ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم " .

                وكذلك قال ابن عباس - رضي الله عنه - لمن سأله عن قوله تعالى : { الله الذي خلق سبع سماوات } . الآية فقال : ما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها لكفرت ؟ وكفرك تكذيبك بها . وقال لمن سأله عن قوله تعالى { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } هو يوم أخبر الله به ; الله أعلم به ومثل هذا كثير عن السلف .

                فإذا كان العلم " بهذه المسائل " قد يكون نافعا وقد يكون ضارا لبعض الناس تبين لك أن القول قد ينكر في حال دون حال ومع شخص [ ص: 60 ] دون شخص ; وإن العالم قد يقول القولين الصوابين كل قول مع قوم ; لأن ذلك هو الذي ينفعهم ; مع أن القولين صحيحان لا منافاة بينهما ; لكن قد يكون قولهما جميعا فيه ضرر على الطائفتين ; فلا يجمعهما إلا لمن لا يضره الجمع .

                وإذا كانت قد تكون قطعية . وقد تكون اجتهادية : سوغ اجتهاديتها ما سوغ في المسائل العملية وكثير من تفسير القرآن أو أكثره من هذا الباب ; فإن الاختلاف في كثير من التفسير هو من باب المسائل العلمية الخبرية لا من باب العملية ; لكن قد تقع الأهواء في المسائل الكبار كما قد تقع في مسائل العمل .

                وقد ينكر أحد القائلين على القائل الآخر قوله إنكارا يجعله كافرا أو مبتدعا فاسقا يستحق الهجر وإن لم يستحق ذلك وهو أيضا اجتهاد .

                وقد يكون ذلك التغليظ صحيحا في بعض الأشخاص أو بعض الأحوال لظهور السنة التي يكفر من خالفها ; ولما في القول الآخر من المفسدة الذي يبدع قائله ; فهذه أمور ينبغي أن يعرفها العاقل ; فإن القول الصدق إذا قيل : فإن صفته الثبوتية اللازمة أن يكون مطابقا للمخبر .

                أما كونه عند المستمع معلوما أو مظنونا أو مجهولا أو قطعيا أو ظنيا أو يجب قبوله أو يحرم أو يكفر جاحده أو لا يكفر ; فهذه أحكام عملية تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال .

                [ ص: 61 ] فإذا رأيت إماما قد غلظ على قائل مقالته أو كفره فيها فلا يعتبر هذا حكما عاما في كل من قالها إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه والتكفير له ; فإن من جحد شيئا من الشرائع الظاهرة وكان حديث العهد بالإسلام أو ناشئا ببلد جهل لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية .

                وكذلك العكس إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت ; لعدم بلوغ الحجة له ; فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم ; فهذا أصل عظيم فتدبره فإنه نافع .

                وهو أن ينظر في " شيئين في المقالة " هل هي حق ؟ أم باطل ؟ أم تقبل التقسيم فتكون حقا باعتبار باطلا باعتبار ؟ وهو كثير وغالب ؟ .

                ثم النظر الثاني في حكمه إثباتا أو نفيا أو تفصيلا واختلاف أحوال الناس فيه فمن سلك هذا المسلك أصاب الحق قولا وعملا وعرف إبطال القول وإحقاقه وحمده فهذا هذا والله يهدينا ويرشدنا إنه ولي ذلك والقادر عليه .



                [ ص: 62 ] فصل : قد عرف أن الأشياء لها وجود في " الأعيان " ووجود في " الأذهان " ووجود في " اللسان " ووجود في " البنان " وهو : العيني والعلمي واللفظي والرسمي .

                ثم قال : من قال : إن الوجود العيني والعلمي لا يختلف باختلاف الأعصار والأمصار والأمم ; بخلاف اللفظي والرسمي فإن اللغات تختلف باختلاف الأمم كالعربية والفارسية والرومية والتركية .

                وهذا قد يذكره بعضهم في " كلام الله تعالى " أنه هو المعنى الذي لا يختلف باختلاف الأمم دون الحروف التي تختلف ; كما هو قول الكلابية والأشعرية ويضمون إلى ذلك أن كتبه إنما اختلفت لاختلاف لفظها فقط ; فكلامه بالعبرية هو التوراة وبالعربية هو القرآن كما يقولون : إن " المعنى القديم " يكون أمرا ونهيا وخبرا ; فهذه صفات عارضة له ; لا أنواع له .

                ويذكر بعضهم هذا القول مطلقا في " أصول الفقه " في مسائل اللغات ويذكره بعضهم في مسألة الاسم والمسمى وأسماء الله الحسنى كأبي حامد .

                [ ص: 63 ] قلت : وهذا القول فيه نظر وبعضه باطل ; وذلك أن ألفاظ اللغات ( منها متفق عليه كالتنور وكما يوجد من الأسماء المتحدة في اللغات .

                و ( منها : متنوع كأكثر اللغات واختلافها اختلاف تنوع لا تضاد ; كاختلاف الاسمين للمسمى الواحد .

                وكذلك معاني اللغات ; فإن " المعنى الواحد " الذي تعلمه الأمم ; وتعبر عنه كل أمة بلسانها ; قد يكون ذلك المعنى واحدا بالنوع في الأمم ; بحيث لا يختلف كما يختلف اللفظ الواحد بالعربية .

                وقد يكون تصور ذلك المعنى متنوعا في الأمم مثل : أن يعلمه أحدهم بنعت ويعبر عنه باعتبار ذلك النعت وتعلمه الأمة الأخرى بنعت آخر وتعبر عنه باعتبار ذلك النعت كما هو الواقع في أسماء الله وأسماء رسوله وكتابه وكثير من الأسماء المعبر بها عن الأشياء المتفق على علمها في الجملة " فتكري وخداي ونست شك " ونحو ذلك . وإن كانت أسماء لله تعالى فليس معناها مطابقا من كل وجه لمعنى اسم الله ; وكذلك " بيغنير وبهشم " ونحو ذلك .

                ولهذا إذا تأملت الألفاظ التي يترجم بها القرآن - من الألفاظ الفارسية والتركية وغيرها - تجد بين المعاني نوع فرق وإن كانت متفقة في الأصل كما أن اللغتين متفقتان في الصوت وإن اختلفتا في تأليفه ; وقد تجد التفاوت بينها أكثر من التفاوت بين الألفاظ " المتكافئة " - الواقعة بين المترادفة والمتباينة - كالصارم والمهند ; وكالريب والشك والمور والحركة والصراط والطريق .

                [ ص: 64 ] وتختلف اللغتان أيضا في قدر ذلك المعنى وعمومه وخصوصه ; كما تختلف في حقيقته ونوعه وتختلف أيضا في كيفيته وصفته وغير ذلك .

                بل الناطقان بالاسم الواحد باللغة الواحدة يتصور أحدهما منه ما لم يتصور الآخر حقيقته وكميته وكيفيته وغير ذلك ; فإذا كان المعنى المدلول عليه بالاسم الواحد لا يتحد من كل وجه في قلب الناطقين ; بل ولا في قلب الناطق الواحد في الوقتين ; فكيف يقال إنه يجب اتحاده في اللغات المتعددة .

                يوضح ذلك أن ما تعلمه الملائكة منه ليس على حد ما يعلمه البشر وما يعلمه الله فيه ليس على حد ما تعلمه الملائكة ; لكن الاختلاف اختلاف تنوع لا تضاد .

                وأما قول من قال : إن معاني الكتب المنزلة سواء ففساده معلوم بالاضطرار فإنا لو عبرنا عن معاني القرآن بالعبرية وعن معاني التوراة بالعربية لكان أحد المعنيين ليس هو الآخر بل يعلم بالاضطرار تنوع معاني الكتب واختلافها اختلاف تنوع أعظم من اختلاف حروفها ; لما بين العربية والعبرية من التفاوت ; وكذلك معاني البقرة ليست هي معاني آل عمران .

                وأبعد من ذلك جعل الأمر هو الخبر . ولا ينكر أن هذه المختلفات قد تشترك في حقيقة ما كما أن اللغات تشترك في حقيقة ما فإن جاز أن يقال : إنها واحدة مع تنوعها : فكذلك اللغات سواء بل اختلاف المعاني أشد .

                أما دعوى كون أحدهما صفة حقيقية والأخرى وضعية : فليس كذلك [ ص: 65 ] وهذا موضع ينتفع به في " الأسماء واللغات " و " في أصول الدين " و " الفقه " وفي معرفة " ترجمة اللغات " .

                وأيضا : لم يجر العرف بأن اللغة الواحدة واللفظ الواحد [ يكون ] النطق به من جميع الناطقين على حد واحد ليس فيه تفاوت أصلا فإن حصل المقصود بالجميع فكذلك المعنى الواحد فإن اللغات وإن اختلفت فقد يحصل أصل المقصود بالترجمة فكذلك المعاني : فإن الترجمة تكون في اللفظ والمعنى . ولهذا سمى المسلمون ابن عباس ترجمان القرآن وهو يترجم اللفظ



                [ ص: 66 ] فصل : مما يبين أن طريقة اتباع الأنبياء من " أهل السنة " هي الموصلة إلى الحق دون طريقة من خالفهم من الفلاسفة والمتكلمين : أن المقصود هو العلم وطريقه هو الدليل والأنبياء جاءوا بالإثبات المفصل والنفي المجمل كإثبات الصفات لله مفصلة ونفي الكفؤ عنه .

                و " الفلاسفة " يجيئون بالنفي المفصل : ليس بكذا ولا كذا . فإذا جاء الإثبات أثبتوا وجودا مجملا واضطربوا في " أول مقامات ثبوته " وهو أن وجوده هو عين ذاته أو صفة ذاتية لها أو عرضية ؟ ونحو ذلك من النزاعات الذهنية اللفظية .

                ومعلوم أن النفي لا وجود له ولا يعلم النفي والعدم إلا بعد العلم بالثبوت والوجود حتى إن طائفة من المتكلمين نفوا العلم بالمعدوم إلا إذا جعل شيئا لأن العلم - فيما زعموا - لا بد أن يتعلق بشيء والتحقيق أن العلم بالعدم يحصل بواسطة العلم بالموجود فإذا علمنا أنه " لا إله إلا الله " تصورنا إلها موجودا . وعلمنا عدم ما تصورناه إلا عن الله .

                وكذلك سائر ما ننفيه لا بد أن نتصوره أولا ثم ننفيه ولا نتصوره إلا بعد [ ص: 67 ] تصور شيء موجود ثم نتصور ما شابهه أو ما يتركب من أجزائه كتصور بحر زئبق وجبل ياقوت وآلهة متعددة ونحو ذلك : ثم ننفيه ; وإلا فتصور معدوم مبتدع لا يناسب الموجودات بوجه لا يمكن العقل إبداعه ; سواء كان من العلوم النظرية أو العلمية كتصور الفاعل ما يفعله قبل فعله .

                فإنه في الحقيقة تصور معدوم ; ليوجد ; كما أن غيره تصور معدوم ممكن أو ممتنع يوجد أو لا يوجد فالمعدوم الفعلي وغير الفعلي لا يبتدعه عقل الإنسان من غير مادة وجودية كما لا تبدع قدرته شيئا من غير مادة وجودية وإنما الإبداع من خصائص الربوبية . وكيف يعلم ؟ وكيف يفعل ؟ باب آخر .

                فتبين بهذا : أن العلم بالموجود وصفاته هو الأصل وأن العلم بالعدم المطلق والمقيد تبع له وفرع عليه . وأيضا فالعلم بالعدم لا فائدة للعالم به إلا لتمام العلم بالموجود وتمام الموجود في نفسه ; إذ تصور " لا شيء " لا يستفيد به العالم صفة كمال لكن علمه بانتفاء النقائص مثلا عن الموجود علم بكماله .

                وكذلك العلم بنفي الشركاء عنه علم بوحدانيته التي هي من الكمال وكذلك تصور ما يراد فعله مفض إلى وجود الفعل وتصور ما يراد تركه مفض إلى الترك الذي هو عدم الشر الذي يكمل الموجود بعدمه .

                وذلك أن هذا الذي ذكرته في العلم والقول يقال مثله في الإرادة والعمل ; فإن الإرادة متوجهة إلى الموجود بنفسه الذي هو الفعل ومتوجهة إلى العدم الذي هو الترك على طريق التبع لدفع الفساد عن المقصود الموجود .




                الخدمات العلمية