الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ثم ذكر في الخامس عشر من أنواع الدعاوى الدعوى في العقار إنما يحتاج إلى إثبات يد المدعى عليه في العقار إذا ادعاه بالملك المطلق أما إذا ادعى الشراء منه ، وإقراره بأنه في يده فأنكر الشراء ، وأقر بكونه في يده لا يحتاج إلى إعادة البينة على كونه في يده والفرق أن دعوى الفعل كما تصح [ ص: 201 ] على ذي اليد تصح على غيره أيضا فإنه يدعي علته التمليك والتملك ، وهو كما يتحقق من ذي اليد يتحقق من غيره أيضا فعدم ثبوت اليد بالإقرار لا يمنع صحة الدعوى أما دعوى الملك المطلق فدعوى ترك التعرض بإزالة اليد ، وطلب إزالتها لا يتصور إلا من صاحب اليد وبإقراره لا يثبت كونه ذا يد لاحتمال المواضعة كما قررناه من قبل . ا هـ .

                                                                                        والحاصل أن اشتراط ثبوت اليد في العقار إنما هو في دعوى الملك المطلق أما في دعوى الغصب والشراء فلا ، وفي الخانية فالحاصل أن دعوى الملك في العقار لا تسمع إلا على صاحب اليد ودعوى اليد تقبل على غير صاحب اليد إذا كان ذلك الغير ينازعه في اليد فيجعل مدعيا لليد مقصودا ، ومدعيا للملك تبعا لملك اليد . ا هـ .

                                                                                        وقد ظهر بما ذكرناه ، وأطلقه أصحاب المتون أنه يصح دعوى الملك المطلق في العقار بلا بيان سبب الملك ، وفي دعوى البزازية من فصل التناقض .

                                                                                        واعلم أن مشايخ فرغانة ذكروا أن الشرط في دعوى العقار في بلاد قدم بناؤها بيان السبب ، ولا تسمع فيه دعوى الملك المطلق لوجوه : الأول أن دعوى الملك المطلق دعوى الملك من الأصل بسبب الخطة ، ومعلوم أن صاحب الخطة في مثل تلك البلاد غير موجود فيكون كذبا لا محالة فكيف يقضى به . والثاني أنه لما تعذر القضاء بالمطلق لما قلنا فلا بد من أن يقضى بالملك بسبب وذلك إما سبب مجهول أو معلوم فالمجهول لا يمكن القضاء به للجهالة والمعلوم لعدم تعيين المدعي إياه . والثالث أن الاستحقاق لو فرض بسبب حادث يجوز أن يكون ذلك السبب شراء ذي اليد من آخر ثم يجوز أن يكون السبب سابقا على تملك ذي اليد فيمنع الرجوع ويجوز أن يكون لاحقا فلا يمنع الرجوع فيشتبه وكل هذه الرواية غير متحقق في المنقول لعدم المانع من الحمل على التملك من الأصل . ا هـ .

                                                                                        ( قوله : وأنه يطالبه ) أي وذكر المدعي أنه يطالب المدعى عليه بالمدعى ; لأن المطالبة حقه فلا بد من طلبه ; ولأنه يحتمل أن يكون مرهونا في يده أو محبوسا بالثمن في يده ، وإنما يزول هذا الاحتمال بالمطالبة ( قوله : وإن كان دينا ذكر وصفه ) ; لأنه لا بد من تعريفه ، وهو بالوصف أطلقه فشمل المكيل والموزون نقدا وغيره ، وقدمنا أنه في دعوى المثليات لا بد أن يذكر الجنس والنوع والصفة والقدر وسبب الوجوب ، ولذا قال في الخزانة ، وإذا ادعى عليه عشرة أقفزة حنطة دينا عليه ، ولم يذكر بأي سبب لا تسمع ، ولا بد من بيان السبب ; لأنها إذا كانت بسبب السلم فإنما يكون له حق المطالبة في الموضع الذي عيناه ، وإن كانت بسبب القرض أو بسبب كونها ثمن المبيع يتعين مكان القرض والبيع مكان الإيفاء ، وإن كان بسبب الغصب والاستهلاك فيكون له حق المطالبة لتسليم الحنطة في مكان الغصب والاستهلاك . ا هـ .

                                                                                        وفيها ، وفي دعوى القرض يذكر أن المقرض أقرضه كذا من مال نفسه لجواز أن يكون وكيلا بالإقراض ، والوكيل بالإقراض سفير ومعير لا يطالب بالأداء ويذكر أيضا وصرف المستقرض ذلك إلى حاجة نفسه ليصير ذلك دينا عليه إجماعا ; لأن عند أبي يوسف المستقرض لا يصير دينا في ذمة المستقرض إلا بصرفه في حوائج نفسه ، وفي القرض لا يشترط بيان مكان الإيفاء ويتعين مكان العقد . ا هـ .

                                                                                        وأما الدعوى بسبب الإقرار في العين والدين فالمفتى به عند المشايخ أنها إن كانت في طرف الاستحقاق لا تسمع ، وإن في طرف الدفع تسمع ، والبيان مع التمام في البزازية والخزانة .

                                                                                        ( قوله : وأنه يطالبه به ) لما قلنا ; ولأن صاحب الذمة قد حضر فلم يبق إلا المطالبة هكذا جزم به في المتون والشروح ، وليس المراد لفظ وأطالبه به بل هو أو ما يفيده من قوله مرة ليعطني حقي كما في العمدة ، وأما أصحاب الفتاوى كما في الخلاصة والبزازية فجعلوا اشتراطه قولا ضعيفا قال في الخلاصة رجل ادعى على آخر عشرة دراهم عند القاضي ، وقال لي عليه عشرة دراهم ، ولم يزد على هذا اختلف المشايخ فيه قال بعضهم الدعوى صحيحة ، وقال بعضهم لا يصح ما لم يقل مرة ليعطني حقي هذا في النوازل قال أبو نصر الصحيح أنه تسمع الدعوى . ا هـ .

                                                                                        ومثله في البزازية ، ولم أر أحدا نبه عليه ثم اعلم أن في كلام أصحاب المتون والشروح في الدعوى قصورا فإنهم [ ص: 202 ] لم يبينوا بقية شرائط دعوى الدين ، ولم يذكروا دعوى العقد أما الأول ففي دعوى البضاعة الوديعة بسبب الموت مجهلا لا بد أن يبين قيمته يوم موته إذ الواجب عليه قيمته يوم موته ، وفي دعوى مال المضاربة بموت المضارب مجهلا لا بد من ذكر أن مال المضاربة يوم موته نقد أو عرض ; لأنه لو عرضا فله ولاية دعوى قيمة العرض ، وفي دعوى مال الشركة بموته مجهلا لا بد من ذكر أنه مات مجهلا لمال الشركة أم للمشتري بمال الشركة إذ مال الشركة مضمون بالمثل والمشترى بمال الشركة مضمون بالقيمة .

                                                                                        ولو ادعى مالا بكفالة لا بد من بيان المال أنه بأي سبب لجواز بطلانها إذ الكفالة بنفقة المرأة إذا لم تذكر مدة معلومة لا تصح إلا أن يقول ما عشت أو ما دامت في نكاحه ، والكفالة بمال الكتابة لا تصح ، وكذا بالدية على العاقلة ، ولا بد أن يقول ، وأجار المكفول له الكفالة في مجلس الكفالة حتى لو قال في مجلسه لم يجز ، ولو ادعت امرأة مالا على ورثة الزوج لم يصح ما لم تبين السبب لجواز أن يكون دين النفقة ، وهي تسقط بموته ، وفي دعوى الدين على الميت لو كتب توفي بلا أدائه وخلف من التركة بيد هذا الوارث ما يفي تسمع هذه الدعوى وإن لم يبين أعيان التركة وبه يفتى .

                                                                                        لكن إنما يأمر القاضي الوارث بأداء الدين لو ثبت وصول التركة إليه ، ولو أنكر وصولها إليه لا يمكن إثباته إلا بعد بيان أعيان التركة في يده بما يحصل به الإعلام ، ولو ادعى الدين بسبب الوراثة لا بد من بيان كل ورثته ، وفي دعوى السعاية لا يجب ذكر قابض المال ، ولكن في محضر دعواها لا بد أن يفسر السعاية لننظر أنه هل يجب الضمان عليه لجواز أنه سعى بحق فلا يضمن ، ولو ادعى الضمان على الآمر أنه أمر فلانا ، وأخذ منه كذا تصح الدعوى على الآمر لو سلطانا ، وإلا فلا ، وأما دعوى العقد من بيع ، وإجارة ووصية وغيرها من أسباب الملك لا بد من بيان الطوع والرغبة بأن يقول باع منه طائعا وراغبا في حال نفاذ تصرفه لاحتمال الإكراه ، وفي ذكر التخارج والصلح من التركة لا بد من بيان أنواع التركة وتحديد العقار وبيان قيمة كل نوع ليعلم أن الصلح لم يقع على أزيد من قيمة نصيبه ; لأنهم لو استهلكوا التركة ثم صالحوا المدعي على أزيد من نصيبه لم يجز عندهم كما في الغصب ، وفي دعوى البيع مكرها لا حاجة إلى تعيين المكره هذا ما حررته من كلامهم .

                                                                                        [ ص: 201 ]

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        [ ص: 201 ] ( قوله : والحاصل أن اشتراط إلخ ) أقول : هذه المسألة تقع كثيرا ويغفل القضاة عنها في زماننا حيث لا يتعرضون إلى البينة على اليد مطلقا فلذا نظمتها بقولي

                                                                                        واليد لا تثبت في العقار مع التصادق فلا تماري فيلزم البرهان ما لم يدع
                                                                                        عليه غصبا أو شراء مدعي

                                                                                        [ ص: 202 ] ( قوله : وفي دعوى السعاية ) أي السعاية به إلى الحاكم .




                                                                                        الخدمات العلمية