الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولو كانت الكفالة بكر حنطة فقبضها الكفيل فباعها وربح فيها فالربح له في الحكم ) لما بينا أنه ملكه ( قال : وأحب إلي أن يرده على الذي قضاه الكر ولا يجب عليه في الحكم ) وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله في رواية الجامع الصغير ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : هو له ولا يرده على الذي قضاه وهو رواية عنه ، وعنه أنه يتصدق به . [ ص: 210 ] لهما أنه ربح في ملكه على الوجه الذي بيناه فيسلم له . وله أنه تمكن الخبث مع الملك ، إما لأنه بسبيل من الاسترداد بأن يقضيه بنفسه ، أو لأنه رضي به على اعتبار قضاء الكفيل ، فإذا قضاه بنفسه لم يكن راضيا به وهذا الخبث يعمل فيما يتعين فيكون سبيله التصدق في رواية ، ويرده عليه في رواية لأن الخبث لحقه ، وهذا أصح لكنه استحباب لا جبر لأن الحق له .

التالي السابق


( قوله ولو كانت الكفالة بكر حنطة ) فدفعه الأصيل إلى الكفيل والباقي بحاله ( فالربح له ) أي الكفيل ( لما بينا أنه ملكه ) أي ملك الكر ، وإنما بينه في ضمن بيان أنه ملك المقبوض ( قال : وأحب إلي أن يرده على الذي قضاه الكر ولا يجب عليه ، وهذا عند أبي حنيفة في لفظ الجامع الصغير ) ولا شك أن ضمير قال لأبي حنيفة .

فقوله وهذا عند أبي حنيفة في رواية الجامع الصغير إنما ذكره ليمهد لنصب الخلاف بذكر قولهما حيث لم يصرح بفاعل قال ( وقالا : هو له لا يرده عليه وهو رواية ) أخرى ( عن أبي حنيفة ) وهو رواية كتاب البيوع من الأصل ( وعنه ) أي عن أبي حنيفة ( رواية ) ثالثة ( أنه يتصدق به ) [ ص: 210 ] وهي رواية كتاب الكفالة منه ( لهما أنه ربح في ملكه على الوجه الذي بيناه ) في ثبوت ملكه من أنه وجب له على الأصيل إلخ ( فيسلم له . ولأبي حنيفة أنه تمكن الخبث مع الملك ، إما ) لقصور ملكه بسبب أن الأصيل ( بسبيل من استرداده بأن يقضي ) هو الطالب فينتقض ملك الكفيل فيما قبض ( أو لأنه ) إنما بملك ( رضي به ) أي بملك الكفيل فيه ( على اعتبار قضاء الكفيل ، فإذا قضاه بنفسه لم يكن راضيا به ) والوجه أن يعطف بالواو فإنهما وجهان لا أن الوجه أحدهما بل كل منهما ثابت ، وهو قصور الملك بسبب ثبوت تلك الخبثية وعدم رضا الأصيل بملك الكفيل بما دفعه إليه إلا على ذلك التقدير وهو منتف ( وهذا الخبث يعمل فيما يتعين ) وهو الكر لا فيما لا يتعين كالألف مثلا ( فيكون سبيله التصدق في رواية ، ويرده عليه في رواية ) أخرى ( وهي الأصح لأن الخبث لحق الأصيل ) لا لحق الشرع فيرده إليه ليصل إلى حقه ( لأن الحق له ) وهذا يفيد أنه يطيب له فقيرا كان أو غنيا ، وفيه روايتان ، والأوجه طيبه له وإن كان غنيا لما ذكرنا من أن الحق له ( إلا أنه استحباب لا جبر ) لأن الملك للكفيل .

واعلم أنه تكرر في هذه المسألة مقابلة الاستحباب بالحكم فقال أولا أحب إلي أن يرده ولا يجب في الحكم : أي في القضاء . وثانيا لكنه استحباب لا جبر : يعني لا يجبره الحاكم على ذلك ، فإذا كان المراد بالاستحباب ما يقابل جبر القاضي يكون المعنى لا يجبره القاضي ولكن يفعله هو ، ولا يلزم من عدم جبر القاضي عدم الوجوب فيما بينه وبين الله تعالى ، إذ قد عرف أن المراد بالاستحباب عدم جبر القاضي عليه فجاز أن يكون واجبا فيما بينه وبين الله تعالى ، وهو مستحب في القضاء غير مجبور عليه ، والعبارة المنقولة عن فخر الإسلام في وجه قول أبي حنيفة وهو [ ص: 211 ] الاستحسان .

قال : ووجه الاستحسان أن ما قبضه الكفيل مملوك له ملكا فاسدا من وجه ، فإن للأصيل استرداده حال قيام الكفالة بقضائه بنفسه ، واسترداد المقبوض حال قيام العقد حكم ملك فاسد كما في البيع الفاسد ، وإنما قلنا : حال قيام الكفالة لأن الكفالة لا تبطل بأداء الأصيل ولكن تنتهي كما لو أدى الكفيل بنفسه ، فكان المقبوض ملكا فاسدا من وجه صحيحا من وجه ، ولو كان فاسدا من كل وجه بأن اشترى مكيلا أو موزونا ملكا فاسدا وربح فيه يجب التصدق بالربح أو الرد على المالك ، لأن الخبث كان لحقه فيزول بالرد عليه ، كالغاصب إذا أجر المغصوب ثم رده فإن الأجر له يتصدق به أو يرده على المغصوب منه ، فكذا في الملك الفاسد من كل وجه .

ولو كان الملك صحيحا من كل وجه لا يجب التصدق بالربح ولا رده ، فإذا فسد من وجه وصح من وجه يجب التصدق أو الرد على الأصيل عملا بالشبهين بقدر الإمكان ظاهرة في وجوب رده فيما بينه وبين الله تعالى أو التصدق به ، غير أنه ترجح الرد ، هذا كله إذا أعطاه على وجه القضاء ، فلو أعطاه على وجه الرسالة إلى الطالب فتصرف وربح صار محمد مع أبي حنيفة في أنه لا يطيب له الربح وطاب له عند أبي يوسف لما عرف فيمن غصب من إنسان مالا وربح فيه يتصدق بالفضل في قولهما لأنه استفاده من أصل خبيث ويطيب له في قول أبي يوسف مستدلا بحديث { الخراج بالضمان } .




الخدمات العلمية