الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله وجدت زوجها مجبوبا فرق في الحال ) وهو من استؤصل ذكره وخصيتاه يقال جببته جبا من باب قتل قطعته وهو مجبوب بين الجباب بالفتح والكسر كذا في المصباح وإنما لم يؤجل لعدم الفائدة ولما كان التفريق لفوات حقها توقف على طلبها ولم يذكره هنا اكتفاء بما ذكره في العنين وأشار إلى أنه لو جب بعد الوصول إليها مرة لا خيار لها كما إذا صار عنينا بعده ويلحق بالمجبوب من كان ذكره صغيرا جدا كالزر لا من كانت آلته قصيرة لا يمكن إدخالها داخل الفرج فإنها لا حق لها في المطالبة بالتفريق كذا في المحيط وظاهره أنه إذا كان لا يمكن إدخالها أصلا فإنه كالمجبوب لتقييده بالداخل وأطلق الزوج المجبوب فشمل الصغير والمريض بخلاف العنين حيث ينتظر بلوغه أو برؤه لاحتمال الزوال وأراد بالمرأة من لها حق المطالبة بالجماع ; لأنها لو كانت صغيرة انتظر بلوغها في المجبوب والعنين لاحتمال رضاها بخلاف ما لو كان أحدهما مجنونا فإنه لا يؤخر إلى عقله في الجب والعنة لعدم الفائدة .

                                                                                        ويفرق بينهما للحال في الجب وبعد التأجيل في العنين ; لأن الجنون لا يعدم الشهوة ، بخصومة ولي إن كان وإلا فمن ينصبه القاضي ، ولو جاء الولي ببينة في المسألتين على رضاها بعنته أو جبه أو على علمها بحاله عند [ ص: 134 ] العقد لم يفرق ولو طلب يمينها على ذلك تحلف وإن نكلت لم يفرق وإن حلفت فرق كذا في فتح القدير وقالوا لو جاءت امرأة المجبوب بولد بعد التفريق إلى سنتين يثبت نسبه ولا يبطل التفريق بخلاف العنين حيث يبطل التفريق ; لأنه لما ثبت نسبه لم يبق عنينا ونظر فيه الشارح بأن الطلاق وقع بتفريقه وهو بائن فكيف يبطل ألا ترى أنها لو أقرت بعد التفريق أنه كان قد وصل إليها لا يبطل التفريق وجوابه أن ثبوت النسب من المجبوب باعتبار الإنزال بالسحق والتفريق بينهما باعتبار الجب وهو موجود بخلاف ثبوته من العنين فإنه يظهر به أنه ليس بعنين والتفريق باعتباره بخلاف ما استشهد به من إقرارها فإنها متهمة في إبطال القضاء لاحتمال كذبها فظهر أن البحث بعيد كما في فتح القدير ، وفي الخانية من فصل العنين إذا شهد شاهدان بعد تفريق القاضي على إقرار المرأة قبل التفريق أنه وصل إليها يبطل تفريق القاضي ، ولو أقرت بعد التفريق أنه قد وصل إليها لم تصدق على إبطال تفريق القاضي ا هـ .

                                                                                        والحاصل أن تفريق القاضي في العنين يبطل بمجيء الولد وإقامة البينة على إقرارها بالوصول وفي التتارخانية كان الزوج مجبوبا ولم تعلم بحاله فجاءت بولد فادعاه وأثبت القاضي نسبه ثم علمت بحاله وطلبت الفرقة فلها ذلك ا هـ .

                                                                                        وأطلق في المرأة ولا بد من تقييدها بأن لا تكون رتقاء فإن الرتقاء إذا وجدته مجبوبا لا خيار لها كما في الخانية وأن تكون حرة ; لأن زوج الأمة إذا كان مجبوبا أو عنينا فالخيار إلى المولى في قول أبي حنيفة فإن رضي المولى لا حق للأمة وإن لم يرض كانت الخصومة له كما في العزل ، وقال أبو يوسف الخيار إلى الأمة كقوله في العزل واختلفوا في قول محمد فقيل مع أبي يوسف ما في العزل وقيل مع الإمام هنا كذا في الخانية ولم يقيد التفريق بالطلب للحال ; لأنها لو وجدته مجبوبا فأقامت معه زمانا وهو يضاجعها كانت على خيارها ولم يذكر حكم ما إذا اختلفا في كونه مجبوبا .

                                                                                        وحكمه أنه إذا كان يعرف حقيقة حاله بالمس من غير نظر يمس من وراء الثياب ولا تكشف عورته وإن كان لا يعرف إلا بالنظر أمر القاضي أمينا لينظر إلى عورته فيخبر بحاله ; لأن النظر إلى العورة يباح عند الضرورة كذا في الخانية ولم يذكر المصنف صفة الفرقة هنا اكتفاء بما ذكره في العنين وهو طلاق بائن كفرقة العنين كما في الخانية .

                                                                                        والحاصل أن المجبوب كالعنين إلا في خصلة واحدة وهي أن العنين يؤجل والمجبوب لا كذا في التتارخانية ويزاد مسألة بطلان التفريق بمجيء الولد كما قد علمت والثالثة لا ينتظر بلوغه والرابعة لا تشترط صحته ، وفي فتح القدير وما نقل عن الهندواني أنه يؤتى بطست فيه ماء بارد فيجلس فيه العنين فإن تقلص ذكره وانزوى علم أنه لا عنة به وإلا علم أنه عنين لو اعتبر هذا لزم أن لا يؤجل سنة ; لأن التأجيل ليس إلا ليعرف أنه عنين على ما قالوا ; إذ لا فائدة فيه إن أجل مع ذلك لكن التأجيل لا بد منه ; لأنه حكمه ا هـ .

                                                                                        والحاصل أن طلبها التفريق في العنين له شرائط مختصة بهما فالمختص به أن يكون الزوج بالغا صحيحا لم يصل إليها مرة فالصبي لا يؤجل إلا بعد بلوغه والمريض بعد صحته والمختص بها أن تكون حرة بالغة غير رتقاء وقرناء غير عالمة بحاله قبل النكاح وغير راضية به بعده .

                                                                                        ( قوله وأجل سنة لو عنينا أو خصيا ) وهو من نزع خصيتاه وبقي ذكره وهو بفتح الخاء فعيل بمعنى مفعول مثل جريح وقتيل والجمع خصيان والخصيتان بالتاء البيضتان الواحدة خصية وبدون التاء الخصيان الجلدتان وجمع الخصية خصى كمدية ومدى وخصيت العبد أخصيه خصاء بالكسر والمد سللت خصيته وخصيت الفرس قطعت ذكره فهو مخصي ويجوز استعمال فعيل ومفعول فيهما كذا في المصباح ولا فرق هنا بين سلهما وقطعهما إذا كان ذكره لا ينتشر قيدنا به ; لأن آلته لو كانت تنتشر لا خيار لها كما في المحيط وعلى هذا لا حاجة إلى عطفه على [ ص: 135 ] العنين ; لأنه إن لم يكن عنينا فلا تأجيل وإلا فهو داخل فيه ولذا لم يصرح بالخنثى الذي يبول من مبال الرجال والصبي الذي بلغ أربع عشرة سنة والشيخ الكبير وحكم الثلاثة التأجيل كالعنين كما في الخانية لدخول الكل تحت اسم العنين قال في الخانية يؤجل الشيخ الكبير إن كان لا يصل إليها ا هـ .

                                                                                        والمراد من المؤجل الحاكم ولا عبرة بتأجيل غيره قال في الخانية أيضا وتأجيل العنين لا يكون إلا عند قاضي مصر أو مدينة فلا يعتبر تأجيل المرأة ولا تأجيل غيرها ا هـ .

                                                                                        وأما رضاها به عند غير الحاكم فمسقط لحقها كما في الخلاصة ، ولو عزل القاضي بعد ما أجله بنى المتولي على تأجيل الأول وابتدأ السنة من وقت الخصومة واستفيد من وضع المسألة أن نكاح العنين صحيح فإن علمت بعنته وقت النكاح فلا خيار لها كما لو علم المشتري بعيب المبيع وإن لم تعلم به وقته وعلمت بعده كان لها الخصومة وإن طال الزمان كما في الخانية ، وفي المحيط والإمام المتبع في أحكام العنين عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم ولم ينقل عن أقرانهم خلافه فحل محل الإجماع ولأن عدم الوصول قد يكون لعلة معترضة وقد يكون لآفة أصلية فلا بد من ضرب مدة لاستبانة العلة من العنة فقدر بسنة لاشتمالها على الفصول الأربع ا هـ .

                                                                                        وقد كتبنا في القواعد الفقهية في مذهب الحنفية أن قاضيا لو قضى بعدم تأجيل العنين لم ينفد قضاؤه ولم يقيد المرأة بشيء ولا بد من كونها حرة وغير رتقاء كما قدمناه في زوجة المجبوب وعلله في الاختيار بأن الرتقاء لا حق لها في الوطء فلا تملك الطلب ، ولو اختلفا في كونها رتقاء يريها النساء كما في التتارخانية وأطلق الزوج فشمل المعتوه لما في الخانية والمعتوه إذا زوجه وليه امرأة فلم يصل إليها أجله القاضي سنة بحضرة الخصم عنه ولا بد من تقييد الزوج بكونه صحيحا كما سيأتي أن المريض لا يؤجل حتى يصح ولم يذكره محمد واختلفوا في تلك السنة فقيل شمسية وهي تزيد على القمرية بأحد عشر يوما قال في الخلاصة وعليه الفتوى وقيل قمرية وهي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما وصححه في الواقعات والولوالجية وهو ظاهر الرواية كما في الهداية فكان هو المعتمد ; لأنه الثابت عن صاحب المذهب ، وفي الخانية إذا ثبت عدم الوصول أجله القاضي طلب أو لم يطلب ويكتب التأجيل ويشهد على التاريخ وفي المجتبى إذا كان التأجيل في أثناء الشهر يعتبر بالأيام إجماعا كما ذكره في العدة .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قوله من كان ذكره صغيرا كالزر ) بكسر الزاي واحد الأزرار ( قوله لا من كانت آلته قصيرة إلخ ) بحث فيه الشرنبلالي في شرحه على الوهبانية فقال أقول : إن هذا دون حال العنين لإمكان زوال عنته فيصل إليها وهو مستحيل هنا فحكمه حكم المجبوب بجامع أنه لا يمكنه إدخال آلته القصيرة داخل الفرج فالضرر الحاصل للمرأة به مساو لضرر المجبوب فلها طلب التفريق وبهذا ظهر أن انتفاء التفريق لا وجه له وهو من القنية فلا يسلم ا هـ .

                                                                                        وقد علمت نقله هنا عن المحيط أيضا فعدم تسليمه ممنوع .

                                                                                        ( قوله وبعد التأجيل في العنين ; لأن الجنون إلخ ) قال في البدائع وإن كان الزوج كبيرا مجنونا فوجدته عنينا قالوا إنه لا يؤجل كذا ذكر الكرخي ; لأن التأجيل للتفريق عند عدم الدخول وفرقة العنين طلاق والمجنون لا يملك الطلاق وذكر القاضي في شرح مختصر الطحاوي أنه ينتظر حولا ولا ينتظر إلى إفاقته بخلاف الصبي ; لأن الصغر مانع من الوصول فيتأتى إلى أن يزول الصغر ثم يؤجل سنة فأما الجنون فلا يمنع الوصول ; لأن المجنون يجامع فيولج للحال والصحيح ما ذكره الكرخي إنه لا يؤجل أصلا لما ذكرنا ا هـ .

                                                                                        ومقتضى هذا أنه لا يؤجل ولا يفرق إذا كان المجنون مجبوبا ; إذ لا فرق بين المجبوب والعنين في العلة المذكورة عند الكرخي ، وكذا الصغير المجبوب لكن تقدم في باب نكاح الكافر ما قد ينافي ذلك في التفريق بينه وبين زوجته بإبائه عن [ ص: 134 ] الإسلام لو عاقلا أو إباء وليه وهذا التفريق طلاق [ ص: 135 ] ( قوله لا يكون إلا عند قاضي مصر أو مدينة ) قال الرملي ومن في معناه كالمحكم فسيأتي في بابه أنه يصح حكمه في غير حد وقود فيشمل التأجيل المذكور وغيره ، ولو مع وجود القاضي لإطلاقهم تأمل ا هـ .

                                                                                        ويخالفه ما في الفتح حيث قال ولا يعتبر تأجيل غير الحاكم كائنا من كان ا هـ .

                                                                                        وفي الولوالجية ولا يكون إلا عند القاضي ; لأن هذا مقدمة أمر لا يكون إلا عند القاضي وهو الفرقة فكذا مقدمته ( قوله قال في الخلاصة وعليه الفتوى ) قال في الفتح اختاره شمس الأئمة السرخسي وقاضي خان وظهير الدين وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة ( قوله وقيل قمرية ) قال في الفتح وجهه أن الثابت عن الصحابة كعمر رضي الله تعالى عنه ومن ذكرنا معه اسم السنة قولا وأهل الشرع إنما يتعارفون الأشهر والسنين بالأهلة فإذا أطلقوا السنة انصرف إلى ذلك ما لم يصرحوا بخلافه .




                                                                                        الخدمات العلمية