الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في بيان أحكام الغصب

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 80 ] وضمن بالاستيلاء ، [ ص: 81 ] وإلا فتردد : [ ص: 82 - 83 ] كأن مات ، أو قتل عبد قصاصا ، [ ص: 84 ] أو ركب ، أو ذبح

التالي السابق


( وضمن ) الغاصب الشيء المغصوب ( ب ) مجرد ( الاستيلاء ) عليه وحوزه ولو تلف بسماوي أو جناية غيره لقوله صلى الله عليه وسلم { على اليد ما أخذت حتى ترده } لأن على للوجوب وقد رتبه صلى الله عليه وسلم على وصف الأخذ فأفاد أنه سبب للضمان . " ق " ابن عرفة مجرد حصول المغصوب في حوز الغاصب يوجب ضمانه ، ولو تلف بسماوي أو جناية غيره عليه . ابن يونس يضمنه يوم غصبه وإن هلك من ساعته بأمر من الله تبارك وتعالى أو جناية غيره أو كان دارا فانهدمت . ابن عرفة مجرد الاستيلاء هو حقيقة الغصب فيوجب الضمان . روى ابن وهب من غصب عبدا فمات من وقته ضمنه ، وقاله ابن القاسم فيمن غصب دارا فلم يسكنها حتى انهدمت غرم قيمتها ، وقاله أشهب ، وذلك كله في العروض وغيرها ونص ابن عرفة ومجرد حصول المغصوب في حوز الغاصب يوجب ضمانه ولو تلف بسماوي أو بجناية غيره عليه ففيها ما مات من الحيوان أو انهدم من ربع بيد غاصبه بقرب غصبه أو بغير قربه بغير سببه يضمن قيمته يوم غصبه ، وإن تعيب يضمن تمام قيمته . [ ص: 81 ] ابن الحاجب ويكون بالتفويت بالمباشرة أو بإثبات اليد العادية ، فالمباشرة كالقتل ، والأكل والإحراق وإثبات اليد العادية في المنقول بالنقل ، وفي العقار بالاستيلاء وإن لم يسكن . قلت قالوا ضمير يكون عائد على الضمان . ابن عبد السلام قوله إثبات اليد العادية في المنقول بالنقل هذا الوجه من وجهي إثبات اليد العادية سبب اتفاقا ، وهو نقل ما يمكن نقله كالحيوان والثياب ينقلها الغاصب فتهلك تحت يده بأمر من الله تعالى ، وقوله في العقار بالاستيلاء وإن لم يسكن هذا مذهب مالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما خلاف مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه .

قلت فحاصل كلام ابن الحاجب وشارحيه أن غير العقار لا يتقرر فيه الضمان بمجرد الاستيلاء ، وليس المذهب كذلك ، بل مجرده حقيقة الغصب يوجبه ، فلو غصبته أمة أو غيرها من المتملكات فاستولى عليها بالتمكن من التصرف فيها دون ربها ضمنها روايات المذهب واضحة بهذا لمن تأملها ، منها قول الباجي ، روى ابن وهب في المجموعة من غصب عبدا فمات من وقته بغير سببه ضمنه ، وقاله ابن القاسم فيمن غصب دارا فلم يسكنها حتى انهدمت ضمن قيمتها . قلت كذا في النوادر ، قال ومثله في الموازية . ابن عبدوس وقاله أشهب ، وذلك كله في العروض وغيرها . ا هـ . " غ " تبع ابن الحاجب ابن شاس وعبارتهما منسوجة على منوال وجيز الغزالي في هذا المحل ، وكلام المصنف هنا سالم من ذلك ، وإن كان قوله بعد هذا أو ركب يحتمل الإشارة إليه .

( وإلا ) أي وإن لم يكن من الغاصب استيلاء على المغصوب ( فتردد ) في الضمان وعدمه ، وقد يمثل لهذا بمن فتح باب دار فيها دواب وأهلها فيها فذهبت فلا ضمان عليه عند ابن القاسم في المدونة لوجود الحافظ ، ويضمن عند أشهب إن كانت مسرحة لتيسر خروجها قبل علم أهل الدار واختاره جماعة قاله الشارح وتبعه تت ، وهو ظاهر سياق المصنف وإن كان لا يناسب تعبيره بتردد . وقال " غ " أي وإن لم يكن الغاصب مميزا ، بل كان غير مميز فقد تردد المتأخرون هل الخلاف في تضمينه كما في نقل ابن الحاجب أو في المخرج له إلى التمييز كما ذكر ابن عبد السلام ، وذلك أن ابن الحاجب قال وأما غير المميز [ ص: 82 ] فقيل المال في ماله والدم على عاقلته . وقيل المال هدر كالمجنون . وقيل كلاهما هدر ، فقال ابن عبد السلام جعل مورد الخلاف في هذه المسألة عدم التمييز وهو حسن في الفقه ، غير أن الروايات لا تساعده ، وإنما تعرضوا للتحديد فيها بالسنين ، فقيل ابن سنتين ، وقيل ابن سنة ونصف ، وقيل غير ذلك وقبله الموضح وأشار إليه هنا . وأما ابن عرفة فقال قوله والروايات لا تساعده يرد بنقل ابن رشد ، إذ قال لا اختلاف في أن حكم الصبي الذي لا يعقل ابن سنة ونصف ونحوه في جنايته على المال والدم وحكم المجنون الذي لا يعقل سواء . وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال ، أحدها : أن جنايتهم على المال في أموالهم وعلى الدم على عواقلهم إلا أن يكون أقل من الثلث ففي أموالهم .

والثاني أنها هدر في المال والدم .

والثالث : تفرقته في هذه الرواية بين المال والدم . وأما إن كان الصبي يعقل فلا اختلاف في ضمانه ما جنى عليه من المال في العمد والخطأ وإن عمده في جنايته على الدم خطأ عليه من دية ذلك في ماله ما نقص عن ثلث الدية وعلى عاقلته الثلث فأكثر . وأما الكبير المولى عليه فحكمه في جنايته في الأموال والدماء حكم المالك أمر نفسه فيضمن ما استهلكه من الأموال ويقتص منه فيما جناه عمدا من الدماء .

( تنبيه )

قد علمت من كلام ابن رشد هذا أن الأقوال الثلاثة في الصبي الذي لا يعقل وفي المجنون على حد سواء وكذلك صرح بها في المجنون في أول رسم من سماع أشهب ، وفي رسم مرض من سماع ابن القاسم ، وذلك خلاف ما قبله . ابن عبد السلام وغيره من قول ابن الحاجب ، وقيل المال هدر كالمجنون المقتضي أنها لا تجري في المجنون ، ولم يتنازل ابن عرفة لهذا البحث ، وإنه لمن وظيفته ولا مرية أن ابن الحاجب اختصر هنا كلام ابن شاس المختصر لكلام المقدمات ، ونصه اختلف إن كان صغيرا لا يعقل ، فقيل ما أصاب من الأموال والدماء هدر كالبهيمة العجماء التي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم جرحها جبارا . [ ص: 83 ] وقيل ما أصاب من الأموال في ماله وما أصاب من الدماء تحمله العاقلة إن بلغ الثلث ، وحكم هذا حكم المجنون المغلوب على عقله . ا هـ . وهو راجع لما في البيان ، لأن المعنى وحكم الصبي الذي لا يعقل حكم المجنون في جريان الأقوال الثلاثة ، واختصار ابن شاس لا يأبى هذا التأويل لأنه نقل ما في المقدمات على ترتيبه ، وختمه بقوله كالمجنون فلا يمتنع انطباق هذا التشبيه على المسألة كلها حتى يرجع لما في البيان .

ولما فهم ابن الحاجب أن التشبيه قاصر على القول الذي يليه وقدم وأخر تحول المعنى فليتأمله من فتح الله تعالى له في الإنصاف والتحقيق ، وبالله تعالى التوفيق طفي إلا أنه يعكر على " غ " أن التردد في اختلاف الطريق يكون موضوعه واحدا وتختلف الطرق فيه ، والموضوع هنا متعدد ، إذ منهم من حكى الخلاف في السن ، ومنهم من حكاه في الضمان وعدمه ومن حكاه في محل لم يتعرض للمحل الآخر على أن ما نقله ابن عبد السلام لا يعد طريقة لرده . ابن عرفة فظهر أن الخلاف في الموضعين .

وشبه في الضمان فقال ( كأن ) بفتح الهمز وسكون النون حرف مصدري مقرون بكاف التشبيه صلته ( مات ) عبد مغصوب بيد غاصبه ساعة غصبه فيضمنه غاصبه ( أو قتل ) بضم فكسر ( عبد ) تنازع فيه مات وقتل قصاصا في قتيله عمدا بعد غصبه فيضمنه غاصبه .

طفي كذا قرر ابن فرحون كلام ابن الحاجب وهو ظاهر إذ لو جنى قبل غصبه وقتل قصاصا بعده فلا وجه لضمانه الغاصب ، ففي النوادر عن محمد لو جنى العبد قبل غصبه جناية وبعده أخرى على رجلين فقال أشهب يخير ربه ، فإن أسلمه لهما تبع الغاصب بنصف قيمته يوم غصبه إلا أن تكون أكثر من أرش جنايته على الثاني ، وإن شاء فداه بالأرشين وتبع غاصبه بالأقل من أرش الثانية ونصف قيمته يوم غصبه . ا هـ . ونقله ابن عرفة فهذا يدل على أن الجناية السابقة على غصبه لا يضمنها الغاصب . " ق " فيها لابن القاسم ما مات من الحيوان أو انهدم من الربع بيد غاصبه بقرب غصبه أو بغير قربه بغير [ ص: 84 ] سبب الغاصب فإنه يضمن قيمته يوم غصبه . ابن عرفة موت المغصوب بحق قصاص أو حرابة كموته .

( أو ركب ) الغاصب الدابة المغصوبة فهلكت فيضمن قيمتها يوم غصبها ، وهذا علم من سابقه بالأولى . ابن شاس من موجب الضمان إثبات اليد في المنقول بالنقل إلا في الدابة فيكفي فيها الركوب ويثبت الغصب في العقار بالدخول وإزعاج المالك وبالاستيلاء عليه وإن لم يسكنه ( أو ذبح ) الغاصب الحيوان المغصوب فيضمن قيمته يوم غصبه إن شاء المغصوب منه ، وإن شاء أخذه مذبوحا ولا شيء له غيره . تت في قوله أو ركب أو ذبح إشكال لأنه مضمن بمجرد الاستيلاء .

ابن عرفة الجلاب من غصب شاة وذبحها ضمن قيمتها وكان له أكلها . وقال محمد بن مسلمة لربها أخذها وما بين قيمتها مذبوحة وحية ، ثم قال ابن عرفة ما ذكره ابن الحاجب وابن عبد السلام من أن ذبحها فوت يوجب قيمتها لم أعرفه في الذبح نصا ، بل تخريجا مما حكاه المازري في طحن القمح ، ثم قال قوله وقال بعضهم عن ابن القاسم إن ربها مخير ، هذا لابن القاسم في رسم الصبرة ، وقبله ابن رشد ولم يرد عليه شيئا ولا ذكر في أن لربها أخذها مذبوحة خلافا .

طفي لا شك أن قوله كأن مات إلخ مثال للمفوت الذي يوجب الضمان عنده لأن الاستيلاء موجب للضمان ، ولا يحصل إلا بمفوت ، فقوله أو ركب دابة إن عنى به مجرد الركوب فقد أوقعه في غير محله مع مناقضته لقوله وضمنه بالاستيلاء ، وعلى هذا يأتي إشكال تت ، وأصله لابن عبد السلام و التوضيح .

وتعقبه ابن عرفة قائلا ما حكاه من أن ذبحها مفيت يوجب قيمتها لم أعرفه نصا ، فقول تت فيهما إشكال إلخ فيه نظر لأنه لا إشكال في هذه من الوجه الذي ذكره ، وإنما هو في الأولى على وجه كما سبق ، وإنما الإشكال في الثانية من إنكار ابن عرفة لا مما قاله ، فقوله ولذا قال ابن عرفة إلخ فيه نظر ، ثم إن جمعا من شارحيه قرروه على أنه في الذبح بالخيار في أخذها مذبوحة ، وما نقصها الذبح أو إلزامه قيمتها وليس كذلك ، [ ص: 85 ] بل المعتمد أنه إن اختار أخذها فليس له أن يأخذ ما نقصها ، وإنما القائل بذلك محمد بن مسلمة فقط .

اللخمي ليس له أن يأخذها مذبوحة ولا شيء له أو يضمنه قيمتها ، قاله مالك وأصحابه وأخذ به سحنون في المجموعة . وقال ابن القاسم قال محمد بن مسلمة له أخذه وما بين قيمته مذبوحا وحيا . ا هـ . ونحوه في النوادر ، ولم يعز ابن شاس ولا ابن الحاجب أخذها وما نقصها إلا لابن مسلمة ، ولا فرق فيما ذكر بين الغصب والتعدي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث