الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 154 ] وأدب المفطر عمدا : إلا أن يأتي تائبا ، وإطعام مده عليه الصلاة والسلام لمفرط في قضاء رمضان [ ص: 155 ] لمثله : عن كل يوم لمسكين ، ولا يعتد بالزائد إن أمكن قضاؤه بشعبان ; لا إن اتصل مرضه [ ص: 156 ] مع القضاء أو بعده ، ومنذوره ، والأكثر إن احتمله بلفظه بلا نية . كشهر ، فثلاثين ، إن لم يبدأ بالهلال

التالي السابق


( و ) وجب ( أدب ) أي : تأديب ومعاقبة الشخص ( المفطر ) في أداء رمضان ( عمدا ) اختيارا بلا تأويل قريب بما يراه الإمام من ضرب أو سجن أو منهما معا . وإن كان فطره بموجب حد كزنا وشرب مسكر حد وأدب ، وإن كان رجما قدم الأدب واستظهر المسناوي سقوط الأدب بالرجم لإتيان القتل على الجميع . عج ويؤدب المفطر في النفل عمدا حراما . البناني هذا غير صحيح ; لأن المسألة للخمي . وقد صرح بأنه في رمضان على أن من فطر النفل عمدا خلافا بين المذاهب . قلت : اقتصار اللخمي على رمضان لا ينافي أن النفل كذلك يجامع المعصية في كل ، وسيقول المصنف وأدب لمعصية الله . وقد أطلق ابن الحاجب فقال ويؤدب المفطر عمدا فإن جاء تائبا فالظاهر العفو ، وأجراه اللخمي على الخلاف في شاهد الزور ، ونص ابن عرفة ويؤدب عامد فطره انتهاكا إن ظهر عليه ، وفي الآتي مستفتيا ثالثها ذو الهزء لا الستر لتخريج اللخمي على قولها يعاقب المعترف بشهادة الزور ، وعلى قول سحنون لا يؤدب مع رواية المبسوط واختياره .

( إلا أن يأتي ) المفطر عمدا قبل الاطلاع عليه حال كونه ( تائبا ) فلا يؤدب ( و ) جب ( إطعام ) أي : تمليك طعام من غالب قوت أهل البلد قدر ( مده ) أي : النبي ( عليه الصلاة والسلام ل ) شخص ( مفرط ) بضم ففتح فكسر مثقلا أي : متساهل ( في ) تأخير ( قضاء رمضان ) بلا عذر ولو رقا أو سفيها حقيقة أو حكما كناس البرزلي هذا ظاهرها . وقال السيوري : لا يطعم واستظهره بعض الشيوخ وإذا لم يعذر الناسي فالجاهل [ ص: 155 ] أولى لا المكره على تركه كمسافر ومريض وصلة مفرط ( ل ) دخول ( مثله ) أي : رمضان الذي يليه ولا يتكرر الإطعام بتكرر المثل ، وقد يؤخذ هذا من إضافة مثل للضمير لإفادتها العموم .

وصلة إطعام ( عن كل يوم ) وكذا ( المسكين ) أي : محتاج فشمل الفقير ، فلا يجزئ تمليكه مدين عن يومين ولو أعطاه كل مد في يومه حيث كان التفريط بعام واحد . فإن كان عن عامين جاز كتعدد السبب كفطر وتفريط مرضع مع الكراهة فالمرضع إذا أفطرت تطعم وهو المشهور دون الحامل فلا إطعام عليها إذا أفطرت ، وبه صرح في الرسالة . وإذا لم تقض حتى دخل رمضان فلا إطعام عليها أيضا ; لأنها مريضة ما دامت حاملا .

( و ) إن دفع زائدا عن مد لمسكين ف ( لا يعتد بالزائد ) عن مد وله نزعه إن بقي بيد المسكين وكان بين له عند دفعه أنه كفارة تفريط ومحل إطعام المفرط ( إن أمكن قضاؤه ) أي : ما عليه من رمضان ( بشعبان ) إيضاح لقوله مفرط لمثله أحمد ومقتضاه أن من عليه خمسة أيام من رمضان ولم يقضها حتى بقي من شعبان خمسة أيام فمرض إلى رمضان عليه الإطعام لإمكان قضائه بشعبان ، والنص لا إطعام عليه وهو مقدم على المقتضي .

ابن عاشر فالعبارة المؤدية للمقصود إن سلم قدره قبل تاليه من عذر ( لا إن اتصل مرضه ) ولو حكما كحمل وإرضاع حمله بعضهم على معنى صحيح ، وهو أن قوله لمفرط في قضاء رمضان أي جميعه كما هو ظاهره ، فقوله إن أمكن قضاؤه بشعبان أي : جميعه فأخرج منه قوله لا إن اتصل إلخ . ومثل المرض السفر بشعبان والإغماء والجنون والحيض والنفاس والإكراه ، فلو قال عذره لشملها وبالجملة فالمراد اتصال العذر من مبدأ قدر ما عليه سواء كان رمضان كله أو بعضه لا من رمضان ولا من ابتداء شعبان مطلقا ، فلو [ ص: 156 ] حذف قوله إن أمكن قضاؤه بشعبان لا إن اتصل مرضه لكان أحسن ، والمعتبر التفريط في العام الأول ، فإن لم يفرط فيه وفرط فيما بعده فلا إطعام عليه ومن عليه رمضان كله وكان ثلاثين وقضاه في شعبان فكان تسعة وعشرين فالظاهر لا إطعام عليه لليوم إذ لم يمكن قضاؤه في شعبان ، ويندب إطعامه .

( مع القضاء ) في الطعام الثاني فكلما شرع في قضاء يوم أخرج مده ( أو بعده ) أي : القضاء يحتمل بعد مضي كل يوم ويحتمل بعد فراغ أيام القضاء فيخرج جميع الأمداد ، فإن أطعم بعد وجوبه بدخول رمضان وقبل القضاء كفى وخالف المندوب قاله ابن حبيب ، ولا ينافيه قولها لا تفرق الكفارة الصغرى قبل الشروع في القضاء لحملها على أن المراد لا تفرقة على جهة الأولوية ، وإن قدمه مع إمكان القضاء بشعبان فلا يجزئ إذ هو قبل وجوبه ، ونص الجلاب إذا قدمه قبل القضاء أو أخره عنه أجزأ والاختيار أن يطعم مع القضاء ( و ) وجب ( منذوره ) أي : الوفاء به صياما كان أو غيره من المندوبات ، وذكره مع إتيانه في باب النذر ليرتب عليه قوله .

( و ) وجب ( الأكثر ) احتياطا في براءة الذمة ( إن احتمله ) أي : الأكثر ( لفظه ) الذي نذر به واحتمل الأقل ( بلا نية ) لأحدهما وإلا لزمه منويه ومثل للمحتمل فقال ( ك ) نذر صوم أو اعتكاف أو رباط ( شهر ) بأن قال : لله علي أو علي بدون لله صوم ، أو اعتكاف أو رباط شهر ( ف ) يلزمه أن يصوم أو يعتكف أو يرابط ( ثلاثين ) يوما ; لأن لفظ الشهر يحتملها ويحتمل تسعة وعشرين فلزمته الثلاثون احتياطا .

( إن لم يبدأ ) صومه أو اعتكافه أو رباطه ( ب ) طلوع ( الهلال ) أول ليلة من الشهر ، فإن بدأ به لزمه تمامه إلى الهلال الذي يليه كان ثلاثين أو تسعة وعشرين ومن نذر صوم نصف شهر ولا نية له لزمه خمسة عشر يوما ، فإن نذره بعد مضي نصفه وجاء الشهر تسعة وعشرين كمله خمسة عشر يوما ، ومن نذر نصف يوم كمله يوما وقيل لا يلزمه ; لأنه [ ص: 157 ] لم ينذر طاعة . وعورض ما هنا بما في الحج فيمن نذر هديا فعليه شاة ، وفرق بأن الأصل في الشهر ثلاثون وليس الأصل في الهدي البدنة وبشدة المال ، ولذا لزم من قال في سبيل الله ثلثه .




الخدمات العلمية