الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                وخرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث :

                                الحديث الأول :

                                628 659 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ، ما لم يحدث : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه ، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة ) .

                                التالي السابق


                                دل هذا الحديث على فضل أمرين :

                                أحدهما : الجلوس في المصلى ، وهو موضع الصلاة التي صلاها ، والمراد به في المجلس دون البيت ، وآخر الحديث يدل عليه .

                                قال ابن عبد البر : ولو صلت المرأة في مسجد بيتها وجلست فيه تنتظر الصلاة فهي داخلة في هذا المعنى إذا كان يحبسها عن قيامها لأشغالها انتظار الصلاة .

                                ( وإن الملائكة تصلي عليه ما لم يحدث ) وقد فسر صلاة الملائكة عليه بالدعاء له بالمغفرة والرحمة ، والصلاة قد فسرت بالدعاء ، وفسرت بالثناء والتنويه بالذكر ، ودعاء الملائكة بينهم لعبد هو تنويه منهم بذكره وثناء عليه بحسن عمله .

                                وقد قيل : صلاتهم عليه مقبولة ما لم يحدث .

                                وقد اختلف في تفسير الحدث : هل هو الحدث الناقض للوضوء ، أو [ ص: 55 ] الحدث باللسان من الكلام الفاحش ونحوه ، ومثله الحدث بالأفعال التي لا تجوز ؟ وقد أشرنا إلى هذا الاختلاف في ( كتاب الطهارة ) .

                                وذهب مالك وغيره إلى أنه الحدث الناقض للوضوء ، ورجحه ابن عبد البر ؛ لأن المحدث وإن جلس في المسجد فهو غير منتظر للصلاة ؛ لأنه غير قادر عليها .

                                والثاني : أن منتظر الصلاة لا يزال في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه .

                                وقد فسر ذلك بأنه ( لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة ) ، وهذا يشمل من دخل المسجد للصلاة فيه جماعة قبل إقامة الصلاة فجلس ينتظر الصلاة ، ومن صلى مع الإمام ثم جلس ينتظر الصلاة الثانية .

                                وهذا من نوع الرباط في سبيل الله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ ) قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : ( إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ؛ فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط ) .

                                خرجه مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .

                                وقد ورد تقييد ذلك أيضا بما لم يحدث .

                                خرجه البخاري في ( أبواب نواقض الوضوء ) من رواية ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة ، ما لم يحدث ) فقال رجل أعجمي : ما الحدث يا أبا هريرة ؟ قال : الصوت ، يعني : الضرطة .

                                وقد سبق الكلام عليه في موضعه ، وذكرنا اختلاف الناس في تفسير الحدث والمراد به .

                                [ ص: 56 ] وقد فسره أبو سعيد الخدري كما فسره أبو هريرة أيضا .

                                خرجه الإمام أحمد .

                                ومعنى كونه في الصلاة -والله أعلم- : أن له أجر المصلي وثوابه بحبس نفسه في المسجد للصلاة .

                                وليس في هذا الحديث ولا في غيره من أحاديث الباب الاشتراط للجالس في مصلاه أن يكون مشتغلا بالذكر ، ولكنه أفضل وأكمل ، ولهذا ورد في فضل من جلس في مصلاه بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب ، أحاديث متعددة .

                                وهل المراد بمصلاه نفس الموضع الذي صلى فيه أو المسجد الذي صلى فيه كله مصلى له ؟ هذا فيه تردد .

                                وفي ( صحيح مسلم ) عن جابر بن سمرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناء .

                                وفي رواية له : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت الشمس قام .

                                ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن جلوسه في الموضع الذي صلى فيه ؛ لأنه كان ينفتل إلى أصحابه عقب الصلاة ويقبل عليهم بوجهه .

                                وخرجه الطبراني ، وعنده : كان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس .

                                ولفظة : ( الذكر ) غريبة .

                                [ ص: 57 ] وفي تمام حديث جابر بن سمرة الذي خرجه مسلم : وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية ، فيضحكون ويتبسم .

                                وهذا يدل على أنه لم ينكر على من تحدث وضحك في ذلك الوقت ، فهذا الحديث يدل على أن المراد بمصلاه الذي يجلس فيه المسجد كله .

                                وإلى هذا ذهب طائفة من العلماء ، منهم : ابن بطة من أصحابنا ، وغيره .

                                وقد روي عن أبي هريرة ما يخالف هذا .

                                روى مالك في ( الموطأ ) عن نعيم المجمر ، أنه سمع أبا هريرة يقول : إذا صلى أحدكم ثم جلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه ، تقول : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، فإن قام من مصلاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه في مصلاه حتى يصلي .

                                فهذا يدل على أنه إذا تحول من موضع صلاته من المسجد إلى غيره من المسجد انقطع حكم جلوسه في مصلاه ، فإن جلس ينتظر الصلاة كان حكمه حكم من ينتظرها ، وصلت عليه الملائكة - أيضا - فإن لم يجلس منتظرا للصلاة فلا شيء له ؛ لأنه لم يجلس في مصلاه ولا هو منتظر للصلاة .

                                قال ابن عبد البر : إلا أنه لا يقال : إنه تصلي عليه الملائكة .

                                يعني : على المتحول من مكانه ، وهو ينتظر الصلاة كما تصلي على الذي في مصلاه ينتظر الصلاة .

                                يشير إلى أن الحديث المرفوع إنما فيه صلاة الملائكة على من يجلس في مصلاه لا على المنتظر للصلاة .

                                ولكن قد روي في حديث مرفوع ، فروى عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من صلى الفجر ثم جلس في مصلاه صلت عليه الملائكة ، وصلاتهم عليه : اللهم [ ص: 58 ] اغفر له ، اللهم ارحمه ، ومن ينتظر الصلاة صلت عليه الملائكة ، وصلاتهم عليه : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ) .

                                خرجه الإمام أحمد .

                                وقال علي بن المديني : هو حديث كوفي ، وإسناده حسن .

                                وذكر ابن عبد البر - أيضا - أنه يحتمل أن يكون بقاؤه في مصلاه شرطا في انتظار الصلاة - أيضا - كما كان شرطا في الجلوس في مصلاه .

                                وهذا الذي قاله بعيد ، وإنما يمكن أن يقال فيمن صلى صلاة ثم جلس ينتظر صلاة أخرى ، فأما من دخل المسجد ليصلي صلاة واحدة وجلس ينتظرها قبل أن تقام فأي مصلى له حتى يشترط أن لا يفارقه ؟

                                قال : وقيامه من مجلسه ، المراد به : قيامه لعرض الدنيا ، فأما إذا قام إلى ما يعينه على ما كان يصنعه في مجلسه من الذكر .

                                يعني : أنه غير مراد ، ولا قاطع للصلاة عليه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



                                الخدمات العلمية