الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أنواع النجاسات

جزء التالي صفحة
السابق

( ولا يطهر نجس العين ) بالغسل مطلقا ولا بالاستحالة كميتة وقعت في ملاحة فصارت ملحا أو أحرقت فصارت رمادا ( إلا ) شيئان : أحدهما ( خمر ) وإن كانت غير محترمة [ ص: 248 ] حقيقة كانت الخمرة وهي المتخذة من عصير العنب أم غيرها وهي المعتصرة من غيره ، فقد ذكر في تهذيب الأسماء واللغات عن الشافعي ومالك وأحمد أنها اسم لكل مسكر ، وما تقرر من طهارة النبيذ بالتخلل هو المعتمد كما صححاه في بابي الربا والسلم لإطباقهم على صحة السلم في خل التمر والزبيب المستلزمة لطهارتهما ، لأن النجس لا يصح بيعه ولا السلم فيه اتفاقا ، ولا يصح حمل كلامهم ثم على خل لم يتخمر لأنه نادر ، وإنما طهر لأن الماء من ضرورته بالنسبة لإخراج ما بقي فيه لا من أصل ضرورة عصره لسهولته بدونه ، وإذا تسومح في هذا الماء فما يتوقف عليه أصل العصر بطريق الأولى ( تخللت ) بنفسها فتطهر بالتخلل لأن علة النجاسة والتحريم الإسكار وقد زالت ، ولأن العصير لا يتخلل إلا بعد التخمر غالبا ، فلو لم نقل بالطهارة لربما تعذر الخل وهو حلال إجماعا ولو بقي في قعر الإناء دردي خمر فظاهر إطلاقهم كما قاله ابن العماد أنه يطهر تبعا للإناء سواء استحجر أم لا ، كما يطهر باطن جوف الدن ، بل هذا أولى ، وظاهر كلامهم أيضا أنه لا فرق في العصير بين المتخذ من نوع واحد وغيره .

فلو جعل فيه عسلا أو سكرا أو اتخذه من نحو عنب ورمان أو بر وزبيب طهر بانقلابه خلا ، وبه جزم ابن العماد وليس فيه تخليل بمصاحبة عين لأن نفس العسل أو البر ونحوهما يتخمر كما رواه أبو داود ، وكذلك السكر فلم يصحب الخمر عين أخرى ، ولو جعل مع نحو الزبيب طيبا متنوعا ونقع ثم صفي وصارت رائحته كرائحة الخمر فيحتمل أن يقال إن ذلك الطيب إن كان أقل من الزبيب تنجس ، وإلا فلا أخذا من قولهم لو ألقي على عصير خل دونه تنجس .

وإلا فلا لأن الأصل والظاهر عدم التخمر ، ولا عبرة بالرائحة حينئذ ، ويحتمل خلافه وهو أوجه ، ويكفي زوال النشوة وغلبة الحموضة ولا تشترط نهايتها بحيث لا تزيد ( وكذا إن نقلت من شمس إلى ظل وعكسه في الأصح ) أو من دن إلى آخر أو فتح رأس ظرفه للهواء لزوال الشدة المطربة من غير نجاسة خلفتها سواء أقصد بكل منها التخلل أم لا ، والثاني لا تطهر لما سيأتي ( فإن خللت بطرح شيء ) فيها ولو بنفسه أو بإلقاء نحو ريح ( فلا ) تطهر لأن من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه غالبا ، سواء كان له دخل في التخليل كبصل وخبز حار أم لا كحصاة ، [ ص: 249 ] ولا فرق بين ما قبل التخمر وما بعده ، ولا بين أن تكون العين طاهرة أو نجسة ، نعم إن كانت طاهرة ونزعت منها قبل التخلل طهرت ، أما النجسة فلا وإن نزعت قبله لأن النجس يقبل التنجيس .

ولو عصر نحو العنب ووقع فيه بعض حبات لا يمكن الاحتراز عنها لم تضر فيما يظهر ، وكالمتنجس بالعين العناقيد وحباتها إذا تخمرت في الدن ثم تخللت ، وكذا لو صب عصير في دن متنجس أو كان العصير متنجسا ، أو نقص من خمر الدن بأخذ شيء منها ، أو أدخل فيه شيء فارتفعت بسببه ثم أخرج فعادت كما كانت ، إلا إن صب عليها خمر حتى ارتفعت إلى الموضع الأول .

واعتبر البغوي كونه قبل جفافه ، واعتمده الوالد رحمه الله تعالى ، ويطهر الدن تبعا لها وإن تشرب بها أو غلت ، ولو اختلط عصير بخل مغلوب ضر أو غالب فلا ، فإن كان مساويا فكذلك إن أخبر به عدلان يعرفان ما يمنع التخمر وعدمه ، أو عدل واحد فيما يظهر ، أما إذا لم يوجد خبير أو وجد وشك فالأوجه إدارة الحكم على الغالب حينئذ .

ويحل إمساك خمر محترمة لا غيرها وهي المعتصرة بقصد الخمرية فتجب إراقتها فورا كما تقدم ، وسيأتي الكلام عليها [ ص: 250 ] في باب الغصب وذكرت فيها فوائد جملة هنا في شرح العباب .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

[ ص: 248 ] قوله : لسهولته بدونه . إلخ ) كأن المراد أنهم قالوا بطهارة الخمر وإن اختلط به ما توقف كمال عصره عليه ، وإذا قالوا بذلك في الخمر الذي يمكن استغناؤه عن الماء فليقولوا به في النبيذ لكون الماء من ضرورياته بالأولى ( قوله : بنفسها ) قال سم في أثناء كلام وجزم م ر في تقريره بحرمة الاستعجال واعتمده وإن لم يمنع التطهير ا هـ .

ونقل في حواشي حج عدم الحرمة فليراجع ، وعبارة المحلي صريحة في الحرمة أيضا حيث جعل القول بعدم طهارتها إذا نقلت من شمس إلى ظل مبنيا على حرمة الاستعجال بالنقل ( قوله : دردي ) هو بضم الدال ( قوله : فظاهر إطلاقهم . إلخ ) ظاهره وإن أسكر وهو ظاهر لأنه حكم بطهارته بهذه الصيغة ، كما حكم بطهارة الدن لئلا يؤدي إلى نجاسة الخل ، وغايته أنه يصير كالحشيشة الجامدة ، على أن الغالب أو المطرد أنه إذا تخلل لا يبقى الدردي مسكرا ، ولعله إذا بقي فيه شيء من الإسكار فهو أثر لا يزيد على ما يحصل من الحشيش ونحوه ( قوله : أنه يطهر ) هو المعتمد ( قوله : فلو جعل فيه ) أي في الدن الذي فيه العصير ( قوله : ويحتمل خلافه ) أي وأنه طاهر مطلقا ( قوله : وهو أوجه ) وجزم حج بالتفصيل ( قوله : ويكفي ) أي في الطهارة ( قوله : لأن من استعجل شيئا ) تعليل لقول المتن : فإن خللت إلخ ، بقطع النظر عما زاده من نحو الريح . [ ص: 249 ] فإن ذلك لا يجري فيه ( قوله : أن تكون العين ) وليس من العين فيما يظهر الدود المتولد من العصير فلا يضر أخذا مما قالوه فيما لو تخمر ما في أجواف الحبات ثم تخلل حيث قالوا بطهارته ، ومما يتساقط من العنب عند العصر من النوى فإن الاحتراز عن ذلك أسهل من الاحتراز عن الدود فتنبه له ( قوله : قبل التخلل ) أي إن لم يتخلل شيء من العين .

بقي ما لو كان من شأنه التخلل ثم أخبر معصوم بأنه لم يتخلل منه شيء هل يطهر أم لا ؟ فيه نظر ، والأقرب الأول لأن هذا ليس مما أقام الشارع فيه المظنة مقام اليقين ، بل مما بنى فيه الحكم على ظاهر الحال من التخلل من العين وبإخبار معصوم قطع بانتفاء ذلك فوجب الحكم بطهارته بالتخلل ( قوله : ثم تخللت ) قرر م ر أنه يضر العناقيد والحبات إن تخمرت في الدن وتخللت ، بخلاف ما إذا تخمر ما في أجواف الحبات ثم تخلل يطهر لأنه كالظروف لما في جوفها ا هـ .

وفي شرح الروض ما يخالفه فراجعه ا هـ سم .

والظاهر أنه لا مخالفة بين ما نقله سم عن الشارح وما هنا ، لإمكان حمل ما هنا على ما إذا كان المتخمر العناقيد مع الحبات فلا يطهر ما في باطن الحبات ، وهذا هو الشق الأول مما نقله سم عن م ر وما ذكره بعد بقوله بخلاف إلخ يحمل على ما إذا أخذت الحبات مجردة عن العناقيد وطرحت في الدن إن تخمرت ثم تخللت ، لكن تشكل إحدى المسألتين بالأخرى ، فإن قشور الحبات المشتملة على الخمر كالظروف لها في المسألتين ، ومجاورتها للعناقيد في الأولى لا تضر في طهارتها لأن غايتها أن العناقيد مجاورة للحبات ومجرد ذلك لا يقتضي نجاسة ما في الباطن .

نعم إن فرض الكلام فيما لو انعصرت الحبات واختلطت العناقيد بما يخرج منها اتضح القول بنجاستها واندفع الإشكال فليتأمل وليراجع ( قوله : بأخذ شيء منها ) أي فإن الخل وإن طهر بانقلاب الخمر إليه تنجس بملاقاته الجزء الذي أزيلت الخمرة عنه ( قوله : أو غلت ) أي حتى ارتفعت وعبارة ابن حجر : ويطهر بطهرها ظرفها وما ارتفعت إليه لكن بغير فعله تبعا لها ا هـ ( قوله : مغلوب ) أي بأن كان دون العصر ( قوله : إن أخبر به ) لم يذكر حج هذا القيد ( قوله : لم يوجد خبير ) أي في موضع يجب الذهاب إليه لو أقيمت فيه الجمعة فيما يظهر ( قوله : على الغالب ) يتأمل معنى الغالب فإن الفرض أن الخل مساو ولم يوجد من يعرف حاله فما معنى الغلبة إلا أن يقال : مراده أنه ينظر لغالب ما يعرض للعصير المختلط بخل مساو له ، وعليه فلو لم يعلم حال ألبتة فينبغي عدم طهارته نظرا إلى ما هو الغالب في العصير من حيث هو من تخمره قبل التخلل ( قوله : وهي ) أي الغير ، فالمحترمة هي التي عصرت بقصد الخلية أو لا بقصد شيء ، وهل عصرها بقصد الخمرية كبيرة [ ص: 250 ] أو صغيرة ؟ فيه نظر ، والأقرب الثاني .



حاشية المغربي

[ ص: 248 ] قوله : اسم لكل مسكر ) أي حقيقة كما هو الظاهر ، ففي استشهاد الشارح به على ما قدمه صعوبة ، وفي المسألة قولان : هل الخمر حقيقة في المعتصرة من العنب مجاز في غيرها . أو حقيقة في كل مسكر ؟ ( قوله : متنوعا ) ليس بقيد في الحكم وإنما قيد به ; لأنه الذي وقع السؤال عنه لكونه الواقع ( قوله : فيحتمل أن يقال : إن ذلك الطيب إن كان أقل ) أي عين الطيب لا مجرد رائحته ( قوله : ويحتمل خلافه ) أي ، وهو الطهارة مطلقا كما في حاشية الشيخ [ ص: 249 ] قوله : وكالمتنجس بالعين العناقيد إلخ ) مراده به الرد على الشهاب ابن حجر في شرح الإرشاد ، لكن في عبارته مسامحة ، وعبارة الشرح المذكور : وتستثنى العناقيد وحباتها فلا تضر مصاحبتها للخمر إذا تخللت



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث