الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 307 - 308 ] ( ولا حد على من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها ) لأن الرائحة محتملة ، وكذا الشرب قد يقع عن إكراه أو اضطرار ( ولا يحد السكران حتى يعلم أنه سكر من النبيذ [ ص: 309 ] وشربه طوعا ) لأن السكر من المباح لا يوجب الحد كالبنج ولبن الرماك ، وكذا شرب المكره لا يوجب الحد ( ولا يحد حتى يزول عنه السكر ) تحصيلا لمقصود الانزجار .

التالي السابق


والمصنف قيد وجوب الحد بقوله ( ولا يحد السكران حتى يعلم أنه سكر من النبيذ وشربه طوعا لأن السكر من المباح لا يوجب الحد ) فقد ذكروا أن ما يتخذ من الحبوب كلها والعسل يحل شربه عند أبي حنيفة : يعني إذا شرب منها من غير لهو ولا طرب فلا يحد بالسكر منها عنده .

ولا يقع طلاقه إذا طلق وهو سكران منها كالنائم ، إلا أن المصنف في كتاب الأشربة قال : وهل يحد في المتخذ من الحبوب إذا سكر منه ؟ قيل لا يحد . وقد ذكرنا الوجه من قبل ، قالوا : الأصح أنه يحد ، فإنه روى عن محمد فيمن سكر من الأشربة أنه يحد من غير تفصيل ، وهذا لأن الفساق يجتمعون عليه اجتماعهم على سائر الأشربة بل فوق ذلك ، وكذلك المتخذ من الألبان إذا اشتد فهو على هذا ا هـ . وهو قول محمد ، فقد صرح بأن إطلاق قوله هنا لأن السكر من المباح لا يوجب حدا غير المختار ، ورواية عبد العزيز عن أبي حنيفة وسفيان أنهما سئلا فيمن شرب البنج فارتفع إلى رأسه وطلق امرأته هل يقع ؟ قالا : إن كان يعلمه حين شربه ما هو يقع ( قوله ولا حد على من وجد به ريح الخمر أو تقيأها لأن الرائحة محتملة ) فلا يثبت بالاحتمال ما يندرئ بالشبهات ( وكذا الشرب قد يكون عن إكراه ) فوجود عينها في القيء لا يدل على الطواعية ، فلو وجب [ ص: 309 ] الحد وجب بلا موجب ، وأورد عليه أنه قال من قريب ، والتمييز بين الروائح ممكن للمستدل فقطع الاحتمال وهنا عكس .

قال المورد : وتكلف بعضهم في توجيهه ، يريد به صاحب النهاية بأن الاحتمال في نفس الروائح قبل الاستدلال والتمييز بعد الاستدلال على وجه الاستقصاء . قال : ولقائل أن يقول إذا كان التمييز يحصل بالاستدلال فإذا استدل على الوجه المذكور في هذه الصورة يرتفع الاحتمال في الرائحة فينبغي أن يحد حينئذ ولم يقل به أحد ، ونقل أيضا عنه أن التمييز لمن يعاينه ، ونظر فيه بأن من عاين الشرب يبني على يقين لا على استدلال وتخمين ، وصاحب الهداية أثبت التمييز في صورة الاستدلال لا في صورة العيان ا هـ .

فبقي الإشكال بحاله . ولا يخفى أن المراد معاينة الشرب والاستدلال لا ينافيه لأن المشروب جاز كونه غير الخمر فيستدل على أنه خمر بالرائحة فكون المصنف جعل التمييز يفيده الاستدلال لا ينافي حالة العيان ، أي عيان الشرب ، ثم لا شك أن كون الشيء محتملا لا ينافي أن يستدل عليه بقرائن بحيث يحكم به مع شبهة ما ، فلا ملازمة بين الاحتمال وعدم الاستدلال عليه ، بل جاز أن يثبت الاستدلال مع ثبوت ضرب من الاحتمال فلا يصح قوله أنه قطع الاحتمال حيث ذكر أنه يمكن التمييز بالاستدلال ، ولا شك أن المنظور إليه والمقصود في الموضعين ثبوت طريق الدرء ، أما الموضع الثاني وهو عدم الحد بوجود الرائحة والتقيؤ فظاهر ، وطريقه أنه لو ثبت الحد لكان مع شبهة عدمه لأن الرائحة محتملة وإن استدل عليها فإن فيها مع الدليل شبهة قوية فلا يثبت الحد معها ، وأما في الموضع الأول فلا شك أن في إثبات اشتراط عدم التقادم لقبول البينة والإقرار درءا كثيرا واسعا ، ولا يمكن إثبات هذا الطريق الكائن للدرء إلا باعتبار إمكان تمييز رائحة الخمر من غيرها ، فحكم باعتبار التمييز بالاجتهاد في الاستدلال وإن كان ملزوما لشبهة النفي ليتمكن من تحصيل هذا الطريق الواسع للدرء ، لأنه لو لم يعتبر التمييز مع ما فيه من شبهة لكان الشهادة والإقرار معمولا بهما في أزمنة كثيرة متأخرة بلا رائحة فيقام بذلك ما لا يحصى من الحدود .

وحين اشترط ذلك وضحت طريقه مع الشبهة والاحتمال ، فظهر أن كلا صحيح في موضعه فدرء الحد في مجرد الرائحة والقيء للاحتمال وردت الشهادة بلا رائحة ، إذ لا يمكن التمييز إلا مع الاحتمال ( قوله ولا يحد ) السكران ( حتى يزول عنه السكر تحصيلا لمقصود الانزجار ) وهذا بإجماع الأئمة الأربعة ، لأن غيبوبة العقل وغلبة الطرب والشرح يخفف الألم ، حتى حكي لي أن بعض المتصابين استدعوا إنسانا ليضحكوا عليه به أخلاط ثقيلة لزجة بركبتيه لا يقلهما إلا بكلفة ومشقة ، فلما غلب على عقله ادعى القوة والإقدام ، فقال له بعض الحاضرين ممازحا ليس بصحيح وإلا فضع هذه الجمرة على ركبتك ، فأقدم ووضعها حتى أكلت ما هناك [ ص: 310 ] من لحمه وهو لا يلتفت حتى طفئت أو أزالها بعض الحاضرين الشك مني فلما أفاق وجد ما به من جراحة النار البالغة وورمت ركبته ومكث بها مدة إلى أن برأت ، فعادت بذلك الكي البالغ في غاية الصحة والنظافة من الأخلاط وصار يقول : يا ليتها كانت في الركبتين ، ثم لم يستطع أصلا في حال صحوه أن يفعل مثل ذلك بالأخرى ليستريح من ألمها ومنظرها .

وإذا كان كذلك فلا يفيد الحد فائدته إلا حال الصحو وتأخير الحد لعذر جائز




الخدمات العلمية