الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          ولا يلزم الرضاء بمرض وفقر وعاهة ، خلافا لابن عقيل ، [ ص: 287 ] ويحرم الرضا بما فعله العبد من كفر ومعصية ، ذكره ابن عقيل إجماعا ، وذكر شيخنا وجها : لا يرضى بذلك ; لأنها من المقضي ، قال : وقيل : يرضى بها من جهة كونها خلقا لله ، لا من جهة كونها فعلا للعبد ، قال : وكثير من النساك والصوفية ومن أهل الكلام حيث رأوا أن الله خالق كل شيء وربه اعتقدوا أن ذلك يوجب الرضا والمحبة لكل ذلك ، حتى وقعوا في قول المشركين { لو شاء الله ما أشركنا } الآية ، وغفلوا عن كون الخالق نهى عن ذلك وأبغضه ، وسبب ذلك اشتباه مسألة الشرع والقدر ، ويتمسكون بالإجماع على الرضا بقضاء الله ، وهذا كلام مجمل يتمسك به القدرية المشركية ، وأما القدرية المجوسية فنفوا أن الله قدره وقضاه وإلا للزم الرضاء بكل مقتضى [ به ، والرضاء بالكفر كفر بالإجماع ، قال : والتحقيق أنه ليس في الكتاب والسنة نص يأمر فيه بالرضاء ] ولا قاله أحد من السلف ، وأما ما في كلام العلماء والآثار من الرضى بالقضاء فإنما أرادوا ما ليس من فعل العباد ; ولأنه إذا لم يجب الصبر على ذلك ، بل تجب إزالته بحسب الإمكان ، فالرضاء أولى ، ثم ذكر شيخنا أنه إذا نظر إلى إحداث الرب لذلك ، للحكمة التي يحبها ويرضاها ، رضي لله بما رضيه [ ص: 288 ] لنفسه ، فيرضاه ويحبه مفعولا مخلوقا لله . ويبغضه ويكرهه فعلا للمذنب المخالف لأمر الله ، وهذا كما نقول فيما خلقه من الأجسام الخبيثة ، قال : فمن فهم هذا الموضع انكشف له حقيقة هذا الأمر الذي حارت فيه العقول ، والله أعلم ، قال ابن الجوزي : والصبر على العافية أشد ; لأنه لا يتم إلا بالقيام بحق الشكر ، قال ابن عقيل وغيره : وتهون المصيبة بالنظر إلى جلال من صدرت منه وحكمته وملكه .

                                                                                                          وقال ابن الجوزي في قوله تعالى { ما أصاب من مصيبة في الأرض } اعلم أن من علم أن ما قضي لا بد أن يصيبه قل حزنه وفرحه ، قال إبراهيم الحربي : اتفق العقلاء من كل أمة أن من لم يمش مع القدر لم يتهن بعيش وليعلم قوله عليه السلام { الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر } وقوله عليه السلام { الدنيا دار بلاء ، فمن ابتلي فليصبر ، ومن عوفي فليشكر } وقوله { أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون الأمثل فالأمثل } ومن نظر في سير الأنبياء وسادات أتباعهم وجد منهم من كابد النار وذبح الولد كإبراهيم ، ومنهم من صبر على الفقر وقاسى من قومه المحن ، ومنهم من بكى الزمن الطويل ، من نظر في ذلك وفي كون مصيبته لم تكن في دينه هانت عليه مصيبته بلا شك ، وتسلى بهم وتأسى ، وليعلم الإنسان قوله عليه السلام { احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله } وقوله تعالى عن يونس [ ص: 289 ] { فلولا أنه كان من المسبحين } وعن فرعون { آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين } ومن قصيدة التهامي التي رثى بها ولده .

                                                                                                          طبعت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأقذاء والأكدار     ومكلف الأيام ضد طباعها
                                                                                                          متطلب في الماء جذوة نار

                                                                                                          وكان شيخنا يتمثل بهذين البيتين كثيرا ، فالعجب ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع ، وأعجب منه من يطلب من المطبوع على الضر النفع .

                                                                                                          وقد قيل :

                                                                                                          وما استغربت عيني فراقا رأيته     ولا علمتني غير ما القلب عالمه

                                                                                                          قال ابن الجوزي من تأمل حقائق الأشياء رأى الابتلاء عاما والأغراض منعكسة وعلى هذا وضع هذه الدار ، فمن طلب نيل غرضه من هذه الدار فقد رام ما لم توضع له ، بل ينبغي أن يوطن نفسه على المكروهات ، فإن جاءت راحة عدها عجبا .

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          الخدمات العلمية