الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب التعزير ( هو ) لغة التأديب مطلقا ، وقول القاموس إنه يطلق على ضربه دون الحد غلط نهر . [ ص: 60 ] وشرعا ( تأديب دون الحد أكثره تسعة وثلاثون سوطا ، وأقله ثلاثة ) لو بالضرب

، وجعله في الدرر على أربع مراتب [ ص: 61 ] وكله مبني على عدم تفويضه للحاكم مع أنها ليست على إطلاقها ، فإن من كان من أشراف الأشراف لو ضرب غيره فأدماه لا يكفي تعزيره بالإعلام ، وأرى أنه بالضرب صواب ( ولا يفرق الضرب فيه ) وقيل يفرق . ووفق بأنه إن بلغ أقصاه يفرق وإلا لا شرح وهبانية ( ويكون به و ) بالحبس و ( بالصفع ) على العنق ( وفرك الأذن ، وبالكلام العنيف ، وبنظر القاضي له بوجه عبوس ، وشتم غير القذف ) مجتبى وفيه عن السرخسي : لا يباح بالصفع لأنه من أعلى ما يكون من الاستخفاف ، فيصان عن أهل القبلة ( لا بأخذ مال في المذهب ) بحر . وفيه عن البزازية : وقيل يجوز ، ومعناه أن يمسكه مدة لينزجر ثم يعيده له ، فإن أيس من توبته صرفه إلى ما يرى . وفي المجتبى أنه كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ .

التالي السابق


باب التعزير

لما ذكر الزواجر المقدرة شرع في غير المقدرة ، وأخرها لضعفها ، وألحقه بالحدود مع أن منه محض حق العبد لما أنه عقوبة ، وتمامه في النهر ( قوله هو لغة التأديب مطلقا ) أي بضرب وغيره دون الحد أو أكثر منه . ويطلق على التفخيم والتعظيم ، ومنه - { وتعزروه وتوقروه } - فهو من أسماء الأضداد ( قوله غلط ) لأن هذا وضع شرعي لا لغوي إذ لم يعرف إلا من جهة الشرع ، فكيف نسب لأهل اللغة الجاهلين بذلك من أصله . والذي في الصحاح بعد تفسيره بالضرب ، ومنه سمي ضرب ما دون الحد تعزيرا ، فأشار إلى أن هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن الحقيقة اللغوية بزيادة قيد هو كون ذلك الضرب دون الحد الشرعي ، فهو كلفظ الصلاة والزكاة ونحوهما المنقولة لوجود المعنى اللغوي فيها وزيادة ، وهذه دقيقة مهمة تفطن لها صاحب الصحاح وغفل عنها صاحب القاموس ، وقد وقع له نظير ذلك كثيرا وهو غلط يتعين التفطن له . ا هـ . نهر عن ابن حجر المكي .

وأجيب بأنه لم يلتزم الألفاظ اللغوية فقط ، بل يذكر المنقولات الشرعية والاصطلاحية وكذا الألفاظ الفارسية تكثيرا [ ص: 60 ] للفوائد ، وفيه نظر لأن كتابة موضوع لبيان المعاني اللغوية ، فحيث ذكر غيرها كان عليه التنبيه عليه لئلا يوقع الناظر في الاشتباه ( قوله تأديب دون الحد ) الفرق بين الحد والتعزير أن الحد مقدر والتعزير مفوض إلى رأي الإمام ، وأن الحد يدرأ بالشبهات والتعزير يجب معها ، وأن الحد لا يجب على الصبي والتعزير شرع عليه .

والرابع أن الحد يطلق على الذمي والتعزير يسمى عقوبة له لأن التعزير شرع للتطهير تتارخانية . وزاد بعض المتأخرين أن الحد مختص بالإمام والتعزير يفعله الزوج والمولى وكل من رأى أحدا يباشر المعصية ، وأن الرجوع يعمل في الحد لا في التعزير ، وأنه يحبس المشهود عليه حتى يسأل عن الشهود في الحد لا في التعزير ، وأن الحد لا تجوز الشفاعة فيه وأنه لا يجوز للإمام تركه وأنه قد يسقط بالتقادم بخلاف التعزير فهي عشرة . قلت : وسيجيء غيرها عند قوله وهو حق العبد ( قوله أكثره تسعة وثلاثون سوطا ) لحديث " { من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين } " وحد الرقيق أربعون فنقص عنه سوطا . وأبو يوسف اعتبر أقل حدود الأحرار لأن الأصل الحرية فنقص سوطا في رواية عنه : وظاهر الرواية عنه تنقيص خمسة كما روي عن علي .

ويجب تقليد الصحابي فيما لا يدرك بالرأي لكنه غريب عن علي وتمامه في الفتح . وفي الحاوي القدسي قال أبو يوسف : أكثره في العبد تسعة وثلاثون سوطا ; وفي الحر خمسة وسبعون سوطا وبه نأخذ ا هـ فعلم أن الأصح قول أبي يوسف بحر . قلت : يحتمل أن قوله وبه نأخذ ترجيح للرواية الثانية عن أبي يوسف على الرواية الأولى لكون الثانية هي ظاهر الرواية عنه ، ولا يلزم من هذا ترجيح قوله على قولهما الذي عليه متون المذهب مع نقل العلامة قاسم تصحيحه عن الأئمة ، ولذا لم يعول الشارح على ما في البحر .

وعن أبي يوسف أنه يقرب كل جنس إلى جنسه ، فيقرب اللمس والقبلة من حد الزنا وقذف غير المحصن أو المحصن بغير الزنا من حد القذف صرفا لكل نوع إلى نوعه : وعنه أنه يعتبر على قدر عظم الجرم وصغره زيلعي ( قوله وأقله ثلاثة ) أي أقل التعزير ثلاث جلدات وهكذا ذكره القدوري ، فكأنه يرى أن ما دونها لا يقع به الزجر ، وليس كذلك بل يختلف ذلك باختلاف الأشخاص ، فلا معنى لتقديره مع حصول المقصود بدونه فيكون مفوضا إلى رأي القاضي يقيمه بقدر ما يرى المصلحة فيه على ما بينا تفاصيله ، وعليه مشايخنا رحمهم الله تعالى زيلعي ، ونحوه في الهداية .

قال في الفتح : فلو رأى أنه ينزجر بسوط واحد اكتفى به ، وبه صرح في الخلاصة . ومقتضى الأول أنه يكمل له ثلاثة لأنه حيث وجب التعزير بالضرب ، فأقل ما يلزم أقله ، إذ ليس وراء الأقل شيء ثم يقتضي أنه لو رأى أنه إنما ينزجر بعشرين كانت أقل ما يجب فلا يجوز نقصه عنها ، فلو رأى أنه لا ينزجر بأقل من تسعة وثلاثين صار أكثره أقل الواجب ، وتبقى فائدة تقدير الأكثر بها أنه لو رأى أنه لا ينزجر إلا بأكثر منها يقتصر عليها ، ويبدل ذلك الأكثر بنوع آخر وهو الحبس مثلا ( قوله لو بالضرب ) يعني أن تقدير التعزير بما ذكر إنما هو فيما لو رأى القاضي تعزيره بالضرب فليس له الزيادة على الأكثر ، فلا ينافي ما يأتي من أن التعزير ليس فيه تقدير ، بل هو مفوض إلى رأي القاضي لأن المراد تفويض أنواعه من ضرب ونحوه كما يأتي ( قوله على أربع مراتب ) تعزير أشراف الأشراف ، وهم العلماء والعلوية بالإعلام ، بأن يقول له القاضي بلغني أنك تفعل كذا فينزجر به . وتعزير الأشراف ، وهم نحو الدهاقين بالإعلام والجر إلى باب القاضي والخصومة في ذلك .

وتعزير الأوساط ، وهم السوقة بالجر والحبس . وتعزير الأخساء بهذا كله وبالضرب ا هـ ومثله في الفتح عن الشافي والزيلعي عن النهاية ، ويأتي الكلام عليه . والدهاقين : جمع دهقان بكسر الدال وقد تضم [ ص: 61 ] وهو معرب يطلق على رئيس القرية ، والتاجر ، ومن له مال وعقار مصباح ( قوله وكله مبني إلخ ) أي كل ما ذكر من المراتب الأربعة ، ولا يصح أن يرجع إلى ما في المتن أيضا لأن ما ذكر فيه من التقدير لا فرق فيه بين القول بالتفويض وعدمه كما علمت فافهم . ثم إن ما ذكره من أنه مخالف للقول بالتفويض هو ما فهمه في البحر حيث قال : وظاهره أنه ليس مفوضا إلى رأي القاضي وأنه ليس له التعزير بغير المناسب لمستحقه وظاهر الأول : أي القول بالتفويض أن له ذلك ا هـ .

قلت : وفيه كلام نذكره قريبا ( قوله فإن من كان إلخ ) سنذكر ما يؤيده قريبا ( قوله ولا يفرق الضرب فيه ) بل يضرب في موضع واحد لأنه جرى فيه التخفيف من حيث العدد ، فلو خفف من حيث التفريق أيضا يفوت المقصود من الانزجار ( قوله وقيل يفرق ) ذكره محمد في حدود الأصل والأول ذكره في أشربة الأصل ( قوله ووفق إلخ ) فليس في المسألة روايتان ، بل اختلاف الجواب لاختلاف الموضوع ، وهذا التوفيق مذكور في شروح الهداية والكنز ( قوله وإلا لا ) أي إن لم يبلغ الأكثر بل كان بالأدنى كثلاث ونحوها لأنه لا يفسد العضو كما في الفتح وبه علم أن المراد بالأقصى الأكثر أو ما قاربه مما يخشى من جمعه على عضو واحد إفساده فافهم قال الزيلعي : ويتقي المواضع التي تتقى في الحدود .

أي كالرأس والمذاكير ( قوله ويكون ) أي التعزير به : أي بالضرب إلخ وليس مراده حصر أنواعه فيما ذكر كما يفيده قوله الآتي ويكون بالنفي عن البدائع . قلت : ويكون أيضا بالتشهير والتسويد لشاهد الزور كما سنذكره آخر الباب ( قوله وبالصفع ) هو أن يبسط الرجل كفه فيضرب بها قفا الإنسان أو بدنه ، فإذا قبض كفه ثم ضربه فليس بصفع بل يقال ضربه بجمع كفه مصباح ( قوله فيصان عنه أهل القبلة ) وإنما يكون لأهل الذمة عند أخذ الجزية منهم .

مطلب في التعزير بأخذ المال ( قوله لا بأخذ مال في المذهب ) قال في الفتح : وعن أبي يوسف يجوز التعزير للسلطان بأخذ المال . وعندهما وباقي الأئمة لا يجوز . ا هـ . ومثله في المعراج ، وظاهره أن ذلك رواية ضعيفة عن أبي يوسف . قال في الشرنبلالية : ولا يفتى بهذا لما فيه من تسليط الظلمة على أخذ مال الناس فيأكلونه ا هـ ومثله في شرح الوهبانية عن ابن وهبان ( قوله وفيه إلخ ) أي في البحر ، حيث قال : وأفاد في البزازية أن معنى التعزير بأخذ المال على القول به إمساك شيء من ماله عنه مدة لينزجر ثم يعيده الحاكم إليه ، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي .

وفي المجتبى لم يذكر كيفية الأخذ وأرى أن يأخذها فيمسكها ، فإن أيس من توبته يصرفها إلى ما يرى . وفي شرح الآثار : التعزير بالمال كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ . ا هـ . [ ص: 62 ] والحاصل أن المذهب عدم التعزير بأخذ المال ، وسيذكر الشارح في الكفالة عن الطرسوسي أن مصادرة السلطان لأرباب الأموال لا تجوز إلا لعمال بيت المال : أي إذا كان يردها لبيت المال




الخدمات العلمية