الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          [ ص: 2975 ] وإذا كان ذلك طريق الفوز عند الله، وفي الحياة الدنيا والآخرة - فإن الإنسانية كلها مخاطبة بها، ولذا قال تعالى آمرا نبيه بخطاب الناس كافة بهذه الشريعة السمحة البيضاء: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون .

                                                          إن شريعة النبي الأمي هي شريعة الناس جميعا لا فرق بين أحمر وأسود وأصفر، ولذلك أمره الله تعالى أن يخاطب بها الناس جميعا; ولذلك كان الخطاب بقوله: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا لا فرق بين قبيل وقبيل وجماعة وجماعة، فما كان ما اشتملت عليه رسالتي علاجا لجماعة ظهرت فيها أمراض نفسية واعتقادية ولكن لصلاح البشرية أينما كانوا، وكما قال تعالى على لسان نبيه: لأنذركم به ومن بلغ ولذا نادى الناس، ولم يختص بندائه المؤمنين، بل عم بندائه الناس، وأكد هذا التعميم بقوله تعالى: جميعا وبأن الرسالة إليكم معشر الناس أجمعين.

                                                          وإن الرسالة السامية ذات خطر وشأن، وتجب طاعتها، والاستجابة لها، وذلك لأنها من الله تعالى: الذي له ملك السماوات والأرض فله ملك الكون والسلطان، وهو مالك كل شيء، فهذا الوصف لإلقاء مهابة الرسالة في نفوس الناس، فهي رسالة من ملك السماوات والأرض، وله السلطان المطلق فيها، ولا يوجد سلطان مطلق في الوجود لغيره، وهو العزيز الرحيم.

                                                          وهو لا يملك السماوات والأرض وما فيهما من أكوان فحسب، بل يملك كل حي فيها من نبات وحيوان وإنسان، وهو الذي يملك الحياة والموت; ولذا قال تعالى: يحيي ويميت

                                                          [ ص: 2976 ] وإذا كان له الملك، هو مالك كل شيء، ومالك الحياة والموت لكل الأحياء - فإنه الجدير بالعبادة وحده، وهو الذي يكرم رسوله، فمكانة الرسول مستمدة من مكانة من أرسله، ولذا قال تعالى: فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته الفاء هنا لربط ما قبلها بما بعدها برابطة السببية، أي: ما ذكر من كمال سلطانه في الكون جماده والأحياء فيه.

                                                          والإيمان بالله تعالى هو الإيمان بوجوده، وأنه الخالق الفاعل المختار، وأنه صاحب السلطان في الأكوان والإنسان، وأنه المعبود وحده بحق، ولا معبود بحق سواه، وبعبارة أعم: الإيمان بالله وبوحدانيته في الخلق والتكوين والذات والصفات، والإيمان بالله تعالى إلها معبودا.

                                                          والإيمان بالرسول التصديق به رسولا من رب العالمين، والإيمان بصدق ما يدعو إليه، وأنه من عند الله العليم الحكيم، واتباعه في كل ما جاء به والاقتداء به، واتخاذه أسوة في العمل الصالح الذي يهدي إليه، ووصفه سبحانه بثلاثة أوصاف تفيد كماله في رسالته:

                                                          الوصف الأول: أنه النبي، أي الذي يخبر عن الله تعالى، وأن ما يدعو إليه هو ما كلفه الله إياه من يطع الرسول فقد أطاع الله

                                                          والوصف الثاني: أنه الأمي، الذي ينطق بالفطرة وبالوحي، وأن حاله تدل على صدق معجزته، وأنه لا علم عنده إلا ما علمه الله تعالى رب العالمين، وإن ما معه من كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه تنزيل من حكيم حميد.

                                                          والوصف الثالث: ما ذكره - سبحانه وتعالى - بقوله: الذي يؤمن بالله وكلماته وإيمانه بالله هو ما ذكرنا، وإيمانه بكلماته هو الإيمان بالقرآن، فهو [ ص: 2977 ] كلمات الله التامة الكاملة التي لا يعادلها أو تقارب أي كلام من البشر، والذي تحدى الناس أن يأتوا بسورة منه فعجزوا فقامت عليهم الحجة.

                                                          ورجح بعض المفسرين أن كلمات الله تعالى لا تخص القرآن وحده، وإن كان أكملها وأبقاها، إنما يشمل الكتب التي نزلت على النبيين من قبل من التوراة والإنجيل والزبور، وغيرهم مما لم يذكره الله - سبحانه وتعالى - وإن هذا يدل على أن رسالة كل الأنبياء واحدة .

                                                          وذكر الإيمان بالله وبكلماته في هذا الموضع للدلالة على أنها رسالة واحدة، وهي الإيمان بالله وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ليس بوالد ولا ولد.

                                                          وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذه الأوصاف السامية التي اختصه الله تعالى بها فإن الإيمان به واجب، واتباعه اتباع لأمر الله ونهيه; ولذا قال تعالى: واتبعوه لعلكم تهتدون الفاء لربط ما قبلها بما بعدها بالإفصاح عن سببيتها لرجاء الاهتداء، والرجاء من العباد لا من الله تعالى; لأن الله تعالى لا يرجو إنما يرجو عباده، يرجون بالإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واتباعه أن يهتدوا إلى الحق والبر، فيهتدوا إلى الجنة وهي نعم الجزاء الأوفى.

                                                          والآية دليل على عموم الرسالة المحمدية ، وأنه - عليه السلام - بعث للألوان كلها، وكما قال - صلى الله عليه وسلم -: " كان كل نبي يبعث في قومه، وإنما بعثت في الأحمر والأسود ".

                                                          وروى مسلم ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار " .

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية