الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 211 ] قال ( ومن كفل عن رجل بألف عليه بأمره فأمره الأصيل أن يتعين عليه حريرا ففعل فالشراء للكفيل والربح الذي ربحه البائع فهو عليه ) ومعناه الأمر ببيع العينة مثل أن يستقرض من تاجر عشرة فيتأبى عليه ويبيع منه ثوبا يساوي عشرة بخمسة عشر مثلا رغبة في نيل الزيادة ليبيعه المستقرض بعشرة ويتحمل عليه خمسة ; سمي به لما فيه من الإعراض عن الدين إلى العين ، وهو مكروه لما فيه من الإعراض عن مبرة الإقراض مطاوعة لمذموم البخل . ثم قيل : [ ص: 212 ] هذا ضمان لما يخسر المشتري نظرا إلى قوله علي وهو فاسد وليس بتوكيل وقيل هو توكيل فاسد ; لأن الحرير غير متعين ، وكذا الثمن غير متعين لجهالة ما زاد على الدين ، وكيفما كان فالشراء للمشتري وهو الكفيل والربح : أي الزيادة عليه لأنه العاقد .

التالي السابق


( قوله ومن كفل عن رجل بألف بأمره فأمره ) أي فأمر الكفيل ( الأصيل أن يتعين عليه حريرا ) أي أن يشتري له حريرا بطريق العينة وهو أن يشتري له حريرا بثمن هو أكثر من قيمته ليبيعه بأقل من ذلك الثمن لغير البائع ثم يشتريه البائع من ذلك الغير بالأقل الذي اشتراه به ويدفع ذلك الأقل إلى بائعه فيدفعه بائعه إلى المشتري المديون فيسلم الثوب للبائع كما كان ويستفيد الزيادة على ذلك الأقل ، وإنما وسطا الثاني تحرزا عن شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن .

وأما تفسيره بأن يستقرض فيأبى المقرض إلا أن يبيعه عينا تساوي عشرة مثلا في السوق باثني عشر فيفعل فيربح البائع درهمين رغبة عن القرض المندوب إلى البخل وتحصيل غرضه من [ ص: 212 ] الربا بطريق المواضعة في البيع

فلا يصح هنا ، إذ ليس المراد من قوله تعين علي حرير اذهب فاستقرض فإن لم يرض المسئول أن يقرضك فاشتر منه الحرير بأكثر من قيمته ، بل المقصود اذهب فاشتر على هذا الوجه ، فإذا فعل الكفيل ذلك كان مشتريا لنفسه والملك له في الحرير والزيادة التي يخسرها عليه لأن هذه العبارة حاصلها ( ضمان لما يخسر المشتري نظرا إلى قوله علي ) كأنه أمره بالشراء لنفسه فما خسر فعلي ، وضمان الخسران باطل لأن الضمان لا يكون إلا بمضمون والخسران غير مضمون على أحد ، حتى لو قال بايع في السوق على أن كل خسران يلحقك فعلي أو قال لمشتري العبد إن أبق عبدك هذا فعلي لا يصح ( وقيل هو توكيل فاسد ) ومعنى علي منصرف إلى الثمن ، فإذا كان الثمن عليه يكون البيع له فأغنى عن قوله لي فهو توكيل لكنه فاسد لأنه غير معين مقداره ولا ثمنه فلا تصح الوكالة ، كما لو قال : اشتر لي حنطة ولم يبين مقدارها ولا ثمنها ، ولو فرضنا أن الثمن معلوم بينهما وهو قدر ما يقع به الإيفاء كان الحاصل اشتر لي حريرا ليكون ثمنه الذي تبيعه به في السوق قدر الدين الذي علينا وهو لا يعين قدر ثمن الحرير الموكل بشرائه بل ما يباع به بعد شرائه لأن الزائد على القدر الذي يقع به الإيفاء غير معلوم ( وكيفما ) كان توكيلا فاسدا أو ضمانا باطلا ( يكون الشراء للمشتري وهو الكفيل والربح أي الزيادة ) التي يخسرها ( عليه لأنه العاقد ) ومن صور العينة أن يقرضه مثلا خمسة عشر ثم يبيعه ثوبا يساوي عشرة بخمسة عشر ويأخذ الخمسة عشر القرض منه فلم يخرج منه إلا عشرة وثبت له خمسة عشر .

ومنها أن يبيع متاعه بألفين من المستقرض إلى أجل ثم يبعث متوسطا يشتريه لنفسه بألف حالة ويقبضه ثم يبيعه من البائع الأول بألف ثم يحيل المتوسط بائعه على البائع الأول بالثمن الذي عليه وهو ألف حالة فيدفعها إلى المستقرض ويأخذ منه ألفين عند الحلول . قالوا : وهذا البيع مكروه لقوله صلى الله عليه وسلم { إذا تبايعتم بالعينة وتبعتم أذناب البقر ذللتم وظهر عليكم عدوكم } والمراد باتباع أذناب البقر الحرث للزراعة لأنهم حينئذ يتركون الجهاد وتألف النفس الجبن .

وقال أبو يوسف : لا يكره هذا البيع لأنه فعله كثير من الصحابة وحمدوا على ذلك ولم يعدوه من الربا ، حتى لو باع كاغدة بألف يجوز ولا يكره [ ص: 213 ] وقال محمد رحمه الله : هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم اخترعه أكلة الربا ، وقد ذمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال { إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر ذللتم وظهر عليكم عدوكم } أي اشتغلتم بالحرث عن الجهاد وفي رواية { سلط عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لكم } وقيل : إياك والعينة فإنها لعينة .

ثم ذموا البياعات الكائنات الآن أشد من بيع العينة ، حتى قال مشايخ بلخ منهم محمد بن سلمة ببلخ للتجار : إن العينة التي جاءت في الحديث خير من بياعاتكم ، وهو صحيح ، فكثير من البياعات كالزيت والعسل والشيرج وغير ذلك استقر الحال فيها على وزنها مظروفة ثم إسقاط مقدار معين على الظرف وبه يصير البيع فاسدا ، ولا شك أن البيع الفاسد بحكم الغصب المحرم فأين هو من بيع العينة الصحيح المختلف في كراهته ، ثم الذي يقع في قلبي أن ما يخرجه الدافع إن فعلت صورة يعود فيها إليه هو أو بعضه كعود الثوب أو الحرير في الصورة الأولى ، وكعود العشرة في صورة إقراض الخمسة عشر فمكروه ، وإلا فلا كراهة إلا خلاف الأولى على بعض الاحتمالات كأن يحتاج المديون فيأبى المسئول أن يقرض بل أن يبيع ما يساوي عشرة بخمسة عشر إلى أجل فيشتريه المديون ويبيعه في السوق بعشرة حالة ، ولا بأس في هذا فإن الأجل قابله قسط من الثمن والقرض غير واجب عليه دائما بل هو مندوب ، فإن تركه بمجرد رغبة عنه إلى زيادة الدنيا فمكروه أو لعارض يعذر به فلا ، وإنما يعرف ذلك في خصوصيات المواد وما لم ترجع إليه العين التي خرجت منه لا يسمى بيع العينة ; لأنه من العين المسترجعة لا العين مطلقا وإلا فكل بيع بيع العينة .




الخدمات العلمية