الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها فعليه شاة ) [ ص: 55 ] لأن النقصان بترك الأقل يسير فأشبه النقصان بسبب الحدث فتلزمه شاة . فلو رجع إلى أهله أجزأه أن لا يعود [ ص: 56 ] ويبعث بشاة لما بينا ( ومن ترك أربعة أشواط بقي محرما أبدا حتى يطوفها ) لأن المتروك أكثر فصار كأنه لم يطف أصلا .

التالي السابق


( قوله : يسير ) لرجحان جانب الوجود بالكثرة . وعن هذا ما ذكر من أن الركن عندنا هو الأربعة الأشواط ، والثلاثة الباقية واجبة ; لأن تركها يجبر بالدم ، وإنما يجبر به الواجب . وهذا حكم لا يعلل به ; لأنه محل النزاع إذ جبرها بالدم ممنوع عند من يخالف فيه وهم كثيرون ، بل جبرها به لإقامة الأكثر مقام الكل . وسبب اختصاص هذه العبادة به على خلاف الصلاة والصوم إذ لا يقام الأكثر منهما مقام الكل قوله عليه الصلاة والسلام { الحج عرفة } ، ومن وقف بعرفات فقد تم حجه مع العلم ببقاء ركن آخر عليه ، وحكمنا لهذا بالأمن من فساد الحج إذا تحقق بعد الوقوف ما يفسده قبله . فعلمنا أن باب الحج اعتبر فيه شرعا هذا الاعتبار والطواف منه فأجرينا فيه ذلك ، وهذا هو الأوجه في إثبات الإقامة المذكورة . وإنما قلنا : إن هذا الوجه أوجه ; لأن الوجه الآخر غير منتهض ، وهو أن المأمور به الطواف وهو يحصل بمرة ، فلما فعله عليه الصلاة والسلام سبعا احتمل كونه تقديرا للكمال ولما لا يجزي أقل منه فيثبت المتيقن من ذلك وهو أنه شرط للكمال أو للاعتداد ، ويقام الأكثر مقام الكل كإدراك الركوع يجعل شرعا إدراكا للركعة ، وكالنية في أكثر النهار للصوم تجعل شرعا في كله . ولا يخفى أن المأمور به التطوف ، وهو أخص يقتضي زيادة تكلف ، وهو يحتمل كونه من حيث الإسراع ومن حيث التكثر ، فلما فعله عليه الصلاة والسلام متكثرا كان تنصيصا على أحد المحتملين ، ثم وقوع التردد بين كونه للكمال أو للاعتداد على السواء لا يستلزم كون المتيقن كونه للكمال فإنه محض تحكم في أحد المحتملين المتساويين ، بل في مثله يجب الاحتياط فيعتبر للاعتداد ; ليقع اليقين بالخروج عن العهدة . وعلى اعتبار كونه للاعتداد يكون إقامة أكثره مقام كله منافيا له في التحقيق ، إذ كون السبع للاعتداد معناه أنه لا يجزي أقل منها .

وإقامة الأكثر لازمه حصول الإجزاء بأقل من السبع فكيف يرتب لازما على شيء وهو مناف للملزوم ، ثم بتقديره فإثباته بإلحاق مدرك الركوع والنية باطل . أما إدراك الركعة بالركوع فبالشرع على خلاف القياس ، ولذا لم يقل بإجزاء ثلاث ركعات عن الأربع قياسا . وأما النية فبعيد أنه من رد المختلف إلى المختلف فإنا نعتبر الإمساكات السابقة على وجود النية متوقفة على وجودها ، فإذا وجدت بأن ينوي أنه صائم من أول النهار تحقق [ ص: 56 ] صرف ذلك الموقوف كله لله تعالى ، فإنما تعلقت النية بالكل ; لوجودها في الأكثر لا بالأكثر ، وكان سبب تصحيح تعلقها بالكل من غير قران وجودها بالكل الحرج اللازم من اشتراط قران وجودها للكل بسبب النوم الحاكم على ما أسلفنا إيضاحه في كتاب الصوم ، وليس ما نحن فيه كذلك .

هذا وأما الوجه الأول فهو وإن كان أوجه لكنه غير سالم مما يدفع به . وذلك أن إقامة الأكثر في تمام العبادة إنما هو في حق حكم خاص وهو أمن الفساد والفوات ليس غير ، ولذا لم يحكم بأن ترك ما بقي : أعني الطواف يتم معه الحج وهو مورد ذلك النص ، فلا يلزم جواز إقامة أكثر كل جزء منه مقام تمام ذلك الجزء وترك باقيه ، كما لم يجز ذلك في نفس مورد النص : أعني الحج ، فلا ينبغي التعويل على هذا الحكم ، والله أعلم . بل الذي ندين به أن لا يجزي أقل من السبع ، ولا يجبر بعضه بشيء غير أنا نستمر معهم في التقرير على أصلهم هذا . ( قوله ويبعث بشاة ) يعني عن الباقي من طواف الزيارة وبشاة أخرى [ ص: 57 ] لترك طواف الصدر ، وهذا لأن بعث الشاة لترك بعض طواف الزيارة لا يتصور إلا إذا لم يكن طاف للصدر ، فإنه لو طاف للصدر انتقل منه إلى طواف الزيارة ما يكمله ثم ينظر في الباقي من طواف الصدر إن كان أقله لزمه صدقة له وإلا فدم ، ولو كان طاف للصدر في آخر أيام التشريق وقد ترك من طواف الزيارة أكثره كمل من الصدر ولزمه دمان في قول أبي حنيفة : دم لتأخير ذلك ، ودم آخر لتركه أكثر الصدر ، وإن كان قد ترك أقله لزمه للتأخير دم وصدقة للمتروك من الصدر مع ذلك الدم . وجملته أن عليه في ترك الأقل من طواف الزيارة دما ، وفي تأخير الأقل صدقة ، وفي ترك الأكثر من طواف الصدر دما ، وفي ترك أقله صدقة . ومبنى هذا النقل ما تقدم من أن طواف الزيارة ركن عبادة ، والنية ليست بشرط لكل ركن إلا أنه يستقل عبادة في نفسه فشرط له نية أصل الطواف دون التعيين . فلو طاف في وقته ينوي النذر أو النفل وقع عنه ، كما لو نوى بالسجدة من الظهر النفل لغت نيته ووقعت عن الركن وإن توالي الأشواط ليس بشرط لصحة الطواف ، كمن خرج من الطواف لتجديد وضوء ففعل ثم رجع بنى .




الخدمات العلمية